بقدر ما كان فيلم إيلي داغر متُعِباً، كان اللقاء معه مريحاً. تحدّث معنا في كل شيء بأريحية، لكن تأثير بيروت المتُعب على شبابها، لا يمكن إلّا أن نلاحظه في الحديث. بدأنا الحديث عن قصة جنى ومنشأها والميلانكوليا الطاغية على الفيلم. «جنى سافرت إلى الخارج وعادت إلى بيروت، كحال العديد من أفراد عائلتي الذين سافروا ورجعوا بعدما خسروا الكثير، ومنهم شقيقي. أنا كنت أذهب وأعود، إلى أن شعرت بالغربة وأنا في بيروت مع أنها مدينتي. في ٢٠٠٩، اكتشفت فرقة روك لبنانية اسمها «ذا سيدارز» وتعرّفت إلى عازف الدرامز في الفرقة والمغنّي الرئيسي. لم أكن أعرف ما يهمّني من قصتهم. كتبت الفيلم ثم اكتشفت أن قصة هذه الفرقة التي سافرت إلى لندن وخسرت الكثير وتفرقت في جهات مختلفة؛ هي فكرة الغربة والفشل في الخارج، وعدم احتمال الوجود في بيروت، وعدم قدرتنا على البقاء في الخارج في الوقت نفسه. فكرة الضياع بين قصة شقيقي وقصتي إلى حد ما، وقصة معظم الشباب في لبنان، والضياع الذي نعيشه ولّدت فكرة الفيلم». إذن من أين ولدت جنى؟ «عندما بدأت كتابة الفيلم، كان واضحاً أنني أكتب شخصية فتاة. في مجتمعاتنا، لا نتوقّع الكثير من الفتاة ولا نتوقع لها النجاح. كان مهمّاً أن أتحدث عن ذلك، خاصة أن قصة الشاب الذي يسافر مستهلكة في السينما. جنى سافرت مع أنّ أحداً لم يتوقع لها النجاح. فشلت إلى حدّ ما وعادت. هذه الفكرة بحدّ ذاتها تحفّز على التفكير، مع أن هذا ليس ثقل الدراما في الفيلم». عدنا إلى السينما والصورة والموسيقى والتمثيل والشخصيات المدمّرة والتوازن بينها وبين لغة الفيلم، وصعوبة البقاء على الخطّ نفسه ونغمة الفيلم طوال الوقت: «هذا التناغم والتوازن كانا موجودين في جميع المراحل منذ الكتابة إلى عُرض الفيلم. أكتب بطريقة محددة، وخلال الكتابة أحدد المشاهد وطريقة التصوير. تعرّفت إلى منال عيسى قبل ثلاث سنوات من التصوير. خلال هذه الفترة، كنا نتحدث عن الفيلم، لكنّنا لم نذكر أنها ستلعب دور جنى. ولأن منال كانت منذ البداية، أصبح العمل معها سهلاً لأنها عرفت من هي جنى، وفي مكان ما تماهت معها ومع حياتها في الخارج وفي بيروت. مع الباقين، كان العمل أصعب قليلاً لأننا بدأنا التحضير للفيلم قبل شهر فقط من التصوير. منذ البداية، كنت أعلم أنني أريد هذا اللون والضوء المحدد في الفيلم (الرمادي)، وشادي شعبان المصور كان يعلم ذلك منذ البداية، في المطلق، أنا أشعر أن بيروت في الشتاء تشبه نفسها أكثر من الصيف. صورة الفيلم تعكس شعوري إزاء المدينة وكيف أراها. صورنا في شقة أهلي. ترعرعتُ في بيت زراعي كبير مع حديقة وفي عام 2004 خسر أهلي البيت، وانتقلنا إلى الشقة التي نراها في الفيلم. من هنا جاءت العلاقة بين جنى وبيروت والعمار والبحر. هذا الضيق الذي شعرت به منال في الشقة، موجود من الكتابة لأنني كتبت على أساس أن أصوّر في شقة أهلي. شقيقي الذي تحدثنا عنه في البداية، هو الذي ألّف موسيقى الفيلم. وفي ليلة واحدة، أرسل لي الموسيقى التي استعملناها لأنه عاش قصة جنى، فلم أكن بحاجة لأفسّر أي شيء. أخذت وقتي في المونتاج، وأنا من مَنتَج الفيلم مع ليا ماسون، وأسست نغمته من البداية ولم أنتبه إلى أن كل شيء ممسوك بطريقة جيدة حتى انتهينا. طوال الوقت كنت أجري وراء شعوري».

لا حوارات كثيرة في الفيلم، واللغة السينمائية المستعملة ونغمة الفيلم، والنهاية وحتى شخصية جنى... كيف سيكون صداها على المشاهد اللبناني وهل يمكن أن يتقبلها برأيك؟ يجيبنا: «لم أكن محايداً. منذ بداية الكتابة، أردت أن يكون الفيلم سهلاً إلى حدّ ما ويشاهده الجميع، لكنه انتهى أصعب مما كان متخيلاً ولا يمكن أن يكون غير ذلك. واجهت الكثير من الاعتراضات حتى خلال الكتابة. لكنني في النهاية، لم أصنع الفيلم لمجرد صنعه، أردت أن أقول شيئاً». حديثنا أعادنا إلى بدايات الكتابة، قبل خمس سنوات، قبل أي شيء وقبل انفجار 4 آب. مع هذا، هناك في الفيلم شيء كبير سوف يغرق بيروت. بالنسبة إلى داغر، هناك تسونامي سيلتهم العاصمة، فلماذا أغرقنا؟ «تغيرت قراءة الفيلم منذ كتبته إلى اليوم، بدأت الكتابة مع أزمة النفايات في بيروت، والشعور بالهروب وبأن كل شيء انتهى، كما يحدث الآن تماماً. من هذا المنطلق، فالقصص التي تحدثت عنها في الفيلم أشعر بها. هناك دائماً قلق في بيروت، شيء كبير يحدث ويوقف أي شيء نعمل عليه. كان مهماً لي أن أضع هذا الخوف في الفيلم. وفي مكان ما، أردت أن أواجه حالة الإنكار التي نعيشها. وكل فكرة البحر في بيروت، وعلاقتنا المتضاربة معه، الجميع يريد واجهة بحرية وفي الوقت نفسه تزدحم المدينة بالبناء الذي يتعدّى على البحر كما وتُطمّ فيه النفايات. هذا التناقض الذي نعيشه في بيروت مع البحر، أوصلنا إلى كارثة لا أحد يتوقعها». خلال الحديث، جئنا على سيرة «موج 98» الذي حصد «سعفة كان» الذهبية عن أفضل فيلم قصير، ورحلة إيلي السينمائية من أول عمل إلى «البحر أمامكم» الذي يُعرض حالياً في «كان». يقول لنا: «بدأت الفكرة في رسالة الماجستير عن الذاكرة والهوية وعلاقتنا معها، وهي مزيج من الأرشيف والتاريخ. كونت فكرة عن المواضيع التي أريد أن أتحدث عنها في السينما، وعندما كتبت الفيلم القصير، كنت أعبّر عن هذه القصص بهذه الطريقة. الفيلم القصير أنتجته وحدي وذهبت إلى «كان» وحيداً، وكانت المرة الأولى التي أزور فيها «كان» أو أشارك في مهرجان، ما أعطاني ثقة أكبر لصنع هذا الفيلم والخروج به بالطريقة التي أريد. ولو فشل الفيلم الجديد؛ إنه ما أريد أن أعبّر عنه وبهذه اللغة».