بخلاف الشعر الذي تعوَّد عليه القارئ العربي الذي يصبُّ في القوالب والموضوعات ذاتها، بتصورات مختلفة طبعاً عن الحياة والحبّ، ها هو الشاعر الإيطالي أليساندرو مانزيتي يقدم شعراً من نوع خاص، يندرج ما يُسمّى بشعر الرُعب والسوداوية، إذ يرصد من خلاله قصصاً حقيقية عن الأشباح وعوالمها المثيرة للاهتمام ليقدم قراءةً صادقة عن الواقع في فترة 1881. من خلال قصائد ديوانه الأحدث Whitechapel Rhapsody (منشورات ‎ Independent Legions Publishing). يعيد اليساندرو مانزيتي استحضار 11 جريمة قتل وقعت في الفترة الممتدة بين 1888 و1891 ونُسبت إلى جاك السفّاح، هذه الشخصية المشكوك بأمرها! هل هو فعلاً سفّاح أم أنّ جهة ما تقوم بتلك الجرائم، أو أنها نُسبت إلى هذا الشخص انطلاقاً من الرسالة التي وصلت إلى الأمن آنذاك بتوقيعه للتمويه فقط.


من سلسلة الجرائم، استحضر أليساندرو مانزيتي عن طريق الشعر تلك الفترة الزمنية، من خلال وجهة نظر المحققين وجاك السفّاح نفسه، وهو بهذا الديوان يُحيي شِعر جاك السفاح في زمننا الحالي، فهو إذن من خلاله يبحث في الأزمات التي مرّت وتمرُّ بها المجتمعات وخلفياتها السياسية والتاريخية ليفسّره عن طريق الشعر. وكما هو معروف، فإنّ الشِعر وإن اختلفت مواضيعه، يبقى دائماً لسان حال الواقع سواء أكان رثاءً، رُعباً، غزلاً، إلى غير ذلك من المُسميات التي تذهب كلّها إلى ماهية الشعر وجدواه في حياتنا، وكما يصفه الشاعر نزار قباني «الشعر هو أن تأتي بغير المتوقع»، إذن أخذ أليساندرو مانزيتي قارئه من اللامتوقع إلى ما يمكن أن يكون متوقعاً.
انطلاقاً من قصص الأشباح المرعبة وتحديداً في عام 1881 حين كانت المدينة الفقيرة «وايت تشابل» في إنكلترا تعيش أسوأ فترَاتها على الأصعدة كافة، بسبب توافد المهاجرين من إيرلندا، واللاجئين اليهود الهاربين من بطش نظام روسيا القيصرية ومجازرها، والذي نتج عنه ــ بطبيعة الحال ـــ فائض سكاني فظيع. وطبعاً هذا التوافد السكاني الكبير كانت له نتائجه الوخيمة على المجتمع، ما أدى إلى وجود العديد من بيوت الدعارة في وايت تشابل، والكثير من المشاكل الاقتصادية، والاجتماعية مع تفشّي العنصرية ومعاداة السامية والفقر والحرمان والظلم. كلّ هذا أدى إلى تظاهرات كثيرة نذكر منها مثلاً «تظاهرة الأحد الدموي».
هذه الأزمات حوّلت وايت تشابل إلى مدينة فاسدة بكلّ ما يحمله هذا الوصف من تصوّرات مبتذلة ومؤلمة في الوقت ذاته. ومن هنا ظهرتْ قصّة جاك السفاح الذي يقوم بجرائم بشعة، حيث يلجأ في بعض الأحيان إلى قطع حناجر النساء، بخاصة المومسات اللواتي يعملن في الأحياء الفقيرة. ذاع صيت هذا السفاح آنذاك وصار بمثابة التراث الشعبي حتى إنه اصطلح بعد ripperology أو «علم السّفح».
انطلاقاً من هذا الشرح يمكن ربما مقاربة أشعار أليساندرو في هذا الديوان الذي يقدم فيه شعرياً قصص السفاح الشهير جاك السفاح، فالمجموعة الشعرية تنطوي على خلفية تاريخية تُعيدنا كقراء عرب إلى حكايات الغولة وأساطير الأشباح التي اعتادت الجدّات أن يروينها لنا في مرحلة الطفولة، إذ أنها شكّلت الجزء الأكبر من وعينا. هنا بقصائده ذات الخلفية التاريخية الدموية دراسة للواقع في تلك الفترة ومحاولة تفسيره من خلال هذا النوع من الشعر.
يتميّز مانزيتي بفرادة في استعمال هذا النوع من الكتابات ذات القالب الشعري السوداوي الدموي المُرعب، فالذي يقرأ Whitechapel Rhapsody، يرى أنّ لقصائدة صِلة ببعض وتحمل الأفكار نفسها عن تلك الفترة تحديداً. أشعار مفرطة في السوداوية تخوض في عالم الأشباح بلا هوادة، حزينة تفوح منها رائحة الدماء والفقر الذي كان سِمة تلك الفترة حيث الشوارع الباردة الحزينة، هناك عندما يصبح للفقر صوت، وللألم لغة وللحاجة سبل وغايات.
تمكّن مانزيتي من أن يقرب ذلك الجزء من التاريخ للقارئ الحالي، فلا يمكن أن تقرأ قصائده بدون خوف، ورُعب، ففكرة أنّ ما هو مكتوب هو بالفعل كان حقيقة مرعب وفكرة أن تعاد صياغته شعراً أكثر رعباً.
أعتقد أنّ مجرد التفكير أنّ هناك شعر رعبٍ هي فكرة مرعبة، لكن ما دامت الحياة تقدم نماذج كثيرة عن كل شيء، لماذا لا يتناول الشعر الرعب والسوداوية، إذا كانت الحياة برغم ما تحمله من جماليات فيها شقاً مرعباً.
تلك هي ميزة شعر أليساندور منزوتي، كما عبّر عنها صمويل جونسون حين قال إن «الشعر هو فنّ جمع المتعة بالحقيقة».
أشعار اليساندرو مانزيتي التي تجمع ما بين الأسطورة والحقيقة، ما بين قوة الخيال وفظاعة الرعب ودهشة الشعر لتقول شيئاً واحداً بأنّه بالرغم من التطور الذي بلغه الإنسان، إلّا أنّ الوحش داخله ما زال يقود العالم إلى نهايته بدون رحمة، وما وُجد الشعر إلّا ليحاول التخفيف من الحقيقة، حقيقة الحروب، الدمار، القتل، الطائفية التي دمّرتْ شعوباً وبلداناً بحالها. ما حدث في وايت تشابل ما زال يحدثُ اليوم وإن اختلفتِ الطُرق وتعدّدت الأشباح في أكثر من مكان وبالبشاعة ذاتها. يكفي أن نُشاهد التلفزيون أو نقرأ الجرائد أو نُطالع وسائط التواصل الاجتماعي لندركَ ذلك.