القاهرة | لم تعد الشاشة تتسع لمذيعي «ثورة يناير» المتمسكين بمبادئها رافضين التحوّل لمسايرة الأوضاع الجديدة في سوق الإعلام الفضائي. رغم تعدّد القنوات المصرية واختلاف مالكيها، أصحبت السياسة التحريرية متشابهة تقريباً في ما يتعلق بدعم النظام الحالي، وتأييد المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية.

قبل ثلاثة أيام، أعلنت الحكومة المصرية قرارات زيادة أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي المدعم في تحرك هو الأوّل من نوعه منذ سنوات. الإعلاميون تعاملوا مع الخبر على الشاشات باعتباره اعتيادياً، رغم أنّه لو حصل ذلك بقرار من حكومة الإخوان المسلمين برئاسة هشام قنديل لأصبح خبراً رئيسياً على كل المحطات. أما المساحات الأكبر، فذهبت لمتابعة أصداء قرار رئيس الوزراء المصري، إبراهيم محلب، بوقف عرض فيلم «حلاوة روح» (تأليف علي الجندي، وإخراج سامح عبد العزيز) للنجمة اللبنانية هيفا وهبي.

التخلي عن مبادئ العدالة الاجتماعية والحرية التي دعت إلى تكريسها «ثورة 25 يناير» لم يتوقف عند تجاهل قرارات الحكومة المناهضة لهذه المبادئ، بل وصل إلى حد تجاهل الحديث عن المعتقلين السياسيين. أخبار التعذيب داخل السجون والمعتقلات، وعمليات المداهمة العشوائية لمنازل النشطاء على أيدي أجهزة الأمن لم تصبح محل اهتمام في برامج الـ «توك شو» التي باتت لا تختلف كثيراً عن بعضها سواء لناحية الضيوف أو التوجهات السياسية المساندة للدولة في مواجهة الإرهاب.
سقوط مواطن مصري برصاص أمين شرطة في «قسم امبابة» قبل أيّام بسبب خلافات بين الجاني والضحية قد يكون حصل على مساحة تغطية أقل من تلك التي حصلت عليها جريمة قتل الناشط خالد سعيد في حزيران (يونيو) 2010. حينها، كانت التغطية تهدف إلى الدفاع عن حقوق الإنسان لأنّ مقتل ابن مدينة الإسكندرية على أيدي عناصر الأمن مثل سبباً رئيساً في قيام «ثورة يناير». أمّا اليوم فتهدف التغطية إلى الدفاع عن وزارة الداخلية. صحيح أنّ أمين الشرطة متورّط في الجريمة ولا يمكن الدفاع عنه، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تسليط الضوء كثيراً على القضية حتى لا تهتز صورة الشرطة مجدداً. كل ذلك في مشهد يبدو كأنّ ثورة لم تقم.
على خط مواز، خروج دينا عبد الرحمن من الصورة لم يجعل ريم ماجد الإعلامية الوحيدة البعيدة عن الشاشة منذ حزيران (يونيو) الماضي، عندما اختارت بإرادتها الابتعاد عن شاشة «أون. تي. في.»، رفضاً لمسايرة ما وصفته وقتها بـ«العودة إلى حكم العسكر». ماجد التي تحرّرت من أي تعاقدات بعد انتهاء عقدها مع القناة بالمصادفة في 30 حزيران (يونيو) الماضي، برّرت غيابها بعدم قدرتها على التأقلم في الأوضاع الإعلامية الراهنة. هنا، تجدر الإشارة إلى أنّ الإعلامية المصرية لا تزال تربطها علاقة طيبة بـon tv وسط تسريبات عن إمكانية عودتها لكن بعد وصول الرئيس الجديد إلى القصر الرئاسي.

تخلّت التلفزيونات عن مبادئ العدالة الاجتماعية وتجاهلت أخبار المعتقلين
لم تكن ماجد الوحيدة التي لم تجد شاشة تتسع لحيادها. الإعلامي المصري حافظ الميرازي لم يجد أيضاً مؤسسة مرئية تمنحه مساحة حرية في استقبال الضيوف، ما جعله يغيب عن الشاشة اضطرارياً رغم تحسن حالته الصحية وعودته من رحلة علاج طويلة في الولايات المتحدة. علماً بأنّ رصيده الإعلامي كبير جداً على الشاشة مقارنة بمن يقدمون اليوم برامج تلفزيونية على مختلف المحطات.
من جهتها، لم يكن غياب دينا عبد الرحمن متوقعاً، لأنّ الإعلامية التي عارضت المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقالية الأولى دفاعاً عن مبادئ الثورة ما أدّى إلى رحيلها عن قناة «دريم»، لم تقرر المغادرة أخيراً. بل إنّ إدارة «سي. بي. سي.» اتخذت قراراً بعدم تجديد التعاقد معها رغم تعاقدها مع إعلاميين جدد للإطلالة على شاشتها. وكانت عبد الرحمن قد بقيت في cbc على مدى عامين تقريباً، إذ شاركت في الاستديو التحليلي لانتخابات 2012 قبل أن تقدّم برنامج «زي الشمس» كل صباح برفقة السياسي عمرو حمزاوي. ورغم تصدرها نسب المشاهدة في تقرير «إيبسوس» عن فئة البرامج الصباحية، قررت المحطة نقلها إلى الفترة المسائية حيث قدّمت برنامج «السابعة مساءً» على قناة «سي. بي. سي. إكسترا».
إذاً، أنهت المحطة تعاقدها مع دينا عبد الرحمن بداعي عدم رغبة الإدارة في التجديد، بينما كان تبرير القرار في الأوساط الاعلامية يستند إلى فقدان الإعلامية لجمهورها بعد «30 يونيو»، ما اضطر دينا إلى الانتظار في المنزل أملاً في عرض من إحدى المحطات يعيدها إلى الشاشة قريباً. لكن ابتعاد دينا عن الشاشة جاء أيضاً وسط تسريبات عن امتعاض وزارة الداخلية مما تقدمه، وخصوصاً في إحدى الحلقات التي انتقدت فيها بشدة أداء رجال الأمن تجاه النشطاء والمعتقلين.
وحده يسري فودة نجح في الوجود عبر برنامجه «آخر كلام» (أون. تي. في) الذي يحاول من خلاله عرض الرأي والرأي الآخر لكن على استحياء. لم تعد مقدمات حلقاته بالحماس الذي اعتاده جمهوره، فيما تراجع المعلنون عن برنامجه ليسجل أقل فواصل إعلانية مقارنة بباقي برامج الـ «توك شو» على المحطة. بعضهم ربط بين هذا التراجع الإعلاني والسياسة، غير أنّ النتيجة النهائية هي خصام شاشات مصر لكل المذيعين المحسوبين على «ثورة يناير»، وفتح المجال فقط أمام مناصري «ثورة 30 يونيو» رغم كل ما يقال عن أنّ الثانية مكملة للأولى وليست انقلاباً عليها.