يحافظ الكوريغراف والراقص اللبناني علي شحرور في عروضه على تراتبية الثلاثيات المسرحية. يأتي «نوم الغزلان» الذي يُعرض في 23 تموز في «مسرح المدينة»، على هامش ثلاثية الحب التي سبقتها ثلاثة عروض عن الموت والفجائع والمصائب. في العرض الراقص الجديد، يعيد شحرور صياغة مفاهيم مجتمعية وإيديولوجية متعلقة بالحب في العصور العباسية، ويصبّها في قالب مسرحي معاصر، مليء بالشاعرية والأحلام. رغم أن الخيار في «نوم الغزلان» على وقع استحضار علاقة عشق محرّمة من التاريخ العربي، إلاّ أنّ دراماتورجية العرض تلمس تساؤلات عن حميمية علاقات العشاق، بعيداً عن كل المسميّات، في أسلوب بعيد عن الخطابية. يُحكى أن محمد بن داوود، ابن أبرز فقهاء العراق، هام بحبّ فتى من أهل صفهان، يدعى محمد بن جامع. بعد وفاة والده، تولى بن داوود أصحاب الحديث في بغداد، وصار يتزعمهم. لم يزل بن داوود في عشقه لابن جامع، حتى عجز عن إصدار الفتاوى والحكم، إلى أن قتله الحب. من هذه الواقعة التاريخية، ينطلق علي شحرور من قصص العشاق التي حرمتها الإيديولوجيات، ليطرح أسئلة عن مصير الحب، وإلى أين يمكنه أن يسمو. يدمج العرض الراقص، سياقات زمانية ومكانية مختلفة. يؤكد شحرور، أن «الجندر» ليس محور البحث في هذا العرض، وإنما هشاشة العشاق وتوقهم للتحليق بعيداً، هو الأساس.

لا تقتصر الكثافة على مستوى المضمون فحسب، بل تمتد إلى الشكل أيضاً. العمل أشبه بلوحات تشيكلية يتم تقديمها على مدار خمسين دقيقة، يصدح فيها صوت ليلى شحرور، قارئة العزاء التي عملت مع علي شحرور في أعماله السابقة. ستكون ليلى الشاهدة على الهيام بين العاشقيْن وفق ما يؤكد علي شحرور مخرج العرض، وتشهد على موتهما بقلب منفطر بالحزن واللوعة. لا تستمد الحركات الجسمانية، التي يقوم بتأديتها شادي عون وعلي شحرور في «نوم الغزلان»، من موروثات بلاد ما بين النهرين هذه المرة. فالنص الكوريغرافي، يأتي بفعل التراكمات الجسدية والعاطفية التي فرضتها بيئة المنطقة العربية، وليس إعادة إحياء الطقوس. أي، الحركات غير مستمدة من موروثات اللطم، أو الرقص الشرقي مثلاً، وإنما أتت حركات الكوريغرافيا في شكل جديد ذي نزعة معاصرة في الرقص، لكنها مستمدّة من المحيط الاجتماعي. كأن شحرور أراد أن يجعل العرض بأكمله مجرداً من كل الخلفيات، والموروثات، ليحطّم كل شيء، حتى الطقوس الحركية التي تُفرض على الراقصين. انطلاقاً من الكلام عن الكوريغرافيا، يشير شحرور إلى أن سياقات البحث بدأت من العصور العربية القديمة، لكنها امتدت صوب آفاق عصرنا هذا. يفضل شحرور، الخلط بشكل متوازٍ بين التاريخ وامتداداته في مجتمعنا المعاصر، ما يجعل العروض الراقصة، تُقدم في صبغة شاعرية تحاكي الأصالة العربية، مع مزجها في أشكال معاصرة. العرض لا يحمل أي رسائل مباشرة، بل يشرك الجمهور في عملية التلقي التفاعلي لما يحدث على الخشبة، ويحفّزه على توسيع الأفكار من خلال اللعب على الكوريغرافيا الأشبه بحركات الأحلام، أو الكوابيس، البعيدة عن الواقع. بذلك، يكون الجمهور في حالة من الفوضى على مستوى الأحاسيس التي يبعثها العرض. تداخلات عاطفية وحسّية، تجعل من «نوم الغزلان» محاكاة غير كلاسيكية، رغم استحضار التاريخ العربي. كل هذا التوازن بين الماضي والحاضر، الحب المحرم في العصر العباسي، والحب في عصرنا هذا، الاستعانة بالموروث العربي، ضمن قالب مسرحي حديث، يطبع المسار الدراماتورجي للعرض المرتقب في بيروت. يؤكد شحرور، أنه رغم كل الصعوبات التي تعيشها بيروت، كان إصرار على يكون افتتاح العرض في «مسرح المدينة»، لينطلق بعدها في جولة أوروبية. هكذا، تبقى بيروت مهد الانطلاق، وعاصمة شاهدة على الأعمال الفنية الحديثة.
تشهد ليلى شحرور، المرنمة في العرض، على موت بن داوود، وموت الراقص وتلاشيه في الحب. تستحضر قوةُ صوتها لوعة الحب الذي يسكن في القلب، لكنّه يحرق الجسد ويفتّته، وينثر مآسيه في الرياح، لتبقى المعاناة تُستحضر على مدى العصور... هكذا أراد علي شحرور تخليد العشاق ولوعتهم.

«نوم الغزلان»: س:20:00 مساء 23 تموز (يوليو) ـ «مسرح المدينة» (الحمرا)