لا شك في أنّ معامل الحرير التي انتشرت في جبل لبنان في القرن التاسع عشر كانت مؤشّراً إلى ارتباط الإنتاج المحلّي بالرأسمال الأوروبي، وتحوّل النشاط الاقتصادي إلى التصدير بشكل رئيسي عبر مرفأ بيروت، ما أدّى إلى بروز طبقة جديدة من التجّار والوسطاء الذين سيلعبون دوراً مهمّاً في تاريخ لبنان الحديث.



ومن أهم هذه المؤسّسات المعمل الفرنسي الذي تأسّس على يد الأخوان بورطاليس والذي كان أول من أدخل طريقة حلّ شرانق الحرير صناعياً في جبل لبنان عبر تبنّي الوسائل الفنيّة الحديثة. وقد نقل السادة بورطاليس مصالحهم التجارية من الاسكندرية في مصر إلى لبنان سنة 1838 واشتروا قطعة أرض في بتاتر (قضاء عاليه اليوم) من الشيخ يوسف عبد الملك المقاطعجي الدرزي التابعة له هذه المنطقة. وقد دخل المعمل في شراكة مع مؤسّسات تجارية في مدينة ليون، ما أمّن له تمويلاً من المصارف الفرنسية وسمح له بزيادة إنتاجه وتحقيق أرباح كبيرة.
ولعب انطوان فورتونيه بورطاليس الذي مثّل مصالح العائلة، دوراً سياسياً في الأحداث التي شهدها جبل لبنان لا سيما عقب الحرب الأهلية التي اندلعت سنة 1860 بين الموارنة والدروز. إذ زعم أنه حصل من قائد الجيش الفرنسي الذي أرسله الإمبراطور نابليون الثالث إلى سوريا من أجل حماية المسيحيين الكاثوليك على توكيل كي يستعيد ممتلكات المسيحيين التي تم سلبها خلال القتال. وقد أحاط بورطاليس نفسه بمجموعة من الجنود الفرنسيين وتوجّه إلى قرية بحمدون، حيث أساء معاملة سكانها وقدم إلى منزل رجل دين من الروم الأرثوذكس، مطالباً إياه بإعادة حاجيات سلبها الدروز من المسيحيين وتركوها لديه قائلاً له: «يا خنزير أتجرؤ على إخفاء أموال الدروز، ووخزه برأس عصاه في بطنه» كما جاء في مجموعة المحرّرات السياسية التي نشرها فيليب وفريد الخازن سنة 1911 (الجزء الثالث، ص. 156). ويضيف المرجع نفسه أن بورطاليس ألقى القبض على أربعة أشخاص من أقارب الكاهن المذكور وسجنهم في معمله، كما طالب كلّ مكّلف من أهالي بحمدون أن يأتيه «بستة أرطال زبيب وكمية من القمح والشعير في مدة ستة أيام بحجة أن أهالي بحمدون خبأوا في بيوتهم أسلاب الدروز وأنذرهم بزحفه مع الجنود الفرنسوية على القرية ونهبها إذا لم يفعلوا وفقاً لإشارته» (ص. 152).
لعب دوراً سياسياً في الأحداث التي شهدها جبل لبنان لا سيما عقب الحرب الأهلية سنة 1860


ومن الوثائق النادرة جداً التي تعكس ازدهار معامل الحرير في لبنان الكمبيالة الصادرة عن معمل بورطاليس في 11 أيار (مايو) 1876 والتي تطلب من البنك السلطاني العثماني في بيروت تسديد بعد ثلاثة أشهر مبلغ عشرة آلاف فرنك إلى أحد عملائه في مدينة ليون الفرنسية. ويظهر على الوثيقة اسم صاحب المعمل أ. ف. بورطاليس ومكانه في قرية بتاتر، كما طُبع في الخلفية اسم المعمل Filature du Mont-Liban أي «معمل حرير جبل لبنان». والوثيقة تحمل توقيع أنطوان فورتونيه بورطاليس، وكذلك ختم البنك السلطاني العثماني في بيروت.

* أستاذ جامعي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا