كل بضع سنوات، يعيد تطبيق جديد تعريف طريقة استخدامنا لمواقع التواصل الاجتماعي. في عام 2021، اعتُبر «تيك توك» التطبيق الأكثر شعبية في العالم. وفي نتيجة مفاجئة، استطاعت المنصة الصينية أن تتفوّق على غوغل، وفقاً لأحدث البيانات التي صارت متاحة مع نهاية العام الماضي، وفقاً لتقارير اقتصادية عدّة، من بينها ما صدر عن «آبتوبيا». فقد أكدت الشركة المتخصّصة في متابعة سوق التطبيقات أنّ «تيك توك» تصدّر قائمة التطبيقات الأكثر تنزيلاً على أجهزة المستخدمين خلال العام الماضي. ومن خلال تحليل بيانات متجرَيْ «آب ستور» و«غوغل بلاي»، حدّدت الشركة أكثر 10 تطبيقات شعبية في العالم، إذ جاء «تيك توك» المملوك لشركة «بايت دانس» الصينية، في المركز الأوّل، بعد تنزيله 656 مليون مرّة في عام 2021، ليأتي إنستغرام في المركز الثالث بـ 545 مليون مرة، ثم فايسبوك بـ 416 مليون مرّة، يليه «واتسآب» بـ 395 مليون مرّة و«سناب شات» بـ 327 مليون مرّة.


(غيونجي بالوغ ــ المجر)

أتى الكشف عن هذه الأرقام بعدما كانت شركة أمن المعلومات الأميركية «كلاود فلير» قد نشرت تقريراً في نهاية 2021 ذكر أنّ اسم نطاق «تيك توك» أصبح الأكثر شعبية في العالم بحلول أواخر العام الماضي، ليزيح اسم نطاق «غوغل دوت كوم» عن القمّة. تزامن ذلك مع وصول عدد مستخدميه خلال كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي إلى مليار مستخدم نشط شهرياً. وهكذا، تكون الشبكة المخصّصة لمقاطع الفيديو القصيرة التي صارت تصل مدّتها إلى ثلاث دقائق، قد قفزت ستّة مراكز في سنة واحدة، لتتجاوز بذلك كل الخدمات المرتبطة بغوغل مجتمعة، إذ تولّد «تيك توك» حركة مرور على موقعها أكثر من جميع خدمات غوغل، بما في ذلك محرّك البحث والخرائط والترجمة والأخبار والصور، لتكون هذه المرة الأولى التي تصعد فيها شركة «بايت دانس» إلى قمة هرم شركات الإنترنت الكبرى. ووجد التحليل أنّ التطبيق الذي انطلق عام 2016 بدأ بالتفوّق على عمالقة الشبكة العنكبوتية في مطلع 2021، حيث تجاوزت أعداد زياراته تلك التي سجّلها غوغل في 17 شباط (فبراير) للمرّة الأولى، ليتكرّر الأمر في آذار (مارس) وأيار (مايو)، إلا أنّه أصبح الأوّل في معظم الأيام بعد 10 آب (أغسطس).
وبحسب المراقبين، يُعدّ هذا إنجازاً ملحوظاً بالنسبة إلى الشبكة التي جابهت ضغوطات واسعة من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من أجل بيع عملياتها في الولايات المتحدة إلى شركة أميركية، ما دفع ببكين إلى اتهام واشنطن بممارسة «الترهيب».
الأطفال والشباب يحبّونه. معظم الكبار لا يفهمونه، لكنّهم يقصدونه حالياً أقلّه بدافع الاستكشاف. لكنّ الأكيد أنّه لا يمكن إنكار شعبيته.
شئنا أم أبينا، هناك هجرة كبيرة تحدث في العالم الافتراضي حيث تلتقط المنصات الجديدة روح العصر وثقافته الشعبية، فيما توفّر طرقاً أحدث وأكثر تميّزاً للتفاعل.
يتدفّق التبنّي الجماعي لمنصات السوشال ميديا عبر دورات أو حلقات مستمرة. من Myspace في عام 2005 تمّ الانتقال إلى فايسبوك بين عامَي 2007 و2008، ثم حان دور إنستغرام بحلول عام 2014 تقريباً، مع فاصل قصير بواسطة «سناب شات». الانتقال إلى نظام أساسي جديد للتواصل الاجتماعي دائماً ما يترافق مع تردّد، لكن في النهاية ترغمنا شعبيته المتزايدة في حال حدثت على ذلك.
في غضون ذلك، تسعى شبكات أخرى لاعتماد بعض ميزات «تيك توك»، آخرها إعلان تويتر عن اختبار ميزة تُسمّى «اقتباس تغريدة مع ردّ فعل»، حيث يمكن للمستخدم تضمين نسخة من تغريدة في صورة أو مقطع فيديو بدلاً من مجرّد الرد عليها بنصّ، لتأتي التعليقات شبيهة بميزة لدى «تيك توك».
وأمام الواقع الجديد الذي فرضته المنصة التي أبصرت النور في عام 2016، يصبح السؤال عن الأسباب الكامنة وراء شعبيتها أمراً بديهياً.
يضم «تيك توك» محتوى عبارة عن مزيج من الموسيقى ومقاطع الفيديو القائمة على الـ lip syncing (مزامنة الشفاه) والكوميديا ​​بالإضافة إلى التدوين المقتضب. وهو فعلاً ليس منصة سهلة الفهم للوهلة الأولى. فهي لا تزال «منطقة غير مكتشفة» لأي شخص يزيد عمره عن 25 عاماً. والشعبية الكبيرة التي تحظى بها في أوساط الـ «جيل زي»، تقدّم لمحة عمّا يعنيه أن ينشأ المرء اليوم في عالم شديد الاتصال. علماً بأنّ الغالبية العظمى من روّاد فايسبوك اليوم في سن 40 عاماً أو أكثر، في حين أنّ إنستغرام أكثر شيوعاً بين الذين تراوح أعمارهم بين 20 و 40 عاماً.
تزعم دراسة أجرتها شركة «نيلسن ميديا ريسيرش» المتخصّصة في مجال الأبحاث التسويقية أنّه يمكنها تحديد العوامل الأساسية التي تفسّر شعبية «تيك توك».
بتكليف من TikTok، تحلّل هذه الدراسة البيانات من أكثر من 8 آلاف مشارك في الاستطلاع طُرحت عليهم أسئلة بخصوص تصوّرهم لمحتوى الموقع، بهدف «فهم ما يقدّره الناس فيه». تقدّم النتائج نظرة ثاقبة عن سبب تحوّل هذه المنصّة إلى «ظاهرة ثقافية» حقيقية.
يعتبر المستخدمون أنّ «تيك توك» منصة «أصلية»، يشعرون عبرها أنّه يمكنهم أن يكونوا على طبيعتهم. هنا، تشير الدراسة إلى أنّ 64% من الروّاد يقولون إنّهم لا يضطرون إلى تغيير حقيقتهم، فيما يقول 56% إنّهم قادرون على نشر مقاطع فيديو لن ينشروها في أي مكان آخر. كما يعبّر 53% عن ثقتهم بأنّ الآخرين أيضاً على طبيعتهم على المقلب الآخر من الشاشة. وعندما سُئلوا كيف يرون المحتوى على TikTok، وصفه المستجيبون بأنّه: «أصيل، أصلي، غير مفلتر ورائع». وتمتد هذه المشاعر لتشمل الإعلانات على TikTok أيضاً، إذ يُنظر إليها على أنّها «حقيقية ومتفرّدة ​وممتعة».
وصول عدد الروّاد خلال كانون الأوّل 2021 إلى مليار مستخدم نشط شهرياً


كذلك، يؤكد المشاركون في الاستطلاع أنّ «تيك توك» يجعلهم «سعداء». فقد وجدت الدراسة أنّ المحتوى «يجلب الفرح»: «أوضح 31% من الأشخاص أنّ المضمون يرفع معنوياتهم». وهذا أحد الأسباب الثلاثة الأولى للعودة إلى المنصة مراراً وتكراراً، بالمقارنة بفايسبوك الذي يتصدّر عناوين الصحف بسبب آثاره السلبية على الصحة العقلية والنفسية.
ومن بين العناصر الجاذبة الأساسية التي يتمتّع بها «تيك توك» أنّه «متفرّد ومختلف» عن السائد في الفضاء الافتراضي. يشعر المستخدمون أنه يمكنهم الانتقال إلى «تيك توك» ومشاهدة المحتوى الذي لا يمكنهم الحصول عليه في أي مكان آخر. وعلى الرغم من أنّهم قد يرون المحتوى نفسه مشارَكاً عبر إنستغرام وفايسبوك وتويتر، إلّا أنّ «تيك توك» يقف على حدة كمكان لـ «اكتشاف شيء جديد».
ومن بين أعظم نقاط قوّة «تيك توك» هو «الإحساس بالمجتمع» الذي يشعر به مستخدموه، وهو يتضح من خلال التحديات الشائعة التي يشارك فيها المستخدمون. فالقدرة على أخذ عينات من محتوى الآخرين والإضافة إليها تعطي المستخدمين القدرة على «بناء اتصالات أقوى».
وتشكّل «الإيجابية» سمة عامّة للبيانات المتناقلة على «تيك توك»، حيث يستمتع المستخدمون بوقتهم عليه ويسعدون بالمضمون المختلف فيما يشعرون بالأمان في التعبير عن أنفسهم من خلال المحتوى الخاص بهم. واللافت أنّ الروّاد يشعرون بمزيد من الإيجابية تجاه المحتوى الذي تقدّمه الشركات والعلامات التجارية مقارنة بالمنصات الأخرى، في إشارة إلى أنّ هذه الجهات ربّما تتخذ نهجاً مختلفاً تماماً لتسويق نفسها عبره.