دمشق | لم تكد تمضي أيام على اتفاق حمص القديمة وخروج المسلّحين من أحيائها، حتى دخلتها كاميرا المخرج والكاتب محمود عبد الواحد لإنجاز وثائقي «العصافير الجريحة» (المؤسسة العامة للسينما ـــ 23 دقيقة) المكرّس لـ «اليوم الدولي لضحايا العدوان من الأطفال الأبرياء».

في حديثه لـ «الأخبار»، يقول عبد الواحد: «صوّرنا في حمص بسبب وجود عدد كبير من المواقع المناسبة التي يمكن الوصول إليها من دون تعقيدات لوجستية». هكذا يتنقّل كاتب سيناريو «دمشق يا بسمة الحزن» (إخراج ماهر كدّو ـ المؤسسة العامة للسينما ـ 2008) مع مدير التصوير نائل تركماني وسط الركام والدمار لاستعراض «أشكال الخراب التي طالت الأطفال: مدارس وبيوت مهدمة، أسر مهجّرة، آباء لم يعودوا إلى أطفالهم بسبب الموت أو الخطف أو المجهول. أسر كبيرة باتت بلا معيل، وأطفال فقدوا أطرافاً أو أصيبوا بإعاقة دائمة.

بعضهم رأوا عائلاتهم تُقتَل أمام أعينهم، أو كانوا هم أنفسهم قاب قوسين أو أدنى من الموت. آخرون دُرّبوا على القتل والكراهية على يد التنظيمات المتطرّفة، وهنا اعتمدنا على مواد وثائقية مأخوذة من التلفزيون السوري»، ليُطرَح سؤال محيّر بعد كل ذلك: «ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟».
لن تغيب كاميرا السينما عن المدينة القديمة طويلاً. سريعاً، جاء المخرج السوري جود سعيد ليحضّر لأوّل روائي طويل سيصوّر هناك بعنوان مبدئي «حمص غراد 2014»، عن مجموعة تعيش حصار حمص بين صيف 2013 وربيع 2014 مع خروج المسلّحين وانتهاء القتال. الشريط الذي تنتجه «المؤسسة العامة للسينما» أيضاً، ينطلق عبر الزمان والجغرافيا لرواية الأحداث السوريّة من وجهات نظر متعدّدة، تحيل إلى تيمة «الهويّة» الحاضرة في كل أفلام المخرج الشاب، منذ «مرّة أخرى» (2010) وصولاً إلى «بانتظار الخريف» (لم يُعرَض بعد) مروراً بـ«صديقي الأخير» (2012).


يحضّر جود سعيد لأوّل روائي طويل عن المدينة بعنوان «حمص غراد 2014»


الحصار والاقتتال فرضا الخيار الوثائقي في الفترة السابقة. طلال ديركي خاطر مع ناشطين ميدانيين في تصوير تسجيلي «العودة إلى حمص» (2014ــ 88 دقيقة) الذي حقق حضوراً طيباً في المهرجانات الدولية، حاصداً 16 جائزة أبرزها أفضل فيلم وثائقي أجنبي في الدورة الأخيرة من مهرجان «ساندانس» للسينما المستقلة. ويبدو في طريقه نحو تصفيات الأوسكار مع التحضير لعرض جماهيري قريب في الولايات المتحدّة. تصوير الشريط انطلق مطلع آب (أغسطس) 2011 واستمرّ حتى نيسان (أبريل) ٢٠١٣، مستخدماً مواد أصيلة واكبت الأحداث لحظة وقوعها من دون الاستعانة بمواد أرشيفيّة أو جاهزة. في النهاية، يحاول ديركي تقديم وثيقة بصريّة تعبّر عن موقف صانعيها ورؤيتهم لما يحصل في بلادهم. يقول ديركي لـ «الأخبار»: «تولّى التصوير قحطان حسون وعروة نيربية وأسامة الحمصي وطلال ديركي. واكب الفيلم ناشطي الحراك الثوري في حمص، مركّزاً في الأسباب التي دفعت بعض المدنيين لحمل السلاح، من خلال شخصيتين بارزتين هما منشد التظاهرات عبد الباسط الساروت الذي حمل السلاح لاحقاً، وأسامة الحمصي الذي بقي ناشطاً سلمياً حتى اختفائه». في الإطار نفسه، يعمل ديركي حالياً كمنتج لفيلم تلفزيوني بعنوان «680 يوماً تحت الحصار» لصالح محطّة ألمانيّة.
بعد «صندوق الدنيا» (2002)، عاد أسامة محمّد إلى «مهرجان كان السينمائي» الأخير الشهر الماضي، حيث قدّم تسجيلي «ماء الفضة» (2014 ــ 92 دقيقة) الذي أنجزه مع الشابّة سيماف وئام بدرخان، وعرض ضمن تظاهرة «عروض خاصة». السينمائي السوري المقيم في باريس، ولّف ما صوّرته بدرخان مع عدد كبير من مقاطع يوتيوب الصادمة والقاسية وتعليق شعري سجّله بنفسه للخروج بـ«كولاج» سينمائي يفتح النار على النظام من دون مواربة أو مهادنة، وينتصر لـ«ثورة» من دون انحرافات أو متطرّفين.
بين «عاصمة الثورة» والمدينة التي «عادت إلى حضن الوطن»، تبدو حمص القديمة استوديو مفتوحاً على اتساع العدسة واحتفاء السينما. وقائع أقوى من الخيال، ومشاهد لا تٌصدّق، ومواقع سيبقى أعتى مهندسي الديكور عاجزين عن محاكاتها.