يقدّم توم هولاند في Cherry قصّة شاب أميركي عاديّ يلتحق بالخدمة العسكريّة في الحرب على العراق، ليعود مصاباً بآثار عميقة للصدمة مسّت صحته السايكولوجيّة. ينتهي بالإدمان على الهيرويين، ويضطر تالياً لتمويل إدمانه عبر سرقة المصارف، قبل أن يُلقى القبض عليه ويودع في السجن، حيث يستعيد توازنه ويخرج مجدّداً مواطناً صالحاً. رغم 140 دقيقة من السرد، والتوظيف الاستعراضي لتقنيّات التصوير والتلاعب بالزوايا، والألوان والإضاءة، والاستعارات الأسلوبيّة من أفلام سابقة، انتهى فيلم الأخوين روسو مسطحاً سمجاً، بلا مضمون نقدي أو تحليلي لقضايا تتعلق بصميم تاريخ الحروب العدوانية الأميركية في القرن الحادي والعشرين


بين عامَي 2014 و 2019 ، أخرج الأخوان (أنتوني، وجو) روسو أربعة أفلام من أجواء قصص الأبطال الخارقين (شخصيّات «مارفل») جمعت أكثر من ستة مليارات دولار في شباك التذاكر العالمي. ذلك النجاح التجاري – وقطعاً بغضّ النظر عن المضمون – منحهما نوعاً من تفويض مطلق لاختيار مشروعهما السينمائي التالي. وقع اختيارهما على Cherry رواية نيكو وولكر (صدرت في عام 2018)، وهو سجين أميركي كتب سيرة شبه ذاتيّة سوداويّة من قلب ظلام الإمبراطوريّة عن مدمن مخدرات ينتهي إلى السّطو على المصارف لتمويل تعاطيه، مبرراً تورّطه العبثيّ بسابق خدمته مسعفاً مع الجيش الأميركي إبّان العدوان على العراق عام 2003، وإصابته بما صار يُعرف لاحقاً بـ PTSD أو «متلازمة اضطراب ما بعد الصدمة» نتيجة الأهوال التي شاهدها في 250 مهمّة قتاليّة. وهما كلفا شقيقتهما أنجيلا روسو-أوتستو (بالتعاون مع جيسيكا غولدبرغ) بكتابة سيناريو فيلم دراميّ مستوحى من الرّواية، وأسندا الدور الأساسيّ فيه إلى الممثل الأميركي توم هولاند. وهكذا كان «تشيري» (كرز بالعربيّة) الذي عُرض في مسارح محدودة الشهر الماضي، وأُطلق أخيراً على منصّة «أبل. تي. في. بلس».
بينما وفّرت أفلام «مارفل» للأخوين روسو ضمانات دنيا أكيدة لنجاح أفلامهما بحكم أبعاد الشخصيّات الأصليّة فيها والمتجذّرة في وعي المراهقين الأميركيين عبر سلاسل الكوميكس (آفينجرز، مستر أميركا...)، فإنهما في شريطهما الجديد فقدا التّوازن تماماً: قدّما دراما مسطّحة، غير مُقنعة، وغير مستقرّة على قضيّة محددة، تروي حكاية مملّة عن شخصيّات ثنائيّة الأبعاد غير قادرة على الإقناع، وعملياً تثرثر كثيراً، لكنّها لا تقول شيئاً. فلا هي نقد للجهة الغامضة التي ترسل الشبان الخام إلى العراق، ولا هي مقاربة طبقيّة للفئات التي تنتهي الأقدار بها للخدمة في حروب الجيش الأميركي وراء البحار، ولا تقترب ولو تلميحاً من خواء المشروع الليبرالي الأميركي (عدا تسميات سخيفة للبنوك كـ «المصرف الرأسمالي» و«بنك القذارة»...). تكتفي بتحويل العراقيين إلى أشباح لا يمكن رؤيتها (يُطلق على أحدها اسم حاجيّ كنوع من السخريّة) ويخدمون عند تجسّدهم كتلاً هلاميّة من البؤس، دورَ خلفيّة رمليّة الألوان لمرحلة حياة الشخصيّة الرئيسيّة خلال سنتَي الخدمة العسكريّة. وهي تفشل أيضاً في معالجة مسألة اغتراب الشباب الأميركي من الطبقات الدنيا، ولا تفسّر انتشار استعمال المواد المخدّرة، وتسخّف فكرة السطو على البنوك (كأنّك تسطو على بقالة في شارع معزول)، وتفترض من المتلقي أن يصدّق معاناة الطبقة المهمّشة من الأميركيين رغم أجواء الطبقة الوسطى الغالبة على المزاج المكاني للحكاية في جزئها الأميركي، وتقدّم مؤسسة السّجن الأميركية بمطلق السذاجة بوصفها مظهر خلاص الأرواح التائهة. وفي النّهاية بعد أكثر من 140 دقيقة من الترقب والانتظار والمعاناة التفصيليّة المزعجة، نصل حرفيّاً إلى اللاشيء. ولو كان الدّافع الخفي وراء الفيلم دفع المتلقين للتضامن مع عذابات الجنود الأميركيين (القتلة المساكين) الذين خدموا في العراق، فإن السّذاجة التي طُرحت بها المسألة مع التجاهل التام لأكثر من مليون ونصف مليون شهيد عراقي، كشفت عن انحطاط أخلاقيّ ومركزيّة نرجسيّة غير مقبولين حتى للجمهور الأميركي نفسه، ناهيك بالجمهور العالميّ. كارثة تامّة.
بلاهة الأخوين روسو فلسفيّاً وسياسيّاً حاولا التعويض عنها من خلال خلق وهم بصري للمتلقي بأنّه يتابع ملحمة روائيّة من خمسة فصول متعاقبة (أيّام الكرز والوقوع في الحب، التدريب في الجيش، الحرب في العراق، مرحلة الإدمان ومرحلة سرقة البنوك) ثم خاتمة تأخذ الشخصيّة الرئيسة إلى السجن والتطهّر واستعادة الأمل، فننتقل بين كل منها بالتوقّف أمام خلفيّة حمراء قانية تحدد مرحلة السرد. لكنّ الفيلم يبدأ فعلياً من الجزء الثالث بعد مرور أكثر من ساعة من الوقت المملّ كان يمكن بالفعل الاستغناء عنها كليّاً من دون المسّ بالقصّة.
في الفصول المتتابعة، يستعرض الأخوان روسو كلّ ما في جعبتهما من تقنيات سينمائيّة وخدع وزخارف شكليّة ألصقت معاً ككولاج بلا معنى من ورق ملوّن على حائط آيل للسقوط في أيّ لحظة. وهما بالتأكيد على علاقة غراميّة مع العدسات الواسعة الزاوية، إذ يستخدمانها بداع أو بغير داع، هنا وهناك وفي كل الأوقات، بغضّ النظر عن طبيعة الحدث أمامنا، ما يُشعر المتلقي بالاختناق. ثمّة سوء تناسق عجيب في خلطة تباينات الألوان، كما محاولات ربط عشوائيّة لمقاطع موسيقى تصوير باهتة، مع نصوص حواريّة متخمة بكليشيهات سمجة.
أداء توم هولاند كان الأسوأ له على الإطلاق. ربمّا القصة المهلهلة لم تساعده، لكنّه أيضاً بدا غير قادر على تقديم ما يستحق من أداء لتولي دور مركزيّ لأي قصّة. وللحقيقة، فإن الممثلة سيارا برافو التي تؤدي دور إميلي الحبيبة والزوجة ولاحقاً شريكة الإدمان بدت ألمع منه كثيراً. وحدها قدّمت أداء جيّداً أقلّه مقارنة بالتعاسة الفنيّة للفيلم ككل، وبالسطحيّة التي حكمت تصميم الشخصيات. الممثلون الثانويون بدورهم ظلمهم السيناريو ومنع تطوّر شخصيّاتهم، فبقوا محبوسين في أفق مسطّح بلا عمق دون أدنى قدرة على بناء الجسور مع المتلقي. مثلاً جاك رينور الذي لعب دور بيلز آند كوك رفيق بطل القصة ومورده من المخدّرات، كان فرصة ضائعة لتوزين خفّة أداء هولاند، لكنّه مضى بلا فائدة.
لن يُذكر Cherry في تاريخ الأفلام كقصّة حبّ رومانسيّ أو حكاية نضال طبقيّ، ولا كفيلم حرب أميركيّ آخر عن حروب الإمبراطوريّة ما بعد فيتنام، ولا حتى كشريط عن حياة الإدمان، أو كمثال على دراما السطو على البنوك. وهو أيضاً ليس عملاً تشاهده من أجل أداء نجمه المفضّل - ولو كنت من محبي توم هولاند - أو ستبحث عن موسيقاه التصويريّة كي تضمّها إلى اختياراتك، وبالتأكيد لن يدفع مشاهده للبحث والتأمل في ما قد يكون وراء الثيمات الكبرى التي يلامس سطحها: كالاغتراب والحبّ والعنف المنزليّ والأقدار والموت والحرب والفساد والتكاذب الجماعيّ المؤدلج والإدمان والتفاوض (مع عاملات الصندوق أثناء السطو على البنوك) والوفاء والطبقيّة والنهايات السعيدة. لكنّ الأمر الوحيد الذي سنذكره دوماً عن «تشيري» أن نجاح مخرج ما تجاريّاً من خلال تقديم أفلام شخصيات الكوميكس عند شركة «مارفل»، لا يضمن بالضرورة قدرته على إنتاج عمل سينمائيّ حقيقي بشأن عبث الوجود والحياة والموت، وأن التّفاهة قد تمكّنت كسيّدة حاكمة بأمرها في هوليوود، كما فعلت قبلها في عقل النخبة الحاكمة في واشنطن.

Cherry على «أبل. تي. في. بلس»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا