القاهرة | ربما يصلح ما فعلته روبي على مدار تاريخها الفني الذي يقترب من العشرين عاماً، أن يكون نموذجاً مثالياً للفنانة التي بنت نجوميتها على إثارة الجدل ولفت الانتباه. كأنها حجر يُلقى في بركة من المياه التي تحمل في داخلها الكثير من الصخور، ــــ لكن يسبب هذا الحجر الصغير، روبي ــــ حالةً من الاستياء والغضب.


روبي دخلت عالم الفن لتكون ممثلة ــ عادية ـــ تتميّز بجمال شرقي مصري، لم يكن معتاداً على شاشة السينما، السمراء، ذات الجمال الفرعوني التي تحمل عيناها شغباً وإغراء. تم التعامل معها في البداية على أنّها فتاة جميلة ورقيقة كما حدث في «فيلم ثقافي» للمخرج محمد أمين عام 2000. ولكن ما وراء الوجه البريء من مُجون خفيّ، رآه المخرج الكبير يوسف شاهين الذي أسند إليها دوراً محورياً ورئيسياً ومهماً في فيلم «سكوت حنصوّر» عام 2001. في هذا الفيلم، اكتشف شاهين هذا الإغراء الكامن تحت الملامح الفرعونية، وتجرّأت روبي على إظهار الكثير من أنوثتها. هكذا، قدّمت مشاهد كانت شبه محرّمة في السينما مثل القبلات وارتداء المايوه وغيرهما.
من هنا لفتت روبي انتباه مخرج الإعلانات والأغاني المصورة ــ الذائع الصيت ـــ في ذاك الحين شريف صبري. بدأ الأخير في تحويل روبي إلى نموذج مصري من النجمات الصغيرات اللواتي ظهرن في الغرب في تلك الفترة على رأسهنّ بريتني سبيرز. ولأنّ الغناء طريق أقصر للنجومية، فقد قرّر صبري أن يصنع من روبي مطربة وممثلة وقنبلة إغراء. ولأن صوتها لم يكن طربياً بالقدر الكافي، فهي جيدة كمؤدية ولكن ليس كمطربة أو مغنية، كان من الأسهل أن يدفع شريف صبري الناس لمشاهدة روبي، وليس لسماعها. صنع لها أغنيات مصوّرة تقدم من خلالها استعراضات تُلهب العقول والنفوس، يشاهدها الناس ويرقصون على إيقاعها وتصبح فتاة أحلام الشباب و«تغتاظ» منها البنات. وفي الوقت عينه، تصبح مادة مثيرة للجدل والانتقادات الاجتماعية والإعلامية، وتنهال عليها البلاغات للنيابة وطلبات الإحاطة لمجلس الشعب. حرب شاملة أعلنها المحافظون والمنافقون ضد الفنانة الصغيرة على اعتبار أنها «لا تحترم تقاليد المجتمع المصري».
الشهرة التي تحققت لروبي في فترة قصيرة تحدث في العادي في سنين طويلة وأعمال كثيرة. ولكن بعد فترة قصيرة تمكّنت الفنانة المثيرة للجدل من أن تحول دفة شهرتها والحديث عنها من أقسى الانتقادات إلى أقصى الإثناءات بأداء شديد التميّز في عدد قليل من الأعمال المهمة في السينما والتلفزيون. أعمال لم تخفق ــ حرفياً ـــ في أيّ منها، بل وصل الإبداع في بعضها إلى القمة مثل («بدون ذكر أسماء»، «سجن النسا» و«أهو ده اللي صار»).
والآن، وبعدما أصبحت روبي على عتبة الأربعين، وبعد أربعة عشر عاماً على صدور آخر ألبوم غنائي لها، تعود للغناء مرة أخرى في ألبوم جديد، لا يخلو من «الشقاوة والشغب» القديمين، وإن كانت تسيطر عليه مرارة الأيام التي عاشتها حيث واجهت قصصاً كثيرة، من حب وغدر، وزواج وطلاق. اليوم تحولت من المراهقة المثيرة الصاخبة إلى المرأة الناضجة الهادئة. اليوم، أصبحت روبي نجمة من العيار الثقيل في التمثيل ومطربة «تكسر» الدنيا وتحقق أرقام مشاهدة واستماع قياسية لأغنيات ألبومها الجديد. حتى الآن، صدر من الألبوم أربع أغنيات على اليوتيوب هي «حتة تانية»، «قلبي بلاستيك»، «أنا لو زعلانة»، و«واحدة جديدة». من خلال تلك الأغاني، نكتشف حجم التغيير الذي حدث في صوتها وإحساسها ونوع الكلمات التي تؤديها والألحان التي تلائم مزاجها الجديد. في الأغنيتين الأخيرتين («أنا لو زعلانة» و«واحدة جديدة») اللتين صُوِّرتا بطريقة الفيديو كليب، هناك نمط مختلف كلياً عن أغانيها القديمة. تتحدث الأغنيتان عن حب انتهى، وسنوات ضاعت، وعن امرأة قوية تُولد من جديد، ولكنّ روبي الذكية لم تتوقف عند مرحلة زمنية ماضية – مثل غيرها – بل تغني بمفردات الجيل الجديد الذي يعيش قصص حبّه وعشقه وانفصاله على مواقع التواصل الاجتماعي.
لم تتخلَّ روبي كذلك في هذا الألبوم عن روحها المرحة التي تُعتبر شفرة دخولها إلى قلوب الناس. مرة أخرى، تثبت أنّها لا تزال على عهدها في تجسيد البهجة والرغبة وحماس الشباب، بالأغاني ذات الإيقاع السريع والكلمات التي لا يمكنك إلا أن تبتسم عند سماعها. ويظهر ذلك في أغنيتين («حتة تانية» و«قلبي بلاستيك»)، فالمفردات أشبه بتعبيرات الفايسبوك وتويتر، حيث تستخدم في الأولى كلمات مثل «الأفندي، مترستأ، حلنجي، وهوبا»، وفي الثانية تقول «طلع فستك، بتاع حركات، واللي اتخان معايا يعمل لايكات».
في السنوات العشر الأخيرة، وجّهت روبي صفعةً مدوية على وجوه من انتقدوها و«ذبحوها» بأقلامهم وتصريحاتهم. هي لم تعد دخيلة على فنّ الغناء والتمثيل كما كانوا يزعمون عنها، بل أصبحت واحدة من أهم الفنانات تمثيلاً وغناءً، لا تخذل جمهورها ولا تعود إلى الشاشة أو الميكروفون إلا بالأعمال الجيدة الناجحة... لقد نضجت روبي وأصبحت «واحدة جديدة».