تحت عنوان «يوميّات عجوز مجنون» (1961) يقدّم الياباني جونيشيرو تانيزاكي (1886ــ1965) روايته تاركاً مخيّلة القارئ تعمل منذ اللحظات الأولى على انتظار أفعال لا منطقية لعجوز مجنون. مع إلصاق صفة الجنون بالعجوز توكوسوكي بطل الرواية التي انتقلت أخيراً إلى العربية (منشورات الجمل، ترجمة خالد الجبيلي) يصبح كلّ فعلٍ يقوم به البطل مبرّراً. وعليه، يضع تانيزاكي قارئه على قارعة الجنون منذ الصفحة الأولى مع الرغبة المستجدة لدى بطله وهو يحكي عن انجذابه نحو الشباب الذين يؤدّون أدواراً نسائيّة على مسرح «كابوكي». إلا أنّ ذلك سيخلخله السرد الهادئ والبطيء لعجوز في الـ 77 يسجّل يومياته بطريقة عادية لتبرز الرغبة كثيمة للعمل، وينسحب الجنون إلى قعر اللعبة الروائية. إذا كان الموت هو هاجس البطل الوحيد في الخمسينيات من عمره، فهل يمكن أن يكون الجنس هاجسه بعدما تجاوز السبعين؟ «شعرت بالارتياح عندما خطر ببالي أنّ حياتي الطويلة قد شارفت على نهايتها أخيراً. لذلك لم تعد لديّ أدنى رغبة بالحياة، لكنّي ما دمت حيّاً لا يسعني إلّا أن أنجذب إلى الجنس الآخر».


يكتب العجوز يوميّاته مسجّلاً هواجسه وأوجاعه مع الشيخوخة. لكنّه يستغرب تلازم الألم مع اتقاد الرغبة الجنسية «من الغرابة أنه عندما يعتريني الألم تجتاحني رغبة جنسيّة، لا سيّما عندما يكون الألم شديداً، أو يمكنني أن أقول إنّ معظم النساء اللاتي يسببن لي الألم هنّ اللاتي يجذبنني أو يفتنني»، ما يجعل زوجة ابنه «ساتسوكو» أو «ساتسو» كما يحبّ مخاطبتها نموذجاً مثالياً لخيالاته الجنسية بسبب ما تمتلكه من صفات «سيئة». هي الفتاة اللعوب التي تعرف كيف تستغل انجذاب العجوز إليها لابتزازه. تعلم أنّه عنين، وأنّ استثارته محض نفسيّة. ومع ذلك تبرع في استغلال ذلك، فتسمح له بمراقبتها خلسة وهي تستحم وبمداعبة قدميها هو المولع بالأقدام. ربّما يبدو الأمر لا أخلاقياً، لكن تانيزاكي يعود هنا لنظرية التقديس الجنسي لجزء من جسد المرأة الذي تناوله سابقاً في روايته «المفتاح» (1956) ما يجعل الأمر خليطاً من الرغبة والحب المغلّف بالسريّة ليغدو أشبه بولع المراهقة.


خاض
في العمق السيكولوجي لشخوصه بمهارة
انطلاقاً من السريّة، يبني تانيزاكي علاقات أفراد العائلة، أبطال الرواية، ببعضهم. العجوز يشعر بمزيد من الإثارة وهو يتواطأ مع زوجة ابنه التي تقيم علاقة مع رجل آخر. تبدو الرغبة المعنى الوحيد المتبقّي له على مشارف الموت، وربّما هذا ما يحثه على الدفع بها إلى أقصى ذراها آملاً بإطالة أمدها إلى ما بعد الموت. ما يجعله يستغلّ لحظات تحسّن طفيف في صحته ليغادر طوكيو إلى «كيوتو» الهادئة بحثاً عن مدفن يشتري فيه قبراً، وقد اتخذ قراره برسم نقش لقدمي ساتسو مماثل للنقش الأثريّ المعروف لقدمي بوذا، ويضعه على شاهدة القبر ليرقد تحته بعد الموت: «أنوي أن أنحت حجر آثار قدمي بوذا بنموذج قدميك يا ساتسو. وعندما أموت سيرقد جثماني تحت تلك الحجرة. ستكون تلك أقصى سعادتي. النيرفانا». هنا يصل تانيزاكي إلى ذروة المقصود من عمله حيث اختلط الحبّ بالعاطفة والرغبة الجنسية والقداسة والعودة إلى الطفولة عبر تذكّر الأم في لحظة فارقة في الرواية. بذلك، نحن أمام رواية تضج بالأسئلة ولا تتلهّى بالبحث عن أجوبة. إنّها رواية الإصرار على الرغبة وتقديس الافتتان حيث خاض تانيزاكي في العمق السيكولوجي لشخوصه بمهارة محلّل نفسي لتكون آخر رواياته قبل وفاته.