منذ عام 2004، كان رهان فرقة «مقامات» إقامة مهرجان للرقص المعاصر في بيروت. اليوم، بعدما نضج Bipod، وأكمل عامه العاشر، وتوسّع جمهوره، تغيّرت الطموحات والهواجس. وإذا كانت استمرارية المهرجان لا تزال هاجساً وفق عمر راجح، إلا أن المسعى الأساسي يتمثّل في «تكثيف إنتاج عروض للفنانين، ودعم مشاريعهم»، ما يتيح «خلق هوية وتوجه خاص للمهرجان»، يقول راجح الذي يتخلى عن إدارة المهرجان ابتداءً من العام المقبل كي يتفرّغ لأعماله وعروضه.

عند سؤاله عن البدايات في 2004، لا يعرف كيف بلغ المهرجان عامه العاشر، فـ «الانطلاقة كانت عفوية وفيها الكثير من المخاطرة»، خصوصاً أن المهرجان لم يتوقّف (باستثناء عام 2005) رغم العقبات المادية والأحداث السياسية الأمنية الخطرة التي شهدها البلد.

عام 2004، أي بعد سنتين على تأسيس فرقة «مقامات» للرقص المعاصر، شعر راجح ورفاقه بالحاجة إلى فضاء للرقص في بيروت، فبدأت المغامرة. في العام الأوّل، اقتصر الدعم الذي تلقاه المهرجان على «مسرح مونو»، و«معهد ثرفانتس» و«الصندوق العربي للشباب»، إلى جانب العمل التطوّعي الذي لا زال يملك التأثير الأكبر في إستمرارية الحدث السنوي كما يؤكّد راجح. هذه الغايات الفردية في البداية قادت المدينة كلها إلى مغامرة جعلتها عاصمة عربية للرقص المعاصر. بين السنة الأولى والسنة الثانية، استطاع المهرجان أن يحدث نقلة واسعة، أسهمت في اكتساب ثقة الناس والداعمين بجدية التجربة. الدورة الأولى احتضنت أربعة عروض فقط، فيما شارك 13 عرضاً في الدورة الثانية. لعلّ أبرز المحطات في «بايبود» هي إطلاق شبكة «مساحات» التعاونية عام 2007. شبكة التبادل الثقافي والتواصل والحوار في الرقص المعاصر، جاءت نتيجة لقاء بين فرقة «مقامات»، و«سرية رام الله» (فلسطين)، وبعدها «المركز الوكني للثقافة والفنون» (الأردن)، و«تجمع تنوين للرقص المسرحي» (سوريا). محطة مهمّة أخرى تمثّلت في «الملتقى العربي للرقص المعاصر_ ليمون»، الذي أطلقه المهرجان عام 2009.

تكثيف إنتاج
العروض بما يتيح خلق توجه خاص للمهرجان
الملتقى الذي يقام كل سنتين أقام ثلاث دورات حتى الآن (2009و 2011 و 2013) على هامش «مهرجان بيروت للرقص المعاصر»، واستضاف حوالى 56 عرضاً عربياً حتى الآن، فيما أمّن فسحة للتلاقي والتفاعل بين المشاريع العربية، والأجنبية ومدراء المهرجانات العالمية، ومصممي الرقص. بعد «مساحات» و«ليمون»، شهد Bipod نقلة مهمة على صعيد المهرجانات، ومدّ جسور الشراكة مع «مهرجانات بيت الدين». ما الذي تغيّر خلال العقد الماضي؟ يؤكّد راجح أن البرمجة نضجت وتطوّرت، وازدادت الدقّة في الاختيار. ذلك يعود إلى الخبرة التي اكتسبتها «مقامات» خلال عملها في السنوات الأولى للمهرجان. هكذا، يمكننا ملاحظة التفاوت بين مستوى برمجة الدورات، والعروض، والفرق. عام 2011، بلغ الموعد السنوي ذروته، إذ استضاف 9 عروض أجنبية، و26 عرضاً عربياً ومدراء مهرجانات. النضج أيضاً ظهر في برمجة تلك الدورة، فشاهدنا وجوهاً مثل ألان بلاتيل، وجيل جوبان وأكرم خان وغيرها من الأسماء الكبيرة في عالم الرقص المعاصر. مرّت السنوات العشر بسرعة احتضن خلالها المهرجان 179 عرضاً، وأكثر من ألف راقص وكوريغراف. أما العروض اللبنانية، فقد بلغت 43، إضافة إلى 56 عملاً عربياً، وأنتج المهرجان 42 مشروعاً. لكن الأهم أنّ هذا الحدث الثقافي السنوي ورّط الجمهور أيضاً وجعله فريقاً أساسياً في هذا المشهد، إذ نمّى علاقة الأخير مع الرقص المعاصر. هكذا، استقطب أكثر من 34 ألف مشاهد حتى دورة 2013. كسب «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» رهانات عدّة، منها جعل بيروت عاصمة عربية للرقص المعاصر، ورقماً عالمياً أيضاً. لكن هذه الصفة لا تزال موسمية تقتصر على فترة المهرجان تقريباً، فيما تكاد تختفي العروض عن المدينة طوال السنة، فهل تتوج السنوات المقبلة بيروت مختبراً وعاصمة عربية دائمة للرقص المعاصر؟