لم تختلف صورة الأدب السوري كثيراً قبل الانتفاضة وبعدها. بعيداً عن الأجناس الأدبية الجديدة، أي الشذرات واليوميات، بإمكاننا القول إنّ الأجناس الأدبية المكرّسة بقيت على حالها. القصة القصيرة في سباتها المعتاد، الكتابة المسرحية ميتة منذ وفاة سعد الله ونّوس، الرواية لا تزال تراوح في حضور الغياب، ولم يبق سوى الشعر.

وربما سيبقى لعقود البضاعة السوريّة الأدبيّة الأكثر رسوخاً. بل قد يكون بمقدورنا توسيع هذا التعميم قليلاً عبر الإشارة إلى أنّ شعراء العقد الأول من الألفيّة الجديدة لا تزال لهم الكلمة الفصل في الشعر. إنهم الجيل الأخير الذي نسف ما قبله، وصعّب فرصة ولادة جيل آخر من الشعراء الجدد. عارف حمزة (1974) أحد أهم أسماء هذا الجيل. لعله الأكثر غزارة في الإنتاج. بدءاً من باكورته «حياة مكشوفة للقنص» (2000)، وصولاً إلى مجموعته السابعة «لا أريد لأحد أن ينقذني» التي صدرت أخيراً عن «دار الغاوون»، استطاع عارف تكريس اسم متفرّد وعالم شعري خاص.

مهمة ليست سهلة في بلد ينتج عشرات الأسماء سنوياً. يبدو حمزة مزيجاً متفرداً بين شعراء «البوح الاعترافي» كسنيّة صالح ودعد حدّاد، وشعراء القصيدة اليوميّة، خصوصاً رياض الصالح الحسين في قصائده الأخيرة.
لقد تمكّن من التقاط أهمّ تفاصيل هذين العالمين الشعريَّيْن المتداخلين، وأدخلها في قصيدته لتولد طازجة، قاسية، وشفيفة في آونة واحدة، مثل جرعة ألم معتّقة. وقصيدة عارف حمزة هي قصيدة الألم بامتياز.
لم يبتعد الشاعر في مجموعته الأخيرة عن قاموسه اللغويّ الثريّ رغم هدوئه. لا يزال للهجران والنكران ووشم الدم وندبة الجرح حضورها القوي في قصيدته، إلا أنها تبدو أكثر ألماً وقسوة إذا قارنّاها بمجموعته المذهلة «الكناري الميت منذ يومين» (2009). لكن لا بد من ملاحظة ابتعاد الشاعر عن القصيدة الطويلة (وهي كانت العمود الفقري لعالمه الشعري)، وتفضيله قصيدة «الفلاش». القصيدة القصيرة الحادّة الدقيقة كسهم يعرف طريقه إلى الهدف. كما لم تختف الحيلة البارعة السائدة في معظم قصائده، أي النهاية المفاجئة الغارقة في اللوعة التي تكسر رتابة الألم البطيء، لكنها تبدو في «لا أريد لأحد أن ينقذني» أكثر براعة، إذ إنها لا تزال تفاجئ القارئ رغم توقّعه لها، مع أنّ عالم هذه المجموعة يدور حول موضوع شديد المباشرة، أي الانتفاضة السورية المندلعة منذ أكثر من ثلاث سنوات. ثلاث سنوات من الألم اليومي ولا تزال هناك فسحة للمفاجأة الشعرية. هنا، بالتحديد، تكمن أهميّة وفرادة قصيدة عارف حمزة.
ربما كان لحضور الانتفاضة/ الحرب في هذه المجموعة سبب مهم في التغير الآخر الذي طرأ على مجموعات عارف. المجموعة تمتد على أكثر من 230 صفحة، وهذه سابقة عند الشاعر المتميّز بمجموعاته متوسطة الطول عموماً، وسابقة حتى في «أدب الانتفاضة» الذي يفضّل كتّابه وناشروه الكتاب الصغير الأقرب للكرّاس. إنها مغامرة إذاً أن تقدّم وجبة شعرية في كتاب كبير في زمن الفايسبوك.
ولكن، لم تبد هذه المغامرة ناجحة بشكل كامل، إذ إنّ العنوان الفرعيّ للمجموعة «يوميات من الثورة السوريّة» بدا شديد المباشرة وبعيداً عن عالم عارف حمزة الشعري. بل ربما لا يصح الحديث عن الكتاب إلا كمجموعتين منفصلتين يمكننا تمييز الفارق بينهما بسهولة ولو لم يكن التقسيم موجوداً فعلياً في الكتاب. نجد في النصف الأول «لا أريد لأحد أن ينقذني» الشعر الحقيقي الذي يتميّز به عارف، فيما يبدو النصف الآخر «يوميات من الثورة السورية» أشبه ببيانات فايسبوكية اختفى منها بريق الشعر، لا بالمقارنة مع شعر عارف حمزة بنفسه، بل بالشعر كتعريف عام.
بمعنى آخر، يبدو الشاعر في النصف الأول كأنه يكتب لنفسه، كما اعتاد في المجموعات السابقة. البوح هنا مرآة تتسع للجميع، وسيجد كل قارئ تفصيله الخاص به في قصيدة عارف حمزة. أما النصف الثاني فيبدو موجّهاً إلى جمهور بذاته، وهنا كانت الورطة التي وقعت فيها المجموعة. بدا الشاعر كأنه يحاول إرضاء حماس واندفاع هذا الجمهور لكل ما هو «ثوريّ»، ولذا ابتعد النصف الثاني من الكتاب عن الجوهر الفني للقصيدة. في النصف الأول، نجد الشعر الخالص غير المرتبط بمكان أو زمان محدَّدين، ولذا سيتم تذكّره دائماً كما المجموعات السابقة للشاعر. أما النصف الآخر، فهو يوميات عابرة، مرتبطة بحدث عابر، ولذا ستنتهي بانتهاء حدثها.
إذاً، بعيداً عن العنوان الفرعي الذي أثقل المجموعة وقصائدها (مسؤولية الناشر قبل الشاعر)، وبعيداً عن ركام النصوص المباشرة، نجد عارف حمزة هنا في أفضل مجموعاته على الإطلاق، لا سيما أنّه بدا أكثر تألقاً في القصائد القصيرة التي تظهر هنا كأنها النتاج الأخير للتجريبيّة التي تتميز بها قصائده. حتى القصائد الطويلة «القديمة» كانت، بدرجة ما، مجموعة قصائد قصيرة مترابطة، يوحّدها الألم.
وبذلك، تبدو «لا أريد لأحد أن ينقذني» مرحلة جديدة في التطوّر المتصاعد لعالم عارف حمزة الشعري، وفي الشعر السوري عموماً، الذي لا يزال البصمة الأكثر تميّزاً للأدب السوري، حتى بعد جميع التقلّبات التي هزّت المشهد الأدبي خلال السنوات الثلاث الماضية.