«اخلع عقلَك قبل الدخول». ربما كانت هذه العبارة هي النصيحة الأمثل التي يجب توجيهها إلى المشاهد العربي، قبل انخراطه في مشاهدة التغطيات الإخبارية لبعض (اقرأ: معظم) الفضائيات، وخصوصاً إذا كان هذا المشاهد مولعاً بالتنقل بين محطات متنوعة الأهواء والانتماءات السياسية. كيفَ لعقلٍ أن يتحمّل هذا الهول؟


كيف لهذا المُشاهد المسكين أن يرى الصورة ذاتها، مرّة «بيضاء لا كدر يشوب صفاءها»، وأخرى أشبه بـ «ليل كموج البحر أرخى سدوله (عليه) بأنواع الهموم ليبتلي»؟ حصل ذلك مراراً وتكراراً على وقع الجنون السياسي الذي يعصف بالمنطقة ووفق سيناريو ثابت، يُشبه سلسلة أفلام هندية لا يتغير فيها سوى أسماء الأبطال. أمس، كان المشاهد العربي على موعد مع حلقة جديدة من سلسلة الجنون تلك، عنوانها هذه المرة «الانتخابات الرئاسية السورية». كالمعتاد، انقسمت القنوات إلى فريقين. عدّ أحدهما الحدثَ «عرساً»، ورآه الآخر «مأتماً». لا جديد على صعيد المواقف وطرائق التناول إذاً. التمايز اقتصر على التفاصيل.
على سبيل المثال، امتاز توافد السوريين على مراكز الاقتراع في النقاط الحدودية بين سوريا ولبنان بـ «حركة خجولة، ومتواضعة» عبر «الجزيرة»، بينما كان «كثيفاً إلى درجة قد تستدعي تمديد التصويت» عبر «الميادين». الأخيرة كانت، في العموم، الأنشط في مواكبة الحدث. فتحت الهواء لتغطية مراكز الاقتراع عبر الأراضي السورية، تتويجاً لنشاط مكثف أطلقته قبل أكثر من أسبوع. بطبيعة الحال، اختلف أداء مراسلي القناة وموفديها، بفعل عوامل ترتبط بالمراسل ذاته، وبالظروف المحيطة به في منطقة وجوده. فكانت الصور الآتية من دمشق، وحلب، ونقطة المصنع الحدودية أكثرَ احترافية، من تلك الواردة من حمص، والقصير، وبانياس. أبرز المفارقات التي استدعت التوقف عندها حتى منتصف نهار أمس عبر «الميادين»، جاءت من القصير وبانياس. من الأولى كانت إشادةٌ بـ «إصرار بعض السوريين على العبور من لبنان للإدلاء بأصواتهم، فدخلوا عبر معابر غير رسميّة». التوصيف الأصح أنّ هؤلاء قد تسللوا، وهذا السلوك كان حتى ما قبل الأمس مستنكراً عبر القناة ذاتها. في بانياس، كان الارتباك سيد الموقف. بدا أنّ موفدة القناة كانت تعمل في ظروف ضاغطة. كان لافتاً حضور شخص بعينه في خلفية المشهد، كأنه يُشرف على نحو غير مباشر على ما يُنقل. تولى تلقين بعض من التقتهم الموفدة بعض الجمل. تجلّت المفارقة في أوضح صورها، لدى قيامه بتذكير إحدى المواطنات اللواتي أدلين بتصريح بأنها جاءت لتنتخب بشار حافظ الأسد، لا لـ «تبايع حافظ الأسد»، كما كرّرت مراراً.


سيمرّ وقت طويل
قبل أن يُتحفنا تلفزيون
بمقدمة شبيهة بما أبهرتنا به قناة «سما»

«المنار» كانت حاضرةً أيضاً من مناطق عدة داخل الجغرافيا السورية. لكنّ الصورة بدت في الكثير من الأحيان أشبه بما اعتاده المشاهد من القنوات السورية الرسمية. يقفُ المراسلُ مُحاطاً بحشد من الوجوه، انتُقيت بعناية، وحَفظَت عن ظهر قلبٍ ما ينبغي أن تقولَه. أبرز تجلّ لهذه الحالة جاء من حلب.
لكن للقنوات السوريّة باعها وفرادتها في الأحداث المماثلة. تبرع دائماً في التفوّق على ذاتها. أغلب الظن أن وقتاً طويلاً سيمرُّ قبل أن يُتحفنا تلفزيون ما بمقدمة شبيهة بما أبهرتنا به أمس قناة «سما»، توأم قناة «الدنيا». بمنتهى الثقة، وبابتسامة أعرضُ من كل التشبيهات، طالعتنا مذيعتها وفاء دويري في فترة الظهيرة، بمقدمة تصلح لتكون درساً في التشويه. «استعارت» من الراحل نزار قباني قصيدة «أطفال الحجارة»، وبدأت في «التحليق». قرأت علينا: «آه يا ثوّار الخيانات، ويا ثوّار النفايات، ويا ثوّار الدعارة»، و«بقي معارضو الخارج كالدببة القطبيّة». ولم تنسَ المذيعة الواثقة أن تقول في نهاية مقدمتها: «عذراً من نزار قباني» قبل أن تنطلق وضيفها في تكرار للأسطوانة المعتادة، عن المؤامرة الكونية، والهزيمة الساحقة للعملاء... متنقلةً من وقت لآخر بين شبكة المراسلين، الذين تولّوا استنطاق الناخبين ببراعة منقطعة النظير. لم يفت القناة أن تحتفي بانضمام قناة «الفراعين» المصرية إليها، وإلى توأمها «الدنيا»، في نقل ما تبثّانه.
غير بعيد من ذلك جاء أداة الفضائية السورية، لكن مع تخصيص الحيّز الأكبر للبث من داخل الاستوديوهات في وفاء لتقاليدها، فالمعهود عن القناة أنها تعشق الاستوديو. وجرياً على عادته منذ بدء الأزمة السورية، لم يغفل الإعلام لعب ورق الفنانين. يدفعه إلى ذلك، ربّما، ما يحظى به هؤلاء عادةً من انتشار جماهيري. على الفضائية السورية، حضر عدد من الفنانين، من أبرزهم سلاف فواخرجي، المعروفة بمواقفها المؤيدة. تحدثت عن أهمية الحدث، وعن الاقتراع بوصفه فعلاً ديمقراطيّاً، ينبغي لكلّ وطني القيام به، بغض النظر عن مُرشحه. من دون أن تنسى التأكيد على «الدور البارز للرئيس بشار الأسد في حماية سوريا من المؤامرة». «بسلمو حياتي، وبسلمو اولادي. أنا بوثق فيه»، قالت فواخرجي. بدورها، استضافت «المنار» الفنان زهير رمضان، والكاتب حسن م. يوسف. للحديث عن الاستحقاق بوصفه «مفصلاً مهماً في مسيرة سوريا». وفي السياق نفسه، احتفى مؤيدو النظام السوري على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة لـ «سلطان الطرب» جورج وسوف، التقطت له أثناء إدلائه بصوته في بلدته «كفرون». ونُقل عن الوسوف قوله: «اليوم أدليت بصوتي لرئيسي ورئيس كل السوريين الدكتور بشار الأسد وإلى الأبد».
على المقلب الآخر، واصلت «العربية» مشوارها الحافل بـ «الغوبلزية». لم يكن في وسع المحطة السعودية أن تغيب عن المشهد، فقاربته بطريقتها. نقلت أوّل الأمر إحصاءات وزارة الداخلية السورية عن أعداد المواطنين الذين يحق لهم التصويت، وعن مراكز الاقتراع. ثمّ التفتت إلى المشهد الميداني، متحدثةً عن «تصعيدٍ في حلب»، حيث «قصف الجيش مناطق وأحياء سكنية عدّة»، مغمضة عينيها عن «مدافع جهنّم»، وقذائف الهاون التي ما برحَ أصدقاؤها «الثوّار» يمطرون بها الأحياء الغربية من حلب. كذلك، تحولت صواريخ المعارضة التي استهدفت مناطق عدّة في اللاذقية إلى «ثلاثة انفجارات وقعت في اللاذقية». انفجارات مبنيّة للمجهول، ووحده «قصف النظام» كان مبنيّاً للمعلوم. حفاظاً على «ثوابتها»، كان لا بدّ للقناة «العربية» أن تُدلل رئيس الائتلاف السوري المعارض أحمد الجربا، فتعيد تصريحاته المُذهلة عن «تفجيرات يعتزم النظام تنفيذها في مناطق سيطرته واتهام المعارضة بها». ثمّ فتحت الهواء في إحدى نشراتها لعضو الائتلاف نصري الحريري ليُدلي بدلو لا جديد في محتواه. أما «الجزيرة»، فاستمرّت في مقاربة الحدث على طريقتها المعتادة منذ شهور. لم يعد الخبر السوري يحتلّ الصدارة، لكنها في الوقت نفسه لم تغيّر نهجها المعتاد، لتتمحور الخلاصة على أثيرها أمس حول «نظام يقتل شعبه، ويُجبره على انتخابه».
بدورها، اشتغلت «فرانس 24» على الموضوع بطريقة «الناقل»، فأخبرتنا عبر تقارير في نشراتها بعض ما قاله الإعلان السوري الرسمي، ومن ورائه السلطة، وبعض ما قالته «التنسيقيات» و«إعلام الثورة»، وأبرزت تصريحات رئيس الائتلاف المعارض أحمد الجربا، في مشهد مشابه لما حصل عبر «العربية». حسناً أيُّها المشاهد، سنكرر النصيحة: «اخلع عقلَك قبل الدخول». ومرحباً بك إلى عالمِ الإمبراطوريات الإعلاميّة «المستقلّة».