الاسماعيلية | اختتم أمس «مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة» الذي يقام منذ سنة 1991. برزت أهمية المهرجان وإشكاليته معاً في هذه الفترة المتحوّلة من تاريخ مصر بعد الثورة. حيرة وحالة من التنازع العام تخيّم على المشهد، وقد تجسّدت إما بالأفلام الوثائقية المصرية التي عرضت أو حتى من خلال الجو العام، على سبيل المثال فوز عبد الفتاح السيسي الذي تزامن مع انطلاق المهرجان وأعلن عنه في الافتتاح.


بدا واضحاً أنّه يستحيل فصل المشهد السياسي عن الفني، ما يطرح سؤالاً عن قدرة السينما المصرية وبخاصة الوثائقية على مواكبة هذا الواقع المتغير باستمرار ودورها في تحديد معالمه. الفيلم الافتتاحي الذي اختاره المهرجان «عن يهود مصر... نهاية رحلة» لأمير رمسيس في جزئه الثاني يبتعد نسبياً عن ثيمة الثورة.
يروي لنا قصة آخر 12 امراة يهودية مسنّة بقين في مصر اليوم. الفيلم يتميز بحميميته، فيروي لنا حكاية يهود مصر من خلال قصة ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية في مصر التي باتت على شفير الانقراض كما الديناصورات وفق ما تقول في مشهد مؤثر. من خلال قصة والدها شحاتة هارون المحامي اليساري وأحد مؤسسي «حزب التجمع»، تسرد ماجدة معاناة اليهود والضغوط التي مورست لترحيلهم من مصر إبان الحقبة الناصرية، فيما تمسّك والدها بحقه بالبقاء في مصر التي يعتبرها وطنه.


يمزج أحمد نور
في «موج» بين
تاريخه الشخصي وتاريخ السويس
من الأفلام الوثائقية الطريفة «القيادة في القاهرة» لشريف القشطة الذي يعرض أزمة المرور في مصر ضمن إطار ساخر وإيقاع حيوي، فيصوّر كيف يتحدث السائقون ويشتمون بعضهم من خلال لغة زمور السيارة. من المؤسف أنّ المخرج لا يتعمق أكثر في تطويره للحبكة الروائية، مع أن نقطة انطلاقه أي أزمة المرور هي لقطة مبتكرة لتصوير الواقع المصري من زاوية مختلفة. أما ما تبقى من أفلام، فتختلف في مقاربتها السينمائية للثورة. بعضها تطرق إليها بشكل مباشر كفيلم «الميدان» لجيهان نجيم، بينما حاولت أخرى معالجة الموضوع من زوايا مختلفة كـ«أريج ـ رائحة الثورة» لفيولا شفيق الذي عرض تاريخ مدينة الأقصر الأثرية ووضعها الحالي البائس بعد اجبار الحكومة السكان على إخلاء منازلهم بهدف تدميرها وإخلاء المنطقة لتطوير القطاع السياحي. من هذه القصة تتفرّع قصص أخرى كرواية «زهر الليمون» للكاتب اليساري علاء الديب والموقع الإلكتروني لـ«إسلام أون لاين»، ودور المرأة المتدينة في الثورة المصرية، ومفهوم الثورة الافتراضية، ويدمج الشريط بين الماضي والحاضر في محاولة للبحث عن رائحة الثورة في مناطق غير بديهية. فيلمان آخران يتميزان بأسلوبهما التجريبي هما «موج» لأحمد نور و«كروب» لجوانا دومك ومروان عمارة.
يتناول «موج» السويس مسقط رأس المخرج، ودورها في الثورة. يمزج المخرج بين تاريخه الشخصي وتاريخ المدينة بأسلوب سينمائي تجريبي مبتكر وله جماليته الاستثنائية. يلعب على التناقض بين الجامد والمتحرك، كذلك يدمج بين الفنون والأساليب المختلفة كما في بداية الفيلم حين نرى لقطات ثابتة لسكان مدينة السويس وهم بلا حراك تماماً كما في الصور الفوتوغرافية إلى أن يقوم أحدهم بحركة صغيرة كرمشة عين أو ابتسامة، ننتقل عبرها من الفوتوغرافيا إلى السينما. أجمل ما في الشريط هو حالة الحيرة والاضطراب التي ينسجها لنا المخرج عبر مشهديته البصرية. ربما الشيء الوحيد الذي ينتقص منها هو ميل المخرج للخوض في التحليل السياسي الذي يبدو مسطحاً نسبة إلى العمق الذي تأخذنا إليه اللغة السينمائية ومن شأنه وحده أن ينقل إلينا الإحساس بالأشياء من دون حاجة للاستفاضة في الشرح. أما «كروب»، فينقلنا إلى داخل جريدة «الأهرام»، عارضاً ميكانيكية العمل هناك في عهد مبارك. يصف كيف كان يجري التلاعب بالصور لتجسيد قوة الرئيس وعظمته والصورة المنمقة عن مصر المتقدمة والعصرية التي فرض عليهم تصويرها والتعتيم على معاناة الشعب المصري.
يعتمد المخرجان على أسلوب تجريبي عبر العلاقة غير المباشرة التي يخلقانها بين الصوت والصورة وتتبع خطها الروائي الخاص بمعزل عن النص الذي يرافقها. نرى مشاهد متفرقة سواء لآلية العمل داخل «الأهرام» أو لقطات أخرى ربما يقصد المخرجان عبرها تصوير روتين الحياة اليومية الذي يحوّل الإنسان إلى آلة مبرمجة في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية، حيث يفرض عليه كل شيء حتى صورته عن نفسه. وهي الثيمة التي نراها أيضاً في فيلم «أريج» لفيولا شفيق.
تعكس كل هذه الأفلام صراع اللغة السينمائية الوثائقية المصرية اليوم في سعيها للبحث عن أساليب مختلفة لتصوير الثورة وانعكاساتها على المجتمع المصري. تميل بعض هذه الأفلام لتفضيل التوثيق المباشر والانعتاق من هم الجمالية ولو بشكل موقت، ربما لأن هناك حاجة ليرى الشعب المصري صورته الحقيقية التي أظهرتها الثورة بعدما حجبت عنه لسنوات، فيما يبحث غيرها عن لغة سينمائية جديدة ومبتكرة تتماهى مع التغيرات الجذرية التي أحدثتها الثورة كما «موج» لأحمد نور.