لندن | إدوارد سعيد حاضرٌ بيننا (1935ـــ 2003). المُفكر والمُنظّر وأُستاذ الأدب المُقارن هو أحد أبرز أعلام الفكر في القرن العشرين. كتابه «الاستشراق» (1978) الذي مثّل انعطافة في معالجة التاريخ والفن والسياسة وعلم الاجتماع، أسس لنظرية ما بعد الاستعمار التي خرج من معطفها مفكرون مؤثرون في عالم اليوم: من هومي بابا، إلى غاياتاري سبيفاك، ومن تيموثي ميتشل إلى ناووكي ساكاي.


في «الاستشراق»، كشف سعيد الجغرافيا المتخيّلة والخطاب الاستلابي والصور النمطية التي أنتجها مستشرقون فرنسيون وبريطانيون عن «الشرق»، وسطوتها في السياسة الكولونيالية والأدب والمسرح في «الغرب». وفي «الثقافة والإمبريالية» (1993)، أضاء سعيد على رواية «الشرق» النقيضة لصور وتمثيلات «الخمول» و«البدائية» و«التوحش» التي بدأ الغرب بتكريسها منذ نهاية القرن الثامن عشر.
سنقرأ «تاريخ الجبرتي» نقيضاً لتأريخ حملة نابليون في «وصف مصر»، و«الأشياء تتداعى» (تشينوا أشيبي) بديلاً من «قلب الظلام» (جوزيف كونراد). وبين «الاستشراق» و«الثقافة والإمبريالية»، ستكون المعرفة الراديكالية المبثوثة في جملته الإنكليزية الأنيقة، ما سيُميّز صوته بين المفكرين خارج الأصوات الأكاديمية الرتيبة. إلى جانب المعرفة، لن ينفك سعيد عن سكب قلقه الإنساني ولوعة منفاه، في كتب ومقالات وسجالات ومشاريع، تبرقُ فلسطين والفلسطينيون بين ثناياها. الصورة والتمثيل كانا الوتر الذي شدَّ جزءاً أساسياً من كتاباته. في «تغطية الإسلام» (1981) درس الصور الاختزالية التي تنتجها (وما زالت) الميديا الغربية عن «المسلم» في سياق مصالحها السياسية والاقتصادية؛ ونقع في سيرته الذاتية «خارج المكان» (1999) على صورة حيّة للفلسطيني في بيئته الطبيعية بين فلسطين ولبنان ومصر، قبل تشويهها وتخريبها بالكيان الصهيوني. المثقف العضوي الذي فحص تقلبات المثقفين وفق أهواء السلطة والمال في برنامج «محاضرات ريث» (1993) الإذاعي الشهير، ما انفكّ يحتضن صور الفلسطينيين الممزقة بين اللجوء والمنفى والوطن المحتل.
في «بعد السماء الأخيرة: حياة الفلسطينيين» (1986)، سنشاهد هذه الصور التي تنبض بتفاصيل حياة الفلسطينيين. هذا الكتاب هو خلاصة معرضٍ للمصوّر السويسري الشهير جان مور (1925)، أُقيم بالاشتراك مع إدوارد سعيد في مكتب الأُمم المتحدة في جنيف عام 1983. «إنّه كتاب المنفى» كما يُقدّمه سعيد لنا. بدأ باحتلال فلسطين عام 1948، وما زالت صفحاته مفتوحة حتى اللحظة الراهنة. كذلك يُقدّم لنا جان مور على أنه المصوّر الذي «رآنا (نحن الفلسطينيين) كما سنرى أنفسنا. دفعة واحدة، من داخل عالمنا وخارجه». «الأخبار» التقت أخيراً جان مور (1925) بين زحمة أسفاره ومشاريعه في مقهى جامعة «غولدسميث» في لندن. وجدناه ابن تسعة وثمانين سنة، صقل جسده في هواية تسلّق الجبال في شبابه. توقف عن قيادة السيارة منذ شهرين لضعف بصره، لكنه لم يتوقف عن حمل الكاميرا والتصوير. حدّثنا عن تجربته مع إدوارد سعيد و«بعد السماء الأخيرة»، وقد حدّثنا عن تجربته الفريدة في التصوير طوال السنوات الستين الماضية التي بدأها بكاميرا 35 ملم، من نوع «براكتيكا» (Praktica) التي كانت تُصنّع في ألمانيا الشرقية.
«كان أُسبوعاً أشبه بالحلم» يقول جان مور «ذلك الذي أمضيته في شقة إدوارد سعيد في نيويورك، للعمل على تصاميم الصور، واختيار ما يُلائم الكتاب. تجربة قصيرة لكنها ملوّنة وحيّة». ويضيف أنه «خلال العمل والنقاش، كان سعيد ينتقي صوراً تحمل أبعاداً مفهومية، لأنها ستمده بأفكار للكتاب. لكنني كنت أميلُ أكثر إلى الصور الفنيّة أو تلك التجريدية. كنّا نختلف هُنا. سعيد كان يقول لي إنّها تصلح لمعرض ولكن ليس لكتاب». وعمّا كتبه سعيد في «بعد السماء الأخيرة»، يُحدّثنا مور بأنه: «لست تجد كل يوم مثقفاً حاداً مثل سعيد لاختيار صورك، ومنحها حياة جديدة». في «بعد السماء الأخيرة»، الكتاب الذي اقتُبس عنوانه من مقطع شعري لمحمود درويش، سيكتب سعيد عن صورة الفلسطيني الغنيّة والمشحونة بالمقاومة والحياة. الصورة النقيضة تماماً لصورة اللاجئ «الغلبان» أو ذلك «الإرهابي»، التي روّجت لها (وما زالت) الميديا الغربية، وحتى العربية.

نقض سعيد صورة اللاجئ
«الغلبان» أو ذلك «الإرهابي» التي روّجت لها الميديا الغربية وحتى العربية

جان مور الذي عمل مع الروائي والشاعر البريطاني جون برجر على كتب عدة أبرزها «رجل سابع» (1975)، انتدبه سعيد لالتقاط صور للفلسطينيين بين القدس والناصرة وغزة والأُردن ولبنان، لعرضها في بهو قاعة المؤتمر الدولي بشأن مسألة فلسطين عام 1983. لكن الدول المشاركة في المؤتمر، ومنها عربية كما يذكر سعيد، رفضت وضع تعليقات تحت الصور، وأصرت على تعليقها صامتة. وهذا ما أخذ مور وسعيد إلى تجربة العمل على «بعد السماء الأخيرة»، لاستنطاق صور الفلسطينيين التي لاحقتها كمّامات الصهاينة والأنظمة الرجعية إلى جنيف. الشغف والحميمية الآسرة في الصور التي hلتقطها جان مور، لعلّها تنبع من المصوّر ذاته الذي يرى أن «إنقاذ طفل من الغرق أهم من التقاط صورة». لا يتلصص مور على مَن يصوّرهم، بل هو يصوّر أفراد عائلته. هو أيضاً مثلهم داخل الصورة. زيارته الأوّلى إلى فلسطين المحتلة ضمن بعثة للصليب الأحمر بين 1949 و1950، تركت في نفسه أثراً. يقول: «هناك إما أن تصير جزءاً من العائلة (الفلسطينية)، أو أن تسأم من الوضع وتدير ظهرك لما يحدث. أنا صرت جزءاً من العائلة». وهذا ما دفع أصدقاءه إلى تلقيبه «جان مور الفلسطيني».
ما زالت تجربة «بعد السماء الأخيرة» متوهجة في ذهن جان مور. يستحضر صديقه سعيد وهو يعزف على البيانو. المصوّر الذي ما زال يحلم بـ «صورة تقول كل شيء من دون حاجة إلى الكلمة»، ولد في جنيف لعائلة ألمانية، غادرت ألمانيا بعد صعود النازيين إلى الحكم. لا يفخر جان مور بألمانيّته. رفض اسمه الأوّل «هانس أدولف»،ورفض النطق الألماني لاسمه «جون» مُفضلاً النطق الفرنسي. ما زال يشعر بعقدة الذنب تجاه اليهود، كما يعترف. في المدرسة في جنيف كانوا يلقبونه بـ«النازي»، رغم أن يد عائلته غير ملطخة بدماء الحرب العالمية الثانية. لكن عقدة الذنب هذه لم تمنعه من اختيار عائلته الفلسطينية. درس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية في جامعة جنيف. وبعد تجربة عمل قصيرة في الدعاية والإعلان، درس الرسم في باريس. «رسوماتي كانت ذكية لكنها شنيعة، كما أخبرني صديق»، اعترافٌ سيقوده إلى احتراف التصوير وهو في الثلاثين من عمره. وسيستمر في التصوير. «حتى في مماتي، قد أنهض لالتقاط صور للمعزّين، في لحظة وداعهم الأخيرة لي» يقول مبتسماً.

Avec les victimes de guerre, photographies de de Jean Mohr / War from the VIctims' Perspective, Photographs by Jean Mohr from Elysee Lab on Vimeo.