تحدّى الهيمنة، وعرّى المنظومة الإعلامية السائدة المصمَّمة وفق قوالب ومصالح الإمبراطورية، وأعاد الاعتبار إلى مهنة الصحافة ودورها في السعي إلى الحقيقة، وإعلام الناس بها. الأسترالي جوليان أسانج (50 عاماً) يواجه اليوم احتمال تسليمه إلى الولايات المتحدة بعدما أصدرت «محكمة وستمنستر» في لندن قبل أيام أمراً رسمياً بذلك. في حال حوكم أمام القضاء الأميركي، يواجه مؤسس ويكيليكس عقوبة تصل إلى السجن 175 عاماً، لأنّه كشف عن الفظاعات الأميركية الممارَسة في العراق وأفغانستان وغيرهما من بقاع العالم تحت شعار الديمقراطية. هنا أبرز الوثائقيات التي تناولت المناضل الذي انحاز إلى حقوق الإنسان، أينما كان


لاعب سياسي عالمي


في صيف 2010، بدأ التلفزيون السويدي متابعة موقع ويكيليكس، ويحقّق في وسائل الإعلام السرية والشخصية الغامضة لرئيسها، جوليان أسانج. سافر الصحافيان جيسبير هوور وبوس ليندكويست إلى البلدان التي يعمل فيها ويكيليكس. أجريا مقابلات مع أعضاء كبار أمثال أسانج، والمتحدثة باسم الشبكة كريستين هرافنسون وآخرين، بالإضافة إلى معارضي ويكيليكس. في النهاية، حصلا على الأجوبة التالية: أين يقع تنظيم هذه الشبكة السرية؟ هل هي أقوى من أي وقت مضى أم أنّ الولايات المتحدة غلبَتها؟ من هو جوليان أسانج: بطل، جاسوس أو مغتصب؟ ما هي أهدافه وعواقبها؟ والنتيجة وثائقي بعنوان WikiRebels (2010) أول وثائقي عن ويكيليكس.
في أقل من عام، انتقل موقع ويكيليكس من موقع ويب غامض إلى لاعب سياسي عالمي، يفضح تاريخ العالم وأحداثه من خلال الكشف عن وثائق سرية عن جرائم الحرب وفساد الشركات الكبيرة وأسرار العلاقات السياسية الدولية. يوضح الوثائقي أن طموحات ويكيليكس أبعد من فضح شركات ودول، بل هي حرب ضد السلطات القائمة. يعيدنا الوثائقي إلى أول أيام ويكيليكس وطريقة عمله المعقّدة والوثائق السرية الأولى عن الولايات المتحدة الأميركية، وكيف تم تقديمها إلى خمس وسائل إعلام عالمية، منها ما نُشر بعضها، ومنها ما مُنع أو منع نفسه من النشر. يتحدث الفيلم عن بدايات أوسانج وويكيليكس والمتعاونين الذين بدأوا ينأون بأنفسهم عنه. منذ صدور الوثائقي، بدأ أسانج حملته «الانتحارية» على الرغم من التكاليف الشخصية التي ترتّبت عليها. عندما صدر الوثائقي، كان كل ما يحصل اليوم غير متوقّع كما يقول في النهاية: إلى أي مدى تفيدنا حرية التعبير والشفافية كمجتمع، فهل نحن على استعداد لذلك؟

حرب بالوكالة


بدأت حرب أميركا على جوليان أسانج عبر هوليوود عام 2013، عندما عُرض فيلم «المقاطعة الخامسة» للمخرج بيل كوندن. «المقاطعة الخامسة» فيلم إثارة يزعم أنّه مبنيّ على أحداث حقيقية ويكشف كيف بدأ جوليان أسانج السعي لكشف فساد السلطة وإنشاء شبكة ويكيليكس وكشف البرقيات الدبلوماسية للولايات المتحدة وكيف حصل عليها. الفيلم من بطولة بيديكت كومبرباتش بدور أسانج، ودانيال برول بدور دانيال بيرغ. يطرح العمل أسئلة عدة أبرزها: ما هي تكاليف الاحتفاظ بالأسرار في مجتمع حرّ؟ وما هي تكاليف الكشف عنها؟ جوبه الفيلم بانتقاد شديد من شبكة ويكيليكس وأسانج نفسه الذي وصفه بأنه «غير مسؤول ومضلّل». وفقاً لأسانج، يقدّم الفيلم معلومات منحازة حول الواقع تستجيب للحرب عليه وتشويه صورة المنظمة. لم يكتف أسانج بالرد فقط عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بل أنتج مع المخرج البريطاني كين لوتش فيلماً وثائقياً بعنوان «ميدياستان» (2013 ــــ Mediastan) ونشره على الإنترنت. يُظهر الشريط الأحداث الحقيقية التي أدت إلى نشر «البرقيات الدبلوماسية للولايات المتحدة الأميركية» في عام 2011. يتتبع «ميدياستان» رحلة مجموعة صغيرة ممن يعملون لصالح ويكيليكس في سعيهم للبحث عن وسائل إعلام لنشر البرقيات. سافر طاقم ويكيليكس إلى كازاخستان وقيرغيزستان وطاجكستان وتركمانستان وأوزباكستان وأفغانستان التي كانت تحتلها الولايات المتحدة للتواصل مع محرّرين لنشر البرقيات التي تتعلق ببلدانهم. يكشف الوثائقي مطاردة هؤلاء الراغبين في نشر هذه الوثائق، ويكشف عن العلاقات الخفية التي كانت تربط وسائل الإعلام هناك بمركز القرار في واشنطن. كان المحررون هناك يُبدون اهتماماً شديداً بالنشر في البداية ثم يتراجعون بعد التحدث مع كبار المسؤولين. تطلق ويكيليكس على هذا الوثائقي اسم «عملية كابليرون... أول حدث إعلامي عالمي حقيقي». كذلك، يصف أسانج منطقة آسيا الوسطى بأنها «المنطقة الجيوسياسية الأكثر روعة في العالم... على القمة، روسيا. وفي الأسفل، الصين. وفي الوسط، صراع من أجل نفوذ الولايات المتحدة الأميركية». اعتبر إطلاق «ميدياستان» مواجهة لهوليوود وتحدياً لفيلم لا يتعدى كونه بروباغندا سيئة ضد ويكيليكس وأسانج.

الوجه الآخر للمطلوب «الأخطر»


سمح لنا أسانج بإلقاء نظره حميمية عليه من خلال فيلم «مجازفة» (Risk ـــــ 2016). مخرجة العمل لورا بويتراس (مخرجة «المواطن الرابع» عن إدوارد سنودن) قدّمت وثائقياً بمثابة يوميات، متيحةً إلقاء نظرة إنسانية أكثر على أسانج وزملائه. يكشف لنا الفيلم الجانب الإيجابي من حياة أسانج وأيضاً الجانب الخفي الذي كشفه هو بنفسه أمام الكاميرا: أسانج المتعجرف الذي غالباً ما يستخفّ بالآخرين، مصاب بجنون العظمة، وصاحب آراء إشكالية حول مجموعة معينة من النساء الراديكاليات. لكنّ أسانج أيضاً من الأشخاص الذين يحاولون مساعدة كثيرين على حساب وقتهم وطاقتهم وحياتهم. يقارب الشريط حياة أسانج، ويوثق دوافعه وتناقضاته ودائرته الداخلية، مع التركيز على المخاطر التي يتعرض لها المشاركون في ويكيليكس. نظرة حميمية ودقيقة إلى الأحداث والشخصيات التي تميل وسائل الإعلام عادةً إلى تقديمها بمصطلحات أكثر اختزالية. الوثائقي الذي استغرق تصويره ست سنوات، يبدأ من عام 2010 مع التدابير القضائية الذي واجهها أسانج من السلطات السويدية، التي طلبت تسلّمه من المملكة المتحدة. قال أسانج إنّ هذا التسليم كان سيؤدي إلى تسليمه للولايات المتحدة. يتناول الفيلم بإيجاز الدور الذي لعبته ويكيليكس في الانتخابات الأميركية علم 2016. كذلك، يوضح الفرق بين من يريدون مساعدة الناس فعلاً وبين من هم مجرد دعاية كغالبية الصحافيين الأميركيين. يوثق كذلك طلب اللجوء الذي قدّمه أسانج وتنكره من أجل التسلّل إلى سفارة الإكوادور في لندن. وفي المشهد الأخير، يظهر أسانج وهو يحاول أن يتنشّق بعض الهواء النقي من النافذة المفتوحة في السفارة. بغضّ النظر عن الموقف إزاء أسانج عند مشاهدة الفيلم، إلا أن دقة الأخير وجودته لا تسمحان لنا فقط بفهم شخصيته وعمله بشكل أفضل، بل تدعواننا أيضاً للتفكير في شخصية أسانج.

ثمن الحقيقة


بعد فيلمها الأول عام 2011 الذي حدّد ملامح الأشخاص الذين يقفون وراء ويكيليكس، عادت شركة Premières Lignes هذه السنة بوثائقي جديد يحمل عنوان «جوليان أسانج: ثمن الحقيقة» (2021). في عام 2013، التقى لوك هيرمان وبول موريرا من شركة الإنتاج المتخصصة في الصحافة الاستقصائية المتلفزة، مرة أخرى بأسانج وأجريا مقابلة معه في السفارة الإكوادورية في لندن. وقتها قال أسانج إنّ العالم تخيّم عليه تجاوزات استبدادية، ويشعر إنه مضطر لمواجهتها. وقتها، لم يكن لدى أسانج أدنى فكرة بأنه سيقضي سبع سنوات بين أربعة جدران، محاطاً بكاميرات مراقبة. من خلال تجميع اللقطات الأرشيفية والمقابلات، يعيد وثائقي «جوليان أسانج: ثمن الحقيقة» استكشاف ويكيليكس وشخصية أسانج، بالإضافة إلى مقابلات جديدة مع والد أسانج الذي يذهب بانتظام إلى «سجن بيلمارش» الذي يوصف بأنّه «غوانتانامو البريطاني» حيث يُسجن ابنه. كما تحدثا مع محاميه الذين يستنكرون هذا الاعتقال التعسفي والتسليم إلى الولايات المتحدة. لا تزال صور هذا الرجل المنهك تهيمن على العالم. يؤكد الوثائقي على حقيقة بديهية هي أنّ أسانج مدافع عن حرية الصحافة والتعبير، وهذا ما يهدّد مصالح الإمبراطورية.