باريس | التمعن في لوحة إيتل عدنان (1925) هو ولوج إلى سلسلة متشابكة من الاشتغالات التركيبية واللونية المدهشة. اختباراتها الشخصية لمفاهيم مثل الارتحال والهجرة والهوية، قادتها إلى إنجاز تجارب بحثية تعيد الاعتبار إلى مواجع إنسانية عميقة. ثمة بناء بصري ذكي على درجة كبيرة من التجانس والانسجام. وإذا كانت اللوحات بقياساتها الصغيرة تضعنا في مواجهة مشهديات تجريدية، إلا أنّ قوامها يخفي حركة دائمة ومستمرة وانفعالات حيوية في بنية اللون. لا تخفي لوحة عدنان تأثرها ومرجعياتها العالمية، إلا أنها تقدم ما يكفي من إشارات الانعتاق من هذه المرجعيات.


في النهاية، يلغي الجمال هذه المقاربات لنكون أمام لوحة تسبح في فضاء تختلط في بنيته الانطباعات والتأملات التي تتسرب بأشكال لا تخلو من طفولية وعفوية، لكنها في الحقيقة محكمة ومتماسكة بآلية وصائية تؤكد الطبيعة كمقوم جوهري لكل ما نراه.
ليست عدنان كاتبة وشاعرة فحسب، بل رسامة وجدت فضاءها اللائق في التجريد الغنائي والهندسي الذي تشحنه برؤى كونية جديرة بامرأة متعددة القوميات، تجمع أنواعاً مختلفة ومتداخلة من التحولات والانتقالات على مستوى المرجعيات الثقافية. بين بيروت وباريس وكاليفورنيا، حكايا كثيرة وأزمنة ضائعة ومحطات تكوّن فيها الوعي الاجتماعي والفني الذي قادها إلى اللوحة متأخراً. «تغريبتها» الخاصة، ملأتها إبداعاً، فظلت تسابق نفسها. من يتتبع إنتاجها، يلاحظ تجدداً وتوسيعاً مستمراً لحلقات هويتها الفنية. ابنة روز ليليا اليونانية وأصاف قدري السوري كُرست في الولايات المتحدة بين كبار الكتّاب الأميركيين بعدما شهدت بيروت ولادتها الأدبية الأولى. ارتبط شعرها بثورات وحروب كثيرة من لبنان وفلسطين والعراق إلى الجزائر وفيتنام، لكن لوحتها حافظت على مزاج لوني مرح وحيوي في جميع تشكيلاتها وتراكماتها الذهنية. لعل قيمة اللوحة تكمن في قدرتها على استيلاد تقنيات جديدة، ومساهمتها في معرفة البشر. وبالتالي، فإن عمل الرسام يشبه عمل باحث مطّلع ومتبحر، وعدنان متبحرة في ثقافات العالم تستوقفنا أمام لوحات منجزة بموهبة وتأمل حائكي السجاد، إذ تمتلئ المساحات بأشكال وخطوط منفذة بمخيلة تطريزية تزاوج بين المكونات الصغيرة للعمل وصورته النهائية.


تعاملها مع اللون
والهندسة يمنح لوحتها سحراً أقرب إلى حدائق «الزن» اليابانية


لا تعمل عدنان من منظور مضمر وتأويلي. تبحث في الخارج، تعيد قراءة الواقع والأفكار على الشكل والطبيعة لتنجز بنية راسخة وفق رؤية متقشفة تؤطر من خلالها حركة الزمن. صاحبة «بحر وضباب» التي اختارت لنفسها نهجاً بصرياً خاصاً سنرى لها أعمالاً جديدة في «غاليري كلود ليمان» في باريس بعنوان «إيتل عدنان والحداثة العربية»، مستوحاة من شغفها بالطبيعة اللبنانية والكاليفورنية، ومن تأملاتها لجبل تملباييس الذي ألهمها كتابها «رحلة إلى جبل تملباييس». تعتمد على أبسط قواعد الفنون التشكيلية لبناء الشكل. اختيارها المتقن لنوعية الخطوط، أوجد حالة من الرشاقة التي يمكن تعقبها في لوحاتها المنجزة بالحبر الصيني. الحيادية ودقة التنفيذ والتوازن في النسب بين المساحات السوداء والبيضاء، لم تُفقدها حراكاً داخلياً وانسيابية موسيقية تضعنا أمام ثنائيات جدلية: المرئي والمتخيّل، المعنى واللامعنى، المادي والروحاني. أحياناً، تتخلى ضربات اللون عن الخط لصالح تقطيع المساحات وتعاقب اللطخات وتجاورها وفق مزاج منفتح دوماً على اختزال كبير في المادة. تؤنسن عدنان جبل تملباييس المقدّس عند الهنود الحمر بإطلالته المهيبة على البحر الهادي. تقول إنّه أهم «شخص» تعرفت إليه. خصوصيتها في التعامل مع اللون والهندسة في لوحتها تمنحها شيئاً سحرياً أقرب إلى المهدئ النفسي الذي نعثر عليه في حدائق «الزن» اليابانية. هناك سكينة وطمأنينة يمنحهما النظر إلى هذه الأهرامات الصغيرة المتموجة بالأخضر والبرتقالي والأزرق. الهشاشة التي تفرضها ألوانها الفردية لا تكسرها البنائيات الهندسية بقدر ما تخلق تماسكاً في اللوحة وإحساساً بأننا نعايش حكايا متسلسلة تدور أغلبها حول الطبيعة والحب. لكن مضمون فن عدنان لا يكمن فيه، بل في الآخر الذي يتأمله أو يسعى إلى تأويله. إنه الحياد الذي يتحول فجأة إلى مرآة، من ينظر فيها، ينظر في نفسه.
ما هو روحاني صوفي في أعمال عدنان، لا نعثر عليه في أعمال آخرين تعاملوا مع التجريدات الهندسية مثل ماليفيتش، وكاندينسكي، وسلوى روضة شقير أو نيكولا دوستايل الذي تأثرت بتجربته. فنها صوفي بامتياز، لأنه منذ البداية زهد بالغرائز والمظاهر وتجنب الصراع والغلبة. فن رفض المحاباة والمدائح والانتماءات سعى منذ الخطوة الأولى إلى أن يكون صورة للمطلق وللكلمة التي كانت في البدء. في معرضيها الاستعاديين الأخيرين في قطر و«دوكومنتا 13» في ألمانيا، كان بالإمكان معاينة المسار اللوني والتقني الذي صنعته اللوحة المنجزة في أزمنة مختلفة. تتبع عدنان تاريخاً من المعرفة البصرية، تمثلها وتبدع مستقيةً منها، ومحاورة فلسفة أبيقور، ولسانيات تشومسكي، وشعر درويش المرتبط ارتباطاً عضوياً بالأرض/ لأم. ترتجل لمساتها اللونية من الأيقونية والمنمنمات الفارسية وتعاشيق الأرابيسك. بالإضافة إلى الزيتيات ذات القياسات الصغيرة التي تعكس انطباعات عن الطبيعة، قدّمت صاحبة «الست ماري روز» أفلاماً تجريبية وسجاديات ودفاتر من ورق الأرز مطوية على شكل أكورديون (ليبوريلو) تحمل رسائل خطية استوحتها من فنون الشرق الأقصى. الكتابة بخط اليد تتناول الحرف من جهات عدة، تمنحه كينونة جديدة تضيئها رسامتنا بألوان تضعها بالسكين لا بالفرشاة كمن يريد أن يحفر في اللوحة قصصه المحفورة في الذاكرة.
المشهديات التي تربت عليها في طفولتها ونشأتها ظلت تغذي أعمالها بشيء من السحر الخاص. مشهديات مشبعة بضوء قديم ظل يضيء صياغاتها اللونية، تقول: «كان الجو المحيط بي هو حياتي، ربما لأنني كنت طفلة وحيدة. لم يكن لي إخوة وأخوات لألعب معهم، فكان الضوء الذي يدخل عبر النافذة حدثاً عظيماً بالنسبة إليّ. كان الضوء صاحبي. بيروت مدينة مشمسة. أتذكر محاولتي المشي على ظلي. الظلال والضوء كيانان قويان. في إسبانيا أو جنوب فرنسا أو إيطاليا، الظلال قوية وجميلة والأشكال في منتهى الوضوح. الضوء عنصر فريد. إنه وجود قائم بحد ذاته، إنه شيء تنظر إليه وأيضاً تسكنه». الطفلة التي تناهز التسعين، لا تزال تجمع سيرة الضوء في «مختبرها الخيميائي»، وتتساءل إن كانت محكومة إلى الأبد بالنظر إلى العالم عبر نافذتها الصغيرة.



«إيتل عدنان والحداثة العربية»: حتى 9 حزيران (يونيو) ــ «غاليري كلود ليمان» (باريس) ـ
http://www.claude-lemand.com