تواكب الأفلام المستقلّة موجة المعاصرة والتأثّر والتأثير وابتكار الأنواع الجديدة، وتبتعد كل البعد عن السينما التقليدية التعبوية، كما أنها تتوجه بشكل واضح وكبير نحو الوثائقي الذي يُعدّ الأداة المثلى لخلق سينما ثالثة تخلق خطاباً جديداً على صعيدَي المضمون والشكل الفني، يناهض ويقف في وجه السينما المؤدلجة. وكانت حركة السينما الثالثة قد انطلقت في ستينيات القرن الماضي مع أربعة بيانات: «جمالية الجوع» لغلوبر روشا (1965)، و«من أجل سينما غير كاملة» لـخوليو غارسيا إسبينوزا (1969)، و«مشاكل الشكل والمحتوى في السينما الثورية» (1976) الذي كتبه جورج سانجينس، وأخيراً «نحو السينما الثالثة» (1969) الذي كتبه فرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو... منذ ذلك الوقت، تطوّرت الأنواع والأشكال والخطابات لتحدث ثورة في الصناعة السينمائية، خارجة عن كل القوانين المعروفة والمألوفة في صناعة السينما التي تضع أطراً وتعريفات لأنواع الأفلام المنتجة، وهذا ما شهدناه في «شاشات الواقع ـــ المهرجان الدولي للسينما الوثائقية» في دورته الـ 17 الذي أُقيم في مدن لبنانية عدة. بدأ المهرجان بلقاء بين أناييس فارين ونور عويضة، تناول المقال الذي كتبته أناييس فارين بتكليف من «سينماتيك بيروت» عن الترجمة العربية لبيان «نحو سينما ثالثة» لفرناندو سولاناس وأوكتافيو جيتينو، الصادر في نشرة «المؤسسة العامة للسينما السورية» عام 1972.

طرح الحديث أسئلة حول نشوء حركة «السينما الثالثة وتأثيرها على الصناعة والممارسات السينمائية اليوم، وتمّ أيضاً تسليط الضوء على شخصيتين مهمتين في تاريخ ترجمة وتداول هذا البيان الثوري وهما فرانسوا ماسبيرو وعطيات الأبنودي».
تحت كل هذه العناوين، قدّمت أفلام المهرجان ـــ التي كانت وعلى اختلافها عن بعضها، محافظةً على خصوصيتها ــــ رؤية مشتركة تجديدية على صعيد روي الحكاية والصناعة الفنية، معبّرة عن ثورة الأنواع الفنية المعاصرة، مخترقة القوالب الجاهزة والمألوفة لمعايير الفيلم الوثائقي، وكيف يجب أن يكون. فقد كانت ذات المخرج حاضرة في تقديم الوثيقة، ولعل هذه من أهم الثيمات التي طرحتها أفلام المهرجان: الوثائقي كوسيلة جديدة للتعبير عن الذات، عبر أنواع سرد وبوح مختلفة على صعد عدة: أولاً على صعيد الرؤية الذاتية للمكان، كفيلم «أخطبوط» للمخرج اللبناني كريم قاسم، الذي قدّم وثيقة ذاتية لانفجار مرفأ بيروت وما حدث بعده. فيلم صامت في الكلام، لكنّه مليء بضجيج الشارع. صوّر هذه الكارثة بكاميرا هادئة جداً رصدت الخراب في ملامح الناس، وفي ملامح المكان، وفي علاقة الناس مع المكان، ليبدو الفيلم رؤية ذاتية لهذا الحدث تنقل الصدمة والعطب الذاتي ومحاولة فهم ماذا يحدث. وهناك أيضاً فيلم «خمسين» للمخرجين الفرنسيين غريغوار كوفير وغريغوار أوريو، الذي صوّر حال لبنان وآثار الحرب الأهلية على خلق الأحزاب وتفشي الفساد في البلاد، عبر متابعة مجموعة من الموسيقيين الذين يحاولون صناعة ألبومهم الجديد، فيتداخل الإخراج ما بين عرض لواقع المدينة وما بين عزف الموسيقى. تخلق الأخيرة علاقة معقّدة جداً بالمكان عبر صورة باهتة قديمة، مع حركة كاميرا خاصة تخلق حميمة وتواصلاً واقتراباً من الناس والمدينة.

قدّمت أفلام المهرجان رؤية مشتركة تجديدية على صعيد روي الحكاية والصناعة الفنية


وهناك أفلام القصص الذاتية البحت، كـ «لعل ما أخشاه ليس بكائن» لكورين شاوي الذي يعرض حكاية ذاتية في حياة عائلة المخرجة. تقدّم الأخيرة معانيَ معقّدة عن الموت والحياة وعبثية المرض ومساحة الذات وحريتها وسط كل ضغوط الحياة ومسؤولية العائلة، وفيلم «فياسكو» لمخرجه نيكولا خوري الذي يقدم أيضاً حكاية ذاتية، إذ يحاول إخبار عائلته عن هويته الجنسية. يغوص الفيلم في الذاكرة من خلال عرض مقاطع قديمة للعائلة، تتداخل مع مشاهد البوح بين نيكولا ووالدته وأخته، معبّراً عن ذاته واختلافه، فتقدم الحكاية خطوطاً عامة عن قبول الاختلاف عبر الغوص في الذاتية.
لم يخلُ المهرجان من أفلام القضايا الاجتماعية كـ «خذني إلى السينما» لمخرجه العراقي الباقر جعفر، الذي يروي حكاية جندي سابق اسمه ناصيف كان يحلم بأن يصبح ممثلاً. يطرح الفيلم علاقة معقّدة ما بين العسكرتاريا والفن في بغداد عبر شخصية ناصيف، فتتداخل ذاتية المخرج مع ذاتية ناصيف في طرح المدينة وتجلياتها المعاصرة اليوم.
ومن أهم الأمثلة التي يمكن مناقشتها في علاقة الذاتية بتقديم وثيقة عن الواقع، «الإبحار في الجبال» لمخرجه الجزائري كريم عينوز. يسرد الفيلم زيارة كريم الأولى لبلده الجزائر، مقدماً فيلماً مبهراً على صعيد الإخراج والمونتاج وطريقة سرد الحكاية، ليكون هذا الفيلم المثال الأوضح لثورة الأشكال الفنية. فقد تداخلت معايير الفيلم الروائي والوثائقي في آلية صناعته لشريطه.
كما يجب ذكر الأفلام القصيرة للشباب، التي قدّمت بدورها تجديداً فنياً ووثائق فريدة عن الواقع بطريقة ذاتية مستقلة، كـ «فأر أسود» لمخرجه أحمد نابلسي، الذي قدم حكاية عن معرض طرابلس وتعقيد هذا الصرح كمفهوم في حياة أهل المدينة، أو فيلم «كل نجومك على صباطي» لمخرجه هايغ ايفازيان، الذي قدّم طرحاً فريداً عن أزمة الكهرباء عبر إخراج اعتمد فيه على تجميع الوثائق البصرية ومنتجتها بطريقة تعبر عن رؤيته. وهناك فيلم «أصوات التعب» لتيمور بولس، الذي يطرح صعوبة التواصل في ظل الحجر الصحي، من خلال طرح فني للمكان العام لغسيل الثياب في أوروبا، فكانت الكاميرا داخل الغسالة.
وتكثر الأمثلة في الأفلام المشاركة في المهرجان. فقد كان الأخير بحد ذاته، حدثاً مهماً في الساحة الثقافية اللبنانية، قدّم أفلاماً لبنانية بمعايير عالمية، وأفلاماً عالمية وعربية للجمهور في لبنان، ما أحدث تأثيراً وتأثراً وإفادة عبر هذا التواصل السينمائي الذي كان يتجلى في المناقشات مع مخرجي ومنتجي الأفلام بعد العروض. علماً أنّ المهرجان كان مجانياً، ما شجع أيضاً الناس للحضور والمشاركة في الحدث، ليكون المهرجان كحدث بحد ذاته تعبيراً عن ثورية السينما البديلة والخطاب المستقل الذي يطرح وثائق ذاتية وجديدة عن واقعنا اليوم.