نسمع بـ «الجائزة العالميّة للرواية العربيّة»؛ الجائزة الأدبيّة العالميّة التي تختصّ بالأدب العربيّ، وتُنَظّم بتمويلٍ من «هيئة أبوظبي (الإمارات العربيّة المتّحدة!) للسياحة والثقافة» وبرعاية من مؤسسة جائزة «بوكر» البريطانيّة، ونسمع بأنّ المغرب العربي قد تصدَّر عدّاد المُبدعين الروائيين فيها، وكاد أن يستحصل على معظم المتأهّلين. هذا أمر جميل، جميل جدّاً لدى القلّة القليلة من المثقّفين العرب. فربّما يستحقّونها وربّما لا! بالنسبة إلى الجائزة، فلْيحصَل عليها مَنْ يحصل، لكنّ ثمّة تساؤلات لذوي الشأن ومن دون مواربة أو مسايسة ومحاصصة:

هل يقبل « المثقفون السعوديّون» قراءة رواية باسم ال م ق ا و م ة التي لن نستطيع كتابة حروفها مكتملة؟ وهل يقبلون رواية من العراق الذي هزم «داعش» وأذناب الوهابيّة، باسم لغة الحرب وتحرير الأرض، حتّى لو كانت مُتقنة الفكرة واللغة والصياغة والجِدّة والإبداع؟
هل يقبل «المثقفون الإماراتيّون المطبّعون»، رواية شبيهة باسم فلسطين، وشعب فلسطين وقدس العرب في فلسطين؟ حتّى ولو كانت الرواية من دون بندقيّة، ولو كانت ربيبة غسان كنفاني ومن أنفاس أشعار سميح القاسم وقلب تميم البرغوتي؟ سيرفضونها حتماً.
ماذا لو قام روائيّ سوريّ (روائيّة) مبدع وقدّم من سوريا أعذب رواية من روايات الحرب والدم والمجتمع والتآمر والتخاذل والاستعمار، وحتّى من روايات الحبّ في زمن الحرب، وهو روائيّ ممانع، هل سيقبل هواة التطبيع في الخليج العبري والمغرب ربع العربيّ ما كَتَبَ ويُكتَب؟
ماذا لو خرج من لبنان ال م ق ا و م روائيّ (روائيّة)، صقل تجربته في حصن مَنْ حرّروا وقادوا وواجهوا وانجبلوا بالتراب، وقد أتقن فنون الحبكة والفكرة والهيبة الأدبيّة إلى أقصى ما يمكن أن تكون؟ هل سيقبل مطبّلو زايد، وابن سلمان، ومحمّد السادس والسابع، وابن خليفة، والتُّبَّع من أصحاب الدشاديش والعقالات والطرابيش الحمراء، حتّى فكرة المشاركة والقراءة... لا لن ينقبلوا، ولو كُتبَتْ تلك الروايات أو القصائد بماء الذهب!
ماذا لو أبدع عربيّ فصيح بليغ مُبهر رواية باسم جوع اليمن وحكايات اليمن ووجع اليمن، وصورة الطفل الهزيل، وباص المدرسة المحترق والأشلاء المُقطّعة من إغارة سعوديّة إماراتيّة بسلاح صهيونيّ؟ أظنّ بأنّ المطبّل الحَكَم، سيقبض على تمزيقها أضعاف ما قُيّض له أن يقبض! أجل! سيُبدع بعض الأعراب من المثقّفين ومن الجنسَين في كلام الجسد، والجنس، والخيانة، والجناية، والخيال العميق باسم المجتمع العربيّ، وباسم الحبّ الغريزيّ، والمرأة العربيّة الحديثة، والأمراء والملوك، وبعض فتات الحديث عن الجائعين والجائعات والمقتولين والمقتولات وقصص النساء اللواتي باعهنّ داعش في العراق وسوريا باسم الإنسانيّة وحسب، لا باسم مَنْ جاء بداعش من أصحاب قيمة الجائزة العظيمة، وباسم القلم والحرية...!
أسأل! حينما تنتفي الوطنيّة والممانعة والأرض المغتصبة والشرف والكرامة من الروايات والقصائد، ماذا سيبقى بعدُ في الروايات المعاصرة؟ أظنّ بأنّ صورة حذاء طفل يمنيّ تساوي مجلّداتكم المكتوبة بالنّفط الأسود! وأظنّ بأنّ شعرة من فتاة عراقيّة اغتصبها مجنّد وهّابيّ من أنفاس آل سلول، أشرف من كلّ ملوككم وأمرائكم وصفحاتكم الهجينة، وأؤمن بأنّ حجراً واحداً من فلسطينيّ يرمي به عدوّه، أو خنجراً من فلسطينيّة تطعن به صهيونياً، وتستشهد رمياً بالرّصاص، تساوي كلّ مدادكم وأقلامكم وأنفاسكم وقصوركم وواحاتكم الثقافيّة والفكريّة والماليّة وكلّ حضارة العربان المستوردة والمصنّعة في الغرب، وأشهد أنّ صفحة من رواية، من ديوان شعر، باسم ش ه ي د، باسم أمّ ش ه ي د، باسم بنت ش ه ي د، باسم مَنْ حرّر الأرض والعرض والشرف في لبنان، يساريّاً كان، وطنيّاً أو قوميّاً، تساوي كلّ جوائزكم التي تنكّرت لكلّ شيء، إلّا للتطبيع باسم من ذبَحَ الأطفال من العرب، وباسم مَن باع أرض العرب، وباسم مَن خانَ القدس باسم العرب.
فالجائزة التي لا تحتوي قلماً مقاوماً أو قيمة وطنيّة حقيقيّة واجتماعيّة واقعيّة ورومانسيّة سردَت تفاصيلها القلوب الشجاعة، هي جائزة هواية عربيّة رخيصة بقلم رصاص أعرابيّ لم يبلغ الفتح يوماً كحكّامه وسلاطينه وبعض مثقّفيه الذين امتهنوا التطبيل من أجل وليّ النّعمة والعملة الخضراء! وفي أحيائنا العربيّة الشريفة ألف راوٍ وألف ألف شاعر من ذَهَب! نُدرك أنّكم ستقبلون كلّ الروايات، إلّا الروايات التي تحكي لغتنا ولا تألفها لغتكم المستوردة من لندن وأزقّة الغرب، أسياد حضارتكم ولغتكم وثقافتكم المستجدّة!

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا