تضعنا خالدة سعيد أمام وليمة باذخة من الكوارث العربية التي تحتاج فحصاً عميقاً بوصفها «معضلات مزمنة»، مميطةً اللثام عن أسئلة جوهرية في التربية، والمعرفة، والحرية، والمثقف، والسلطة. في كتابها «الثقافة والحرية» (دار التكوين ــ دمشق)، تفكّك الناقدة المعروفة الأسئلة الأولى، وتعيدها إلى جذورها، بدءاً من مؤسسات اكتساب المعرفة، وفشل المدرسة في ردم المسافة بين العربية الفصحى ومجريات الحياة اليومية، وتالياً «عزلة الفصحى عن مجال التخاطب الشفوي لوجود لغة بديلة هي اللغة المحكية»، وزاد الفشل مع تراجع خيار الفصحى في الإعلام المرئي.

تعيد صاحبة «البحث عن الجذور» تاريخ المدرسة العربية المعاصرة إلى مدرستين تاريخيتين هما المدرسة الدينية، والمدرسة الأوروبية العقلانية. تنهض الأولى على مبدأ القراءة والترديد عن نص يرفض التساؤل والتشكيك في ما يشبه «العصمة المعرفية»، فيما تُنتج الثانية معرفة مبرمجة ومعلّبة هي نتاج مرجع أعلى موحّد وانتقائي، ما أدى إلى انقطاعات خطيرة على أصعدة عدّة وخلل في المشروع التربوي.

تقترح في هذا السياق حلولاً عملية لتجاوز هذه المعضلات عبر تنشيط الحركة المعرفية في المدارس. حالما تمهّد الأرض تربوياً ولغوياً ومعرفياً، حتى تقرع ناقوس الخطر بخصوص «الحرية في الإبداع الأدبي». تتساءل أولاً عمّا حوّل الرقابة والمنع إلى مؤسستين راسختين وفاعلتين اليوم؟ وتجيب بأن السبب الجوهري يتعلّق بتغيّر في مواقع «سلطة الكلام». شهد الربع الأخير من القرن الـ 19 تحوّلات كبرى غيّرت الوضعية القانونية للفرد وعلاقته بالسلطة. هذا الأمر أفسح المجال لمراجع معرفية وقيمية جديدة من خارج السلطة الرسمية، والسلطة الدينية، اللتين كانتا تتحكمان بموقع الرقابة، وذلك بانفصال المراجع الجديدة (كتاب وصحافيون وعلماء وشعراء) عن البلاط و المسجد والكنيسة لتتشكّل تدريجاً، كسلطة مستقلة للرأي والنظر والكلام. من هنا ستبدأ المواجهة مع السلطة الدينية التي لم تتغاض عن «الانتهاك العقلاني الذي يقوم به المثقفون». لعل أولى المواجهات المعاصرة بين المثقف والسلطة الدينية، قضية طه حسين في نقده للجذر الثقافي العربي (الشعر الجاهلي)، لينفتح الباب أمام قضايا أخرى مشابهة، مثل مناقشة علي عبد الرازق للشكل التأسيسي للسلطة في الدولة الإسلامية (الخلافة)، وقاسم أمين في «تحرير المرأة»، والطاهر الحداد في «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، ونظيرة زين الدين في «السفور والحجاب»، مروراً بكتابي جبران خليل جبران «النبي»، و«يسوع ابن الإنسان». لكن من يمتحن الخطأ والصواب في هذا الصراع؟ عدا السلطة الدينية، انبثقت سلطات أخرى لا تقل إرهاباً. ها هو المبدع يقع تحت سطوة الأحزاب والايديولوجيات المتناقضة، وإذا به يكتشف أنه الأقل حصانةً أمام موجات التخوين والتكفير والعسف، من جماعة مجلة «أبولو» في مصر إلى مجلة «الثقافة الجديدة» في المغرب و«شعر» و«مواقف» في لبنان.
هكذا تعددت مصادر التضييق على الإبداع. هناك قانون الرقابة الرسمية، والفتاوى الدينية، وأخطرها «دعوى الحسبة». ورغم قناعة الباحثة بحرية الآخر في تلقي النص الإبداعي، إلا أنّها تطالبه باسترداد حقه بوسيلة المبدع نفسها، من دون توريط القانون في محاكمة هذا النص أو ذاك. ما إن ينجو النص من أنياب الرقابة الرسمية حتى يجد نفسه أمام رقابة من موقع آخر، هي الرقابة الايديولوجية، سواء لجهة المنتج الإبداعي أو في التلقي، تحت بنود من نوع ذاتي «مغلق»، أو «نخبوي»، أو «شعوبي»، أو «ضد الجماهير». أما العتبة الثالثة فهي القيم التربوية ذات الطابع الديني التبشيري، بسبب هيمنة التلقين وغياب الجدل. ولن تتوقف هذه المعارك، وفقاً لما تقوله سعيد، إلا بتعزيز السجال الحرّ، وإصلاح النظام التربوي، بقصد تأسيس أخلاقيات الحرية وأهليات النقد والمساءلة والتحليل وقبول التعدد. في سياق بحثها عن المثقف ودوره، تورد سعيد أكثر من حكاية تضع الكتابة في الموقع المناقض للخوف، وبمعنى آخر «الكتابة كفعل لصيانة المستقبل»، وتالياً ضرورة أن يقف المثقف في الضفة المواجهة للسلطة، كما يتعيّن حضوره في جهة المنهج الفلسفي «ما دامت الفلسفة قائمة على المساءلة وإعادة الفحص الدائمة». هكذا تهتك أي سلطة تحتكر حق التأويل والتفسير، سواء كانت دينية أم إيديولوجية، فمصطلح «التحريف» لدى الحزبي، هو الوجه الثاني لمصطلح «البدعة» على المستوى الديني. في هذه الحال، على المثقف أن يكون مستقلاً، وخارج القالب الطقوسي الإلزامي السلطوي لثنائية السلطان وصاحب الشريعة. لا تستثني هنا «هشاشة سلطة المثقف» في ظل هيمنة الإعلام المموّل بأجنداته الكولونيالية، لكن هذا لا يمنع ظهور أصوات مضادة، مهما اشتد القمع والاستبداد الفكري، وستتوضح الصورة أكثر في جدلية العلاقة بين المثقف والسلطة، فهو إما معتقلاً أو لاجئاً أو محازباً، والصورة الأخيرة هي بداية تبعية المثقف للسياسي في تنازل صريح عن دوره، والمساهمة في ممارسة القمع على الكتّاب غير المحازبين بأوصاف مختلفة ذات مرجعيات أخلاقية أو دينية، مثل هدم التراث واللغة والدين والهرطقة والعدمية والفوضوية. وكانت المحصلة القبول بتأجيل الديمقراطية أو إلغائها، ومبادلتها بشعارات مختلفة، والسكوت عن انتهاك حقوق الإنسان وكرامته، ومعالجة حقوق المرأة وقوانين الأحوال الشخصية والمواطنة والطائفية وحرية الصحافة. وإذا باتحادات الكتّاب العرب تتحوّل إلى مناصرة السلطة، وليس ضمان حرية الكاتب والكتابة. عبر تاريخها الطويل في معظم البلدان العربية، «لم تصدر بياناً ضد اضطهاد كاتب في الاتحاد نفسه، أو احتجاجاً على منع كتاب أو مسرحية أو فيلم». وتخلص سعيد إلى فضح الأقنعة بعدما «وقعت الواقعة وتهرأت البراقع» نتيجة تاريخ طويل من احتكار الشعارات لتمويه الطغيان وتحصين السلطة، وتالياً «احتكار الكلام» إسلامياً كان أم عروبياً أم اشتراكياً.
«الثقافة والحرية» تجوال نقدي طليق، يبدو من عناوينه، وتواريخه واستشهاداته أنه مكتوب في أزمنة سابقة، على هيئة مقالات ومحاضرات، لكن ما يبرره اليوم هو ما تشهده الساحة العربية من تغيّرات وحراك واتهامات، من دون الاستناد إلى أرض نقدية صلبة. لعل المقترحات المطروحة هنا، قد ترمم المسافة بين خندقين متناحرين.