يصعب علينا التكلّم عن مايا أنجيلو بصيغة الماضي (1928 ــ 2014)، كلّما فرغنا من حلقة في حياتها، طالعتنا أخرى أكثر صخباً. أوّل من أمس، أغمضت الشاعرة وكاتبة السيرة الأفرو ــ أميركية (اسمها الحقيقي مارغريت آن جونسون) عينيها على 86 عاماً من الحياة. أقفلت بذلك الفصل الأخير من سيرتها الذاتية التي أفرغتها عبر سبعة أجزاء، بدأتها عام 1969 بـ«أعرف لماذا يغرّد الطائر المحبوس في قفصه»، واختتمتها العام الماضي بجزء يحمل عنوان «أمي وأنا وأمي».

لكن ما الذي قد يدفع أحدهم إلى إنجاز 7 سير ذاتية عن حياة واحدة؟ لم تظهر هذه السير غزارة تجربة مايا الشخصية، بل تسلّل إليها كل فرد أفريقي أميركي، بما كانت كلمة أفريقي تحمله من دلالات على حياة الدرجة الثانية أو العاشرة في أميركا. قضت مايا أنجيلو الجانب الظاهر لحياتها بين المسرح، والسينما، والتلفزيون، والشعر، والسير الذاتية، وكتب الأطفال، إلى جانب نضالها لنيل حقوق أبناء جلدتها مع مالكوم X، ومارتن لوثر كينغ. أما الوجه الخفي، فشغلته كمغنية وراقصة كاليبسو. عملت بداية الستينيات كمحرّرة في مجلة The Arab Observer في القاهرة، إضافة إلى التمثيل والعمل الأكاديمي، والطهو، كما أنّها اشتهرت كأوّل سائقة ترام أفريقية أميركية.

انطلقت مؤلّفات مايا من الناس، وعادت إليهم، فاجتازت فخ توظيف معاناتهم (التي لا تنفصل عن معاناتها) للكتابة للطبقات الأخرى. إحدى أشهر الكاتبات السود برزت في نهاية الستينيات مع أسماء أميركية أفريقية كأليس ووكر، والروائية طوني موريسون. في دواوينها الشعرية، كتبت عن حقوق السود في أميركا، وعن معاناة المرأة وعن الحب كما في ديوانها Just Give Me a Cool Drink of Water ‘fore I Diiie الذي أصدرته عام 1971.


أمضت حياتها
في النضال والغناء والكتابة
بكت مايا أنجيلو في الليالي، وغرقت في الكحول خلال النهارات التي كتبت فيها سيرتها الذاتية الأولى «أعرف لماذا يغرّد الطائر المحبوس في قفصه». قالت هذا في مقابلة أجرتها معها صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية عام 1970، حول المؤلّف الذي غطّى السنوات الأولى من حياتها. بعد طلاق والديها، أرسلها والدها مع شقيقها بالقطار للعيش في بيت الجدّة في ولاية أركنساس، وهي لم تتعد الثالثة من العمر، فيما كان أخوها يكبرها بسنة واحدة. مع مرور 4 سنوات تقريباً، عاد الثنائي إلى أمّهما، حيث تحرّش بمايا حبيب أمّها. وبعد سجن المغتصب عاماً واحداً، وجد مقتولاً بعد أربعة أيّام من خروجه إلى الحرّية، فأصابت الفتاة حالة نفسية لإحساسها بالذنب، دفعتها إلى التوقف عن الكلام لستّ سنوات.
خلال هذه الفترة، صبّت اهتمامها على تعلّم الكتابة والقراءة، مطوّرةً اهتمامها بالأدب، فحفظت حوالى 75 سوناتة لشكسبير. لم تنس مايا، كما لا يمكن لأحدنا أن يفعل، السنوات الستّ المؤلمة التي أهدتنا تجربة أدبية إستثنائية. هدية تتماهى مع الحركة الفنية السمراء التي أهدت للعالم الجاز والفنون الحية المذهلة.