في زمن القحط الثقافي والجوائز الثقافية التي يخضع فيها الأدب لاعتبارات سياسية، يقع معظمها ضمن رؤية الدول المطبّعة والمدجّنة للثقافة والمثقف، عاد الحزب السوري القومي الاجتماعي إلى الساحة الثقافية اللبنانية والعربية بخطوة مفاجئة تتمثل في الإعلان عن «جائزة أنطون سعادة السنوية للأدب» انطلاقاً من مقولة سعادة نفسه: «الأدب هو حصول ثورة روحية مادية، اجتماعية، سياسية، تغيّر حياة شعبٍ بأسره». وقد صدّرت «عمدة الثقافة والفنون الجميلة» في الحزب الإعلان عن الجائزة كما يلي:

«جائزة أنطون سعادة للأدب جائزة سنوية تهدف إلى إعلاء شأن الأدب وحضوره في المجتمع، وإلى تشجيع المبدعين الشباب وتقديرهم، للمضيّ قدماً نحو آفاق أرحب للإبداع والتميّز. في ظل الظروف الراهنة، تعيش أجيالنا الشابة أزمة البحث عن طرقٍ تكون فيها عناصر منتجة في مجتمعها، والمبدعون الشباب من أدباء وفنانين هم من أكثر المتضررين. لذلك وانطلاقاً من نظرتنا التي تؤمن بأنّ الأدب والفنون هي من أهم الوسائل التي يعبر من خلالها مجتمع معين عن حقيقته وعن التغيرات المستمرة الحاصلة فيه، ومن قناعتنا بأنّ المواهب الثقافية الكثيرة في بلادنا بحاجة دائمة إلى المزيد من الدعم والتشجيع، أطلقت عمدة الثقافة والفنون الجميلة – دائرة الأدب والكتابة الإبداعية في الحزب السوري القومي الاجتماعي، جائزة أنطون سعادة الأدبية، للمساهمة في إبراز دور المبدعين في مجتمع هو في أمسّ الحاجة إليهم».


توضح فاتن المر، المسؤولة عن الجانب التنظيمي للجائزة بأن اللجنة المنظّمة قرّرت أن تقسّم الجائزة إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى عن الرواية، الثانية عن الشعر (ديوان شعري) والجائزة الثالثة تُقدم لكاتب نص إبداعي حول أنطون سعادة، على أمل أن تتوسع مجالات الجائزة في العام المقبل فتشمل النقد الأدبي، إذ يتم وضع خطة مستقبلية لتشمل فنوناً أخرى كالرسم والتصوير والموسيقى. وتضيف المرّ أن عمدة الثقافة أرادت أن تتوجه بشكل خاص «إلى المبدعين الشباب لأنهم الفئة الأكثر تأذّياً في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها أمتنا، إذ أصبحت طباعة كتبهم أمراً صعباً جداً بسبب الكلفة المادية وغياب سياسات الدعم. ولما كنا نعوّل عليهم لخلق وعي جديد وحالة ثقافية ناهضة يساهمان في قيامة المجتمع، رأينا أن نستثمر في المستقبل، على عكس السياسات التقليدية التي لا تلتفت إلا للآني الذي يؤمّن لها الربح السريع، والمستقبل يمكن أن يكون مزهراً وناهضاً بفضل من ينتجون فكراً وأدباً مبدعاً. كما أن هؤلاء المبدعين يحفّزون الشباب من حولهم على القراءة وإعمال العقل وتذوّق الجمال، ما يخلق جواً ثقافياً مميزاً يلعب دوراً مهماً في إنقاذ المجتمع».
وتختم المر بأنّ «ما نطمح إليه من خلال هذه الجائزة هو إيجاد مساحة للتفاعل للكتّاب الشباب في ما بينهم ومع كتّاب أكبر منهم سناً للتعاون على تفعيل الحالة الثقافية ونشر الأعمال على نطاق واسع، وخلق جو من النقاش وتبادل الأفكار بما يسمح للكتّاب بالتخلص من الشعور بالغربة داخل مجتمع اعتاد أن يهمل كل ما له علاقة بالفن والأدب».
تتألّف لجنة التحكيم من اثنين وعشرين عضواً من كتّاب وأساتذة جامعيين ونقاد أدبيين، وقد تم وضع معايير اختيار الأعمال وفق آلية تقييم تضع علامات للفكرة والأسلوب والتجديد، ولا شروط تقيّد الإبداع، بل مساحة مفتوحة للتنوّع والتعبير الحر.
بالإضافة إلى قيمة الجائزة المادية، سوف تقوم «دار فكر للأبحاث والنشر» بنشر أعمالهم: الرواية الفائزة وديوان الشعر ومجموعة منتقاة من النصوص حول أنطون سعادة، بالإضافة إلى الترويج للعمل في العالم العربي والمغتربات.
ولموضعة هذه الجائزة ضمن الرؤية الاستراتيجية الشاملة للحزب، يوضح عميد الثقافة والفنون الجميلة حسام عبد الخالق بأن «جائزة أنطون سعادة هي مبادرة من الحزب السوري القومي الاجتماعي لتحفيز وتشجيع المبدعين الشباب، وخلق حاضنة لهذا الإبداع ضمن رؤية تهدف إلى الاحتفاظ بالمواهب في الوطن في زمن الانهيار والوضع الاجتماعي الصعب، وبخاصة أن الطاقات تنال التقدير الأكبر المادي والمعنوي خارج البلاد. كما يعتبر الحزب أنّ دوره الطبيعي هو دعم الأدب والفنون الذي انكفأ عنه لفترة طويلة، وتضعه قيادة الحزب الجديدة في صلب رؤيتها العامة».
استعادة الحزب لدوره الطبيعي في دعم الثقافة، ستندرج تلقائياً ضمن العمل المقاوم لمواجهة «الحرب الناعمة» (حسام عبد الخالق)

فالحزب بحسب عبد الخالق الذي يمثل حركة الشعب العامة والذي قد أُسّس ليكون نهضة للمجتمع، ينظر إلى الجائزة كنوع من الأداة وبرنامج العمل، من هدي الزعيم أنطون سعادة الذي أولى أهمية كبرى للأدب ليس فقط كمرآة للصراع الذي عرضه بالتفصيل في كتابه «الصراع الفكري في الأدب السوري»، بل أيضاً كمحفّز لهذه النهضة الشاملة في المجتمع. لذلك، فإن الجائزة تجد مكانها الطبيعي في حزب تقوم ركائزه على الثقافة والعلم. الحزب القومي الذي استقطب منذ انطلاقته كوكبة كبيرة من المثقفين والكتاب والشعراء أمثال أدونيس ويوسف الخال ومحمد الماغوط وكمال خير بك، يقرّ عبد الخالق بأنّه فقد وهج هذا الاستقطاب قليلاً بإهماله للعصب الثقافي لفترات طويلة وانغماسه في السياسة، وها هو يحاول اليوم استعادة هذه «الحاضنة الثقافية» للإبداع والمبدعين. وإجابة على سؤال حول جاذبية شخصية أنطون سعادة في استقطاب هؤلاء المثقفين إلى الحزب، يؤكد عبد الخالق أنّ هؤلاء قد رأوا في فكر سعادة وعقيدة الحزب بذور نهضة شاملة. ويضرب عبد الخالق مثلاً حول انتساب الأديب سعيد تقي الدين إلى الحزب بعد استشهاد الزعيم. ولم ينكر هؤلاء الأدباء مساهمة عقيدة الحزب في صقل شخصيتهم وأدبهم في فترة من الفترات. وبما أن الكثير من الجوائز الثقافية تندرج اليوم ضمن إطار «الحرب الناعمة» حيث يتم توظيف الثقافة والفنون لأهداف سياسية واستعمارية وأجندات تتناقض مع مصالح الوطن والأمة، ينفي عميد الثقافة في الحزب القومي أن تكون «جائزة أنطون سعادة» قد تم تصميمها كردة فعل في وجه تلك الجوائز، بل إنّ استعادة الحزب لدوره الطبيعي في دعم الثقافة، ستندرج تلقائياً ضمن العمل المقاوم لمواجهة هذه الحرب والمال الذي يُضخ بهدف إفساد الثقافة ضمن غايات سياسية. وعن شعور بعض المثقفين بأنهم أكبر من أحزابهم وبخاصة في الأحزاب الإيديولوجية المنضبطة، يجيب عبد الخالق بوجود خيط رفيع بين التحجّر الذي يمكن أن يحصل داخل الأحزاب الإيديولوجية والعقل الجمعي الشمولي، وبين أن يكون الدافع العقائدي هو المحفّز لكل الإبداعات والإنتاج الثقافي والأدبي، مع الاحتفاظ بحيّز كبير من الحرية وبالطيف المتنوّع من الأفكار والآراء. وحين يحسّ المثقفون بضيق المساحة بين الحدّين، فلا شك في أنّه سيعتريهم شعور بالنفور والاختناق، ومن هنا لا بدّ من تنوّع ضروري لكل نهضة، وتكون العقيدة من المحفّزات للإبداع والتجديد.

يتم تقديم الأعمال المرشّحة للجائزة عبر موقع saadehliterature.org الذي يتضمن كل المعلومات المتعلقة بالجائزة. آخر مهلة للتقديم هي 30 تموز (يوليو) 2021. ويجري الإعلان عن النتائج في الأول من آذار (مارس) 2022

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا