بالتزامن مع انكبابه راهناً على تأليف «ديوان العود» في عزلته الموسيقية والفنية في أسترالياً، يصرف المغنّي والفنان اللبناني والعربي الجماهيري الملتزم مرسيل خليفة اهتمامه إلى مَوْسَقة «جدارية» للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. ينطلق مرسيل من «السؤال الميتافيزيقيّ والوجوديّ الذي مال من خلاله إلى «جدارية» الشاعر الكونيّ، في هذه الأيام الموحشة وفي الحجر المنزليّ الصارخ» كما يقول مرسيل لـ «الأخبار».


من أستراليا، صرّح مرسيل خليفة لنا قائلاً بأنّ «محمود استطاع أن يروّض الموت وأن يحكي عنه مثلما يحكي عن الحب». وأضاف: «ما هو مخيفٌ يصبح أليفاً ويصبح الموت صمتاً في سيرورة الوجود». متابعاً أخذ يشرح خليفة: «الجدارية تمتدّ في ٥٣ صفحة. في البداية، كانت لديّ رغبة في مَوْسَقة القصيدة، لكن بعد حين تطوّرت الفكرة وامتزج الغناء بالموسيقى. منذ زمنٍ وأنا منكبٌّ على هذا العمل الملحميّ ويلزمني بعد زمنٌ آخر».
بتعابيره ووفق رؤيته، بلوَرَ صاحب «تصبحون على وطن» مقاربته: «الجدارية تراجيديا مكثفّة. نصٌّ شامخٌ كمصارع الثيران قبل أن يستقبل هجوم الثور بوقفةِ فروسيةٍ».
من جهةٍ أخرى، عبّر خليفة لـ «الأخبار» عن المخاض العسير الذي يواجهه في «جدارية» لأنه من الصعب أن يَقرَب أحدٌ من «جدارية» ويلحّنها ويُموَسِقها. «أحاول جاهداً قدر الإمكان وعلى قدر الكفاءة» يُعرب خليفة بائحاً. يستحضر مرسيل عبارة درويش الشهيرة «هزمتكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها» تعقيباً على هذا التناول الموسيقي للعمل الشّعري في هذه المرحلة، علماً بأنّ هذا التناوُل يندرج في خانة «العَبْر- سيمياء» Diasémiotique، حيث يستلزم ارتباط الموسيقى بالكلمة (النَّصّ) «ترجمةً» للدلالات اللغويّة الكلاميّة (إبداعيّاً) عبر الموسيقى، أي عبر محاولة عكْس وصوغ المضمون بنظامٍ موسيقي ما أو أكثر في حال الدمج.
لا شكّ في أنّ العمل سيشكّل مفاجأةً محبَّبة للجمهور الذي عَدَّ التوأمة الفنية التي ظلّلت خليفة ودرويش أخّاذةً ومؤثّرةً، علماً بأنه يتعطّش اليوم إلى تجديدها بعد رحيل صاحب «أثر الفراشة». في زمن القحط والانهيار واختلاط الحابل بالنابل وانقلاب المعايير، لا بدّ من التنويه بالفنّان السبعينيّ الذي لم يغادر طفولته، لا سيّما أنه لا يزال في ذروة عطائه الفنّيّ الدافق، مواصلاً رحلته ومشروعه على مستويين أساسيين. المستوى الأوّل هو التأليفيّ الموسيقيّ الآليّ، علماً بأنه مرحلياً يخصّصه لآلة العود في أفضيتها النخبوية التي تلامس أيضاً في جوانب معيّنة الأطرَ الأكاديمية. في هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنّ خليفة ثبّتَ بأعماله إلتماعات المدرسة اللبنانية للعود التي يمكن اعتباره رائدها، وهي باتت تتموضع بمحاذاة المدارس العراقية، والمصرية، والشامية. أمّا المستوى الثاني، فهو الغنائيّ منذ باكورته «وعود من العاصفة»، مروراً بـ«أحمد العربي»، وصولاً إلى عمله المقبل «جدارية». هذا المستوى يلامس ويخاطب الجمهور العريض أيضاً، الذي يجنح إلى الكلمة المنغَّمة أكثر من ميله إلى الموسيقى البحتة التي تُعَدّ اللغة الأولى التي يتكثّف ويتقطّر فيها التجريد. غالباً ما يُدهش مرسيل خليفة المتلقّي بغير المتوقَّع ضمن لغةٍ موسيقيةٍ مؤسْلَبة تتدثّر ببصمته، علماً بأنها تتميّز بجُملٍ آسرة محفوفة بعبقريةِ البساطة الشعبية، وتندرج ضمن رؤيةٍ محوكةٍ ومُحكَمة وبنيةٍ متينة. بعد سماع هذه الجُمَل مباشرةً، لا سيما في فضاء الغناء، يحفظها المستمع -أياً يكن- عن ظهر قلب. إنه أسلوب السهل الممتنع الذي لا يتقنه إلا العارف والخبير.