«نحن نعيش في عالم يخدعنا فيه الأقوياء، ونعلم أنهم يكذبون، ويعرفون أننا نعلم أنهم يكذبون، ولا يهتمون، ونقول إننا نهتم، لكننا لا نفعل شيئاً، ولا شيء يتغير أبداً، إنه أمر طبيعيّ. مرحباً بكم في عالم ما بعد الحقيقة. كيف وصلنا إلى ما نحن عليه الآن؟» هكذا يلخّص صانع الأفلام الإنكليزي اليساري آدم كورتس فيلمه الوثائقي HyperNormalisation الذي أنجزه عام 2016 (كورتس ينبش جذور الشر على هذا الكوكب: السياسة).

منذ فيلمه «صندوق باندورا» (1992)، هناك مواضيع كان كورتس يناقشها بشكل تراكمي، ويضيفها إلى أفلامه مثل «الفخ» (2007): استيلاء التكنوقراطيين على العالم، تراجع السياسات التقليدية، الفرد في المجتمع المعاصر، سقوط التنظيمات العمالية... في HyperNormalisation، يضيف كورتس إلى هذه الموضوعات نقداً لليوتوبيا التي يروّج لها الإنترنت، ومحاولات السعي لتحقيق الاستقرار السياسي العالمي (الاستقرار بالنسبة إلى كورتس هو نظام الإدارة والسيطرة على الأشخاص من خلال أجهزة الكومبيوتر وشبكات المعلوماتية، بشكل محدد ودقيق حتى لا يتعكّر النظام المالي العالمي والرأسمالية والاستهلاك). طوال الوقت، يتأرجح الفيلم بين فحص هذه اليوتوبيا وكشف النقاب عن واقع يدير فيه السكان إدراكهم للواقع من خلال أنظمة المعلومات والذكاء الاصطناعي.
أبطال فيلم كورتس هم: دونالد ترامب، فلاديمير بوتين، عائلة الأسد، معمر القذافي. نراهم كلهم في حركة سردية دائرية بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم العربي وروسيا. الوضع المشوش في الشرق الأوسط هو موضوع الفيلم الرئيس. يُظهر كورتس كيف تم التلاعب بشخصية فولكلورية مثل القذافي ليكون الشرير العالمي الأكبر في الثمانينيات، والمسؤول عن العلل العالمية، فإذا أزيل من السلطة، ستحلّ الديمقراطية والحرية. وهذا يناقض اللحظة التي تحوّل فيها القذافي إلى حليف للولايات المتحدة وبريطانيا، بعد التمسّك بالخصخصة والتحالف الغربي ضد القاعدة. وبعد ذلك جاء «الربيع العربي»، فساعدت الولايات المتحدة متمرّدي البلاد في القبض على الزعيم. وراء هذه القصة كلها علاقات متضاربة من الانتقام والخيانة نشأت بين سوريا والولايات المتحدة في سياق الحرب بين لبنان وإسرائيل عام 1982، بخاصة مع رفض هنري كيسنجر معالجة أزمة اللاجئين الفلسطينيين المتزايدة في سوريا ولبنان والأردن، وغضب الرئيس السوري حافظ الأسد. من وجهة نظر كورتس، خشي كيسنجر وجود عالم عربي موحّد، معتبراً أن ذلك سيقضي على ميزان القوى الذي يميل للغرب، وقد سعى إلى حمايته أكثر من أي شيء آخر، خاصة عندما رأى الأسد الوحدة العربية على أنها الطريق الوحيد للسلام، وغضب عندما شجع كيسنجر الدولة المصرية على توقيع اتفاقية سلام منفصلة مع إسرائيل مختلفة عن تلك التي كانوا يناقشونها على مستوى المنطقة وكان من شأنها إعادة الفلسطينيين إلى الوطن. «في الواقع، تم تجاهل الفلسطيني» يروي كورتس.

عمليات المونتاج والسرد وموسيقى البوب ​​ذات الطبقات المتكررة، والاختيار الدقيق للقطات الأرشيفية تشدّنا بسهولة إلى أفلامه


تبدأ القصة بين الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، في سياق الأزمة العالمية، حين أفسح السياسيون التقليديون الذين اعتقدوا أنه من يمكن العمل لتغيير العالم، الطريق تدريجاً أمام التكنوقراط والمديرين الماليين غير السياسيين. تحت ضغط الديون، سلّم هؤلاء المسؤولون الجدد زمام الأمور إلى المصارف، ما أدى إلى ظهور ثقافة سياسية جديدة قوامها الهروب من الواقع. يوضح كورتس الجروح العميقة التي تعانيها السياسة العالمية، وتفكّك المفاهيم المجتمعية التي تترافق مع تلاشي الصحافة والأكاديميين، وبروز أفكار جديدة مبنية على الأكاذيب حول العالم والطبيعة والحرية. والنتيجة رؤية جزئية ومؤكدة حول نهاية العالم، لحاضر تركز بشكل خاص على صعود شخصية مثل دونالد ترامب وعلى سرد تاريخ سوريا منذ تسلّم عائلة الأسد السلطة إلى اليوم. وبين الاثنين، نشاهد فشل كل حركة احتجاجية، والحرب على العراق، وصعود الأصوليات الدينية و«الجهاد»، والإنترنت، والفضاء الإلكتروني، والهوس الجنوني بالجسد واللياقة البدنية. يضع الفيلم هدفاً كبيراً يتمثل في سرد قصة وقتنا الراهن وكيفية وصولنا إلى هذه النقطة من خلال كشف شبكة معقدة من الأكاذيب. وعلى الرغم من أنّ ما يسرده كورتس معقد كثيراً، لكن عالمه يبدو دوماً كأنه مكان صغير، حيث القصص والأفعال والشخصيات والأحداث المترابطة تتدفق بطريقة منطقية على الرغم من حدوثها على كامل رقعة هذا الكوكب. الشخصيات التي يختارها، ليست فقط «أسياد هذا العالم»، بل ما يحركها هو تدفق الأحداث الاقتصادية والسياسية والتوجّهات الأيديولوجية.
مع كل ما سبق، لا يبخل كورتس في نقد أيديولوجية الذات، عندما يصبح الإنسان فقط فرداً يعبّر عن نفسه باستمرار. ينتقد الاستهلاك ابن الرأسمالية وسيطرة المصارف على الكون والسياسات المالية السائدة. لهذا مثلاً، يشتري الفرد الكثير من الأشياء التي تجعله مختلفاً عن الآخرين، وقد وجد أيضاً في الإنترنت المكان المثالي للتعبير عن نفسه... في هذا العالم الموازي، يمكن للجميع أن يكونوا كما يعتقدون. هذا ما يقودنا إلى الوقت الحاضر. يقول كورتس إنه من أجل تحسين العالم، لا يمكن فقط النظر إلى الماضي للتعلم منه، علينا أن نخطو خطوة نحو المجهول وفعل شيء جديد. ولكن هذا الجديد لا يتمثل في العالم الموازي المتمثل في الإنترنت. يوضح مثلاً أن فايسبوك هو مجرد نظام هندسي يمكن من خلاله التواصل مباشرة وتنظيم أنفسنا عن بعد، كما حدث في الربيع العربي، لكن الشبكة نفسها لا تعرف كيف يمكن تصميم مجتمع مستقبلي.
لا يرسم كورتس أي خطوط مباشرة، بل يبحث عن الارتباطات والمسببات ويسأل عن الظروف التي أدت إلى تغيّر تصورنا للعالم وتغير العالم بحد ذاته. أفلامه كفسيفساء تاريخية أيديولوجية سياسية اجتماعية ودينية. يربط الأشياء ببعضها ويقدم الأسباب والمعلومات والإثباتات ويربط بين الماضي والحاضر مثل ربط استراتيجيات السياسة الخارجية لهنري كيسنجر كمثال مبكر على شبكة الإنترنت وتكتيكات الكذب السياسي.
عمليات المونتاج والسرد وموسيقى البوب ​​ذات الطبقات والمتكررة، والاختيار الدقيق للقطات الأرشيفية، عناصر تشدّنا بسهولة إلى أفلام كورتس، للتعبير عما يريد قوله: فساد الواقع، الحقيقة، المعلوماتية، التاريخ، وكل هذا بطريقة هستيرية تتأرجح بين الواقع والخيال والحاضر والماضي. الطريقة التي يقدم فيها كورتس أفلامه بسهولة، تدفع المشككين إلى القول بأنّ أفلامه مجرد هلوسات ذاتية عن مؤامرات. وهنا تكمن قوة أفلامه وما يجعلها مؤثرة وحديثة. لكن دعونا لا ننخدع، فالمخرج الإنكليزي، قبل أي شيء، هو صحافي، فأر أرشيف غارق في ذاكرة الأخبار الدولية، يسرد بعناية الأحداث والأفكار القادمة من مناطق متباينة من الثقافة والاقتصاد العالمي. بطريقته الخاصة، يعتبر كورتس أيضاً ناشراً مهماً للعلم والنظريات حول الإنسان، على الرغم من أن موضوعاته وتحليلاته تبدو كأنها منفتحة تماماً، فهي دائماً في حوار مع المثقفين الناقدين في عصرنا الذين يملكون نفس أفكاره وتحليلاته تقريباً، وكثيرون منهم يظهرون في الأفلام نفسها.
بعد مشاهدة أي فيلم من أفلام كورتس، خصوصاً HyperNormalisation، وسواء اقتنعنا بما يقدمه أو لا، لا يمكن إلا أن نشعر كم نحن صغيرون جداً، وعندما نكتشف العالم، نصبح أصغر.

HyperNormalisation
على يوتيوب