الماء يأتي راكباً تيناً وصفصافاً
يقيم دقيقتين على سفوح العين
ثم يعود في سرفيس بيروتَ – الخيامْ
- سلِّم على... سلِّم على...
يا أيها الماء التحيةُ
أيها الماء الهديةُ
أيها الماء السلامْ
- سلِّم على... سلِّم على...


وعلى الذي في القبر
واسقِ القبر
واطلع وردةً بيضاءَ فوق القبر
واجعلْ أيها الماء النهار مساحةً مزروعةً جَزَراً،
وطيٌر راكضٌ تحت الشتاء
وانني في الصيف... من عشرين عامْ
أفعى على برّ الخيام،
وضفدعٌ في الماء
والدَّرداره
عينٌ رأت حُلُماً وفسَّرَه المزارعُ لوبياء
وهي الفضاءُ وقد تجمّعَ في إناء الساحره
وهي القرى اضطربتْ على قمم التلال
هي القرى انقلبتْ
وظلَّت عامره
في صفحة الماء التي اتسعت لتشملَ صفحة الأيام
تمخر في محيط الذاكره
وهي المواسمُ والفتاةُ العابره
عند الصباحِ
وفي يديها سهل مرجعيون
وهي الطائره
ضربت على كتف الفتاة… فأسقطتْها..
وتدحرج الزيتون
طائرة تحطُّ على الغصون
وتلدغ العصفور
جنديان يمتطيان جِيباً هائجاً
وفراشةٌ صفراء في حقل البصلْ
أَحَدُ الدُّخان على الجبلْ
والبيت أطفأ نفسه ورحلْ
■ ■ ■
والمرجُ ممدودٌ أمام البيتْ
كحديقة في قبْر
ويشقه خطٌّ من الإسفلتْ
ودخان جيش مَرّْ.
■ ■ ■
حورٌ بعيدٌ
قبل ذلكَ
يظهرُ العصفورُ يعلو
والمساءُ يقودُ شخصَ الشمسِ نحو الغرب
تصفرُّ الصخور ويُعتم الزيتونُ
فلاحان يقتعدانِ جذعاً مستديراً
ينهضانِ
وينتهي يومُ البطاطا…
ويجيء يومُ النوم …
ناما هادئين
واستيقظا في شاحنات النازحين
وجاء يوم الخوف
صيفٌ
ناشفٌ
يغشى الخيام
تغادر الأشباحُ عتمتَها وتحتلُّ الصباح العامَ
نسمع صمتَ أحجار تموت
وضجّة الحشراتِ تبحثُ عن مفاتيح البيوت
وفي الحديقةِ، حيث لا أحدٌ يثرثرُ،
تسقط الأوراقُ يابسةً
كما في جنّة الشعراء
نافذتان لا تتحادثانِ
وعُصْبَةٌ خرجوا من المقهى
وما عادوا
تظنّون الكلابَ تعيشُ في هذا المناخ الأصفر الضاري؟
لذلك لا يصحُّ القولُ: إنّ الكلب ينبحُ
لا يصحُ كذلك التحديق في الأشياء
بحثاً عن حياةٍ ما
ألا إنّ الظلامَ – مئات آلاف الظلام
تدور من بيتٍ إلى بيتٍ
ومن موتٍ إلى موتٍ
ألا إنّ الركامَ – مئات آلاف الركام
تَطُنُّ في صمت الخيامْ!
■ ■ ■
عشرون ألفاً ينهرون الطائرات تقدَّموا
وتقهقروا غرباً
إزاء تَحصُّنِ الأشياء في الأسماء: حارسةِ الحقيقة
دبابةٌ في الجوّ
لكنْ،
جدّتي في الجوّ
لكنْ
طابتي في الجوّ
هذا الشيءُ لي
وأنا الذي سمّيتُهُ العالي
وسميت الطفولة تحته
مستقبلي...
عشرون ألفاً ينهرون الطائرات تقدّموا
وترجّل الجنديُّ
ثم مشى إلى ليل الحديقة
تستوقفُ الجنديَّ ضفدعة الحقيقة
وتنقُّ قائلة لهُ: طلع الصباح...
■ ■ ■
طلع الصباح على طريق المدرسه
طلع الصباح على الدجاجةِ والكتابْ
طلع الصباحُ على القمرْ
وعلى غصون اللوز
وانتشر البقرْ
في باحة الاثنين
ثورٌ أسودٌ نطح الكرى
فاستيقظ التلميذ
ثورٌ أبيضٌ نطح الثرى
فاستيقظ الفلاح
لكنْ
لم يجدْ أحدٌ يديه
ولم يجد أحدٌ مكان ثيابه
ومكان روحهْ
■ ■ ■
الأربعون تساقطوا مثل الثياب الفارغه
الأربعون تساقطوا مثل الظلال
ولم يسلْ دمهم وسالْ
داءُ المفاصلِ
والسّعال
حملوا إليّ الأربعين وكان أصغرهُم على باب المئه
حملوا البقايا المطفأة
حملوا كأكياسٍ معبّأةٍ سنين
حملوا إليّ الأربعين
وكان أكبرهم غلامْ
يحبو على صدر الخيام
وكانت الشمس الضحى
والمرج ممتلئاً ظلام
■ ■ ■
الماء يأتي صافياً
ويعود مسموماً بأشواقي إلى
بيتي خلا
مني فلا...
يا أيها الماءُ الذي وثبَ الزمانَ وبلَّلا
روحاً مصوِّحةً
وجسماً ذابلا
سلِّم على...
سلِّم على...
وعلى الذين
سقطوا وكانوا أربعين
وكان أضعفهُم أشدَّ على الخيام
من كل ما حملت من الأيام...
■ ■ ■
الماء يأتي في وعاء الأربعاء
تناثرتْ شُقَفاً
وطار دمي
وحَطّ على غصون الرمل في وعر المدينه
الماء يأتي
الماء يقرع باب بيتي
- أهلاً وسهلاً قال كلب الماء
قال الماء:
جئت بتِينة وهواء ماء
- أهلاً وسهلاً قال كلبُ الماء
وانشقّ الفضاء عن الغدير وكان صيفياً
وممتلئاً سماء.
وعلى المياه النائمه
تحت المساءْ
يطفو حذاء الأربعاء
وفي هواء الحور تينٌ ما!
وجسمي قبّره
في قبضة الصيف الذي طاف الجهات
وحطَّ
في حقل الذُّره.
■ ■ ■
- من أنتَ؟
كيف نجوتَ من هِرَرِ الشتاءِ
ومن أفاعي الصيف؟!
هذي سيرتي:
في خَيْمَةٍ قامت علي كتف الغدير ولدتُ
عشتُ طفولةً مملؤةً سمكاً وريشاً
كنت أصغرَ من أخي الأكبْر
ومن «الكنايةِ»
كنت أكبرَ من أخي الأصغرْ
ومن الفراشةِ
دائماً كانت تغيب الشمسُ والبجعاتُ ترحلُ
دائماً كان الطريق يمر عبر التين، من جهة الحمارِ
وينتهي في بيتنا...
متقدماً على التين
في القشّ القديم… أتى أبي
ورمى عرانيس أمام البيت
صلّى ركعتين سريعتينِ
وغاب في أحد الكُتُبْ
وأخي الكبير أحَبَّ
فامتلأت حديقةُ بيتنا كرزاً
وأجراساً
وأمي أطلقتني في براري الصيف...
لكن خالتي:
يا خالتي وأنا ابن أختِكْ
لا تمنعيني من صعود الحور والحيطانْ
يا خالتي... وأنا ابن أختِكْ
إن تمنعيني من صعودِ الحورِ والحيطانْ
أمشِ مع الزُعرانْ!
قاقتْ دجاجتها
وباضت بيضتين
فباعت الأولى
وأعطتني الكبيرةَ
بعد ذلك
أرسلوني
للمدارس...
مطرٌ عنيفٌ يضرب الدنيا
وإني قابعٌ في الوحلِ والأوراقِ قرب النارِ
والأشجار تصعد من حديقتنا
وتغرق في السماء الغائمه
تأتي الغزالةُ من كتاب أبي
لتشرب من كتابي الماءَ
مخلوطاً
بأجسام
الصبايا العاريات
وبالملوك الظالمه.
بنتُ الأميرِ النادمه
خرجتْ من الفصل الأخيرِ
وأعجبتني
بنت الأميرِ تزوّجتني
في آخر الصفحاتِ
جاء الجندُ
وانطبق الكتابُ
على الحكايه...
لا بُدَّ لي من ذكر هذا الشيء:
أمي ساعدتني في كتابة هذه الكلمات،
ساعدني كذلك تابعي المعروف باسم: حَسَن خليلْ
وأبو علي
والمرأةُ السوداء
والولد اليتيم
وذلك الشخص الذي غمز الهواء بسيفهِ
فأماتني ضحِكاً
وتينٌ طافحٌ عسلاً
وصفصاف يسيل
وساعدتني صرخة في الليل
والولدان طارا في انفجار واحدٍ
وفتاةُ عصر السبت
كافح هؤلاء جميعهم ليجيء هذا الشعر مبتكراً
ولن ننسى أخيراً سيداً يدعونه:
مهدي
(سيعظم شأنه المائيّ فيما بعد...)
فيما بعد، سوف يكون مهدي
أحد الثلاثه.
واثنان منهم يخسران دماً
وأفكاراً
ودبابات...
■ ■ ■
قَعَدَ الثلاثةُ يشربون الشاي عند أبي علي
ويراقبونَ الماءَ، يكثر أو يقلّ
ويحلمون برأس بطيخٍ بحجمِ «التلّ»...
مهدي واحد منهمْ، وقالْ:
إنَّي أرى رؤيا
ستنهدم الجبالُ
وتصعد الأوحالُ
قالَ:
وسهل مرجعيون سوف يصير صعباً!
عندما...
وأشار نحو الشاحنات الحاملات حصى
وباطوناً
وجُنْداً ينشدونَ
تطير قبعةٌ من السيّارتينِ
تطير أغنيةٌ من السيّارتينِ
رأيتُ
رأيتُ
كان العسكري هو ابن خالي!!
ورأيتُ: مات وموَّتَ المرأه
شخص أتى قبل انتهاء الحربْ
بفراشة صفراءَ في يدِهِ
ورصاصةٍ في القلبْ
وأنام...
أصحو بعد أعوامٍ على امرأة تغني في صباح التين
سوداء الجناحِ
وخلفها ولدٌ
يتيمٌ
حاملٌ
سلّاً
ويمشي واسع الأذنين خلف غناء جدّتِهِ
وكان الصوت يعلو في فضاء التين قائلةً له:
«يا ضوءَ عيني
يا بُنَيّ...»
وشخصُهُ ينأى ويضؤلُ...
ما ألذَّ التين
إنّ التين أصدقُ حين يحلو من لعاب النحل
لكنْ
ما أمرّ التين أحياناً...
تكون المرأةُ السوداء ناسيةً
ويأتي الصبحُ
والولدُ اليتيمُ يكون موجوداً
وينطلقان نحو التين
قالت عمّتي: كان ابنها قمراً
وقالت: ماتَ في الحرب الأخيرة
تاركاً
ولداً
يتيماً
حاملاً
سَلَّا
ويمشي واسع الأذنين خلف غناء جدتِهِ
وأبلهُ...
لا يرى شيئاً
ولا يصغي إلى شيءٍ
ويمشي واسعَ الأذنين خلف الصوتِ
خلف القبرِ
بين التين والأيام
قالت عمتي وبَكَتْ...
تنقّ الضفدعه
خَرَجَ الثلاثةُ من كؤوسِ الشاي
مهدي واحدٌ منهمْ... وقال:
إني أرى رؤيا:
ستنتقلُ الضفادعُ من أماكنها وتصدح في
خيالْ
شعراء هذا المرج...
يا مرجُ انطفا الصيفُ
وشعشعَ – حيث كان التينُ – في أحداقنا الخوفُ
وهذا الماءُ ضيفٌ حلَّ وارتحلا
ومهدي لم يصل... وصلا
ولم يلقَ سوى شجرٍ يئنُّ
وعاشقٍ نَحُلا.
■ ■ ■
في ذاتِ يومٍ كانت الدنيا نهاراً صافياً
وقتلتُ عصفوراً
أكلتُ حديقةً
وشربتُ غيمه
في ذات يوم كانت الدنيا قديمه
وأنا جديدٌ
بيتنا عيدٌ
وتعمل في فضاء البيت أرجوحه
وتعمل في فضاء المرج شمسُ المرجِ
والشُّوحه
غطَّت لتصطاد الدجاج
فصادها صوت المغني:
«شوحه يا شوحه
بالسما مذبوحه
دمّك عالحجاره
ولحمك بالشكاره
غسّل وجّك يا قمر
بالصابونه وبالحجر
حوّلوا ... يا... خياله..»
وفتحتُمُ بابَ الشمال
وواحدٌ منكم
رماني خارجاً
ونسيتموني...
وجرى
وضاع الماء
في أرضٍ... هواء...
■ ■ ■
نشتاق أحيانا
فنحني روحنا
وجروحنا
ونقولُ كان الماءُ أجملَ صفحةٍ بكتاب هذا العمر...
نادينا الغدير
وما تفرّعَ عنه
من تين وصفصافٍ.
ونفشل في الإقامةِ خارج الأفعى ووحل الحقل
شخصٌ عاقلٌ فينا رأى رأياً جريئاً قال:
نكبُرُ باتجاه السّكَّر الأولْ
ونحبُّ شخصَ الذكرياتِ:
الماءَ في مجراه في الوادي
وفي الإبريق في المنزلْ
هذا،
وكان الماء يبدأ في الغدير
وينتهي في رأس بطيخٍ كبيرْ
هذا،
وكان الماءُ يبدأ في الغديرِ وينتهي في
كأس جنديّ ضريرْ
هذا،
وكان الماء يعمل نادلاً في السهل
ندعوهُ
فيأتي راكضاً… متمهلا
يا أيها الذي وثب الزمان وبلّلا
روحاً مصوّحةً، وجسماً ذابلا
سلِّم على...
سلِّم على…
وعلى أقاربنا من الأسماك …
واجعلْ أيها الماء الفتاةَ تمرُّ حاملةً غصون الحور
(بنتٌ ما)
وصادفَ أنها لميا...
وتهرب نسمة منها فترميني
وتأنف أن تراني
دائخاً كالطير بالبارود
(والصياد يركضُ)
أيها الماء المدّورُ
أيها الماء المسّورُ بالحشائش والأغاني
أيها الجريان في جسدي وفي الأرض البعيدةِ
أيها المهدور في عرض القصيدةِ
والمهرولُ في أخاديد الزمانِ
سلّم على الأعشاب حول الماء
والأجسام نائمةً على الأعشاب حول الماء
جسم حسنْ خليل وغيرِهِ…
■ ■ ■
كنا ننامُ على بساط الماء في تلك الظهيرة مِن...
نسيتُ
وأذكر الدردارة الصفراءَ ترفعني
فأسبحُ صاعداً
نحو السماءْ
وعلى جبيني الشمسُ، بينا ضفدعٌ هرمٌ يراقبني
بعينيه الكبيره
ويقولُ: «أنتَ فعلتَ»
يعني أنني أحرقتُ أسماك الغدير
ويستعدُّ لكي يعضَّ أخي الصغير
كأنه ربُّ البحيره!
وأنا وابنُ الضفدعه
عشنا معاً في الماء بين التين
وأنا وابنُ الضفدعه
واثنان من (دِبيّن)
والياس..
والأجراسْ
سالت على آحاد مرجعيون..
كنا ننام على بساط الماء في تلك الظهيرة مِنْ..
نسيتُ
وأذكرُ الراعي
أتى الراعي على رأس القطيع وحيث كان الماء
صار الصوفُ
غطَّى الصوفُ ظَهْرَ الأربعاء فأصبحَت غنمهْ
وثغتْ ودارت حولنا
فجذبتُها من رجلها
وغطستُ تحت الماء
حيث أكلتُها
وشربتُها!
كنا ننام..
واذكر الأسماك تشردُ في براري الماء
والصياد ينتع خيطه فإذا به: لا شيء
حين تلألأ اللاشيءُ في صنّارةِ الصيّادِ
ماتَ اثنانِ منّا دهشةً!
وأنا سرقت يمامةً مائيةً من سلّة الصيادِ
كان أبو علي تحت الكنايةِ ماشياً
أو قاعداً
يتأمل الأيام والتينَ القريبَ
وقامةَ الناطورِ تغرق في صباح الحَوْر
والفتيات يكسرن الجرارَ
لأنهن عشقنَ من يكرهْنَ
نحلٌ في السماءِ
ونازلونَ من الخيامِ ليسكروا
قفزوا القناةَ وأوقدوا ناراً على سطح الغديرِ
شووا غزالاً يشبه امرأةً
وصادف آنذاك مرور لميا
(جسمُها حرٌّ على الأفُقِ الطليقِ
وقلبُها في الأسر)
في تلك الظهيرة مِنْ...
نسيتُ
أتى المهندسُ
قال للفلاح
يا فلاح
ماذا لو حذفنا هذه الأولاد
ولنجعل جميع الماء للكوسى!
وكنا آنذاك نعيش بين «البُوط»
نسبحُ
أو نجفُّ على ذراع الشمسِ
وانطلق المهندس يسكب الباطون فوق السلطعون
ففرّ كلبُ الماء والأفعى استقرت في الإناء!
وهندسَ الأشجار
أطعمها دواءً
فاستطاع التين أن يَصْفَرَّ قبلَ أوانه بدقيقتين
وهندس الفتياتِ
نظَّفَهُنَّ من وحل الفضائحِ
ثم عَبّأهُنَّ
في غُرَفٍ وطيّنهنَّ ضدّ العشقِ
ثم أتى إلى ذاك المساء
وشقّ فيه بوقَ سيّاره
مرَقَتْ... ولم تنزلْ إلى الدرداره!
متخفّياً بالليل يُنْهي التينُ قصّتهُ ويرحلُ
والعصافيرُ النشيطة تنتهي في أن تَملّ
ويستمر السهلُ مبطوحاً أمام التلّ
لكنْ بعدَ أن تحتلّ
أمكنةً الطيورِ رؤى المهندسِ
وهو يضغطُ رأسه قلقاً ويسأل:
- كيف يمكن أن نعلّبَ ذلك المشهد؟!
كنا... نسيتُ...
وأذكرُ العصفورّ ينقرُ في صفار الصيف
أذكُرُ من شموسِ الصيف شمسَ الماء
تعلو ثم تسقُطُ في يد الفلاح باذنجانةً سوداء
أذكُرُ من حديدِ الصيف
فخّ حسنْ خليلْ
وبأسه المائيَّ
يركضُ أو يعومُ
ترون ضفدعةً على ماء المساء؟
وريشةً سوداء في قَعْرِ السماء؟
أنا هناك
أنا هناك
على الهواءِ
وفي صفاء الماءِ
في العصفور!
كيف تكون في العصفور؟
لا أدري
وفي عُنُقِ الفتاةِ
وفي هديرِ الحور
وفي وحلِ الغدير
وفي...
وفي..
في الشمس تشويني لتأكلني مياه النبع مع بصل الحقولِ
كلوا جميعاً من شواءِ الروح
أنتِ يا منازلُ
يا جداولُ
يا جنائنُ
يا قفارُ
كُلْ أنْتَ أيضاً أيها الجبلُ الحمارُ
وتذكّروني...
■ ■ ■
سادَ الرمادُ
وأقفلَ الشرقُ الشروقَ
وأقفلَ الغربُ الغروبَ
وأقفر الوادي
وظَلَّ حَسَنْ خليلْ
يعدو ويتبعُهُ هواءُ الماء
من حقلٍ إلى حقلٍ
يخوض في الهشير وفي الحصى الشمسي
تَحْت الشمسِ
تحت الشمسِ
تنخفض التلالُ
ويصعدُ السهلُ الفسيحُ
- صِفْهُ
- هو السهلُ الفسيحُ
تحدُّهُ شرقاً وغرباً طلقةُ الصياد خابتْ
واليمام يفر من برّية الزيتون مذعوراً إلى حور الشمالِ
وكومتان من التلالِ
وبوقُ نائحةٍ تنوحُ
والشمس تغدو أو تروحُ
وتُبدعُ الرمانَ والفئران
لكنْ،
كيف يمكن أن أصوّر ذلك السهل العسير؟!
وقد نسيت وفرَّ من كفِّي أبو الحِنّ الأسير
وجفّت الأشجارُ، وانطفأت فتاة الحور
وانخفض الغدير
أمام هذا الشيء: لا أدري!
وأدري أنه خطأ الإلهِ وعبدِهِ..
عبد النبي الناطور..
وصفاتُهُ
لا تنتهي
وهي:
العصافيرُ العدوَّةُ أولاً
وحَسَنْ خليلْ
ألفاً
ويعدو هابطاً درجَ الجلول
■ ■ ■
نراكَ لكن لا نراهُ
نرى يديكَ ولا نرى قدميهِ
أو عينيهِ
في صوَر الحقولْ!
هُوَ صاحبي
وتركتُه خلفي يعالجُ نعل صندلهِ
انعطفتُ وغبتُ في برّيةِ الزيتون... زيتونٌ طويلْ
وأتى المساءُ
فهامتْ الطرقاتُ
وانطفأ الدليلُ
أراكَ يا هذا...
أراكَ ... أراكَ يا هذا...
تُراك ترى
عظامي بين أطلال الفصولْ؟!
تتلاقيان يقول مهدي
وهو ينتفُ ريشَ عصفورٍ هزيلْ
تتلاقيانِ يقول...
سلّم على... سلّم على
■ ■ ■
غلَبَتْ شخوصُ الوعرِ
شخصُ العسكريِّ
وشخصُ خنزير الهواء
وفرّ شخصُ الماء والشخصُ الذي مَعَهُ
جفافٌ شاملٌ...
ريشٌ على شوكٍ
وتينٌ لم يعُدْ يعطي سوى الحَوّارِ
أين صياحُكُمْ في القمح؟
أسمعكم تعومون الحقولَ وتبلغون بحيرة في الروح
لكنْ لا أحد...
في قبضتي منكم
وفي الحور الرياحُ وصفرةُ الزيتون
نحنُ: أنا وأنتم – يابسانٍ من الحنين
وبيننا طيٌر... وقلتُ له:
أعِرني ريشَكَ المسْرعْ
قولوا لها: إني ارتديتُ قميصيَ الأصفرْ
وخرجتُ عَصْرَ السبتْ
قولوا لها... قولوا لها... ما مرّ
في صيفِهِ إلّا شعاعُ الموتْ
■ ■ ■
في نسمةٍ في آخرِ الصيفِ
في نسمةٍ زرقاء كالطيفِ
أودعْتُ قلبي فهو مِنْ
وإلى
تلك التي سقطتْ على صيفي
بعذوبةِ السيفِ.
■ ■ ■
آلافُ آلافِ الضفادعِ
في ضواحي البيتِ
في إحدى ليالي الصيفِ
فيما بعد
والشخصُ القديمُ يطلُ من نسيانه ويقول للشخص القمرْ
- ضوَّ لأحصيَ ما خسرتُ وما ربحتُ...
- خسرتَ أشياءَ الحياةِ جميعها وربحتَ شيء
الموت...
قالت نسمةُ القَمَرِ الحكيمه!
■ ■ ■
آلافُ آلافِ الضفادعْ
والشخص لا يصغي... يصارعْ
ضَبْعَ الأرقْ!
■ ■ ■
إحدى الضفادع ساعدتني
إحدى الضفادع أيقظتني
ذكّرتني
أنني شخص له ماضٍ ويمكنُهُ – إذا شاء –
الغناءَ إلى الوراء!
ونهضتُ – أنهضُ دائماً – ومضيتُ من ماضٍ
مضى
يمضي
يعودُ
إلى أماكنك القصّيةِ أيها الماضي الودودُ
ماضٍ ودودُ
ماضٍ عديدُ
ماضٍ مضى يمضي يعودُ
وتلمع الدرداره
تحت الركامِ، ويلمعُ الوردُ الحصيدُ
وهؤلاءِ هُمُ الجنودُ يهاجمون الماءَ
(يبدو ذلك الشخصُ الذي غمزَ الهواء بسيفه فأماتني
ضَحِكاً)
تأتي الطائراتُ وتقصفُ الصفصاف
لم نخسرْ سوى صِفر الهواء
يعيشُ يعيشُ ديك الماء
عاش الديك..
عاش الديك..
عاش الأصفرُ العصفورُ بين الثور والمجرى
وصفراءُ النساء
وصُفْرةُ الديفور
والشهواتُ تهدرُ
والفتاةُ تمرُّ من رَجُلٍ إلى رجلٍ
ويضربها أخوها،
لا تتوبُ،
وقد رأيناها تنام على الحشيشِ
وفوقها عبد النبي الناطور!
تأتي الطائرات... وأرحلُ
الطائراتُ
وبيننا مستقبلٌ يمضي وماضٍ يقبلُ
الطائراتُ
ويثبتُ الولدُ اليتيمُ
وطابتي في الجو
والرمّان في صُررِ الغيومْ
وحرارة الفلّاحِ في بندورةِ الحقلِ
الذي ما زال يرتجلُ الكرات الزُّرقَ
تثبتُ نحلةٌ صفراءُ في جوّ الكرومْ
وتثبتينَ كراية التنين
أنتِ الطائرات الجاثمات على أعالي التين
تنتظرينَ
صيادينَ
لا يأتونَ
إنّي مائلٌ شرقاً
وقد أخَذَ الجنوبُ يصير مقبرة بعيده
وَقَطَفْنَ سرواً
وانتظرنَ على المفارقِ
طلقةً تأتي من الوطنِ المهاجرِ أو قصيده.
■ ■ ■
لا وقت في يومي أضيّعُهُ حنيناً
أو أنيناً
أو جنوناً
أرِّخوا: سأعودُ
أين مسدّسي المائيّ
ولتصدحْ طيورُ الحرب
ولتخرج إلى الزّحفِ الأفاعي والضُّباعُ
وأضيء طريقي أيها اليأسُ الشُجاعُ
ومحاولاتي تنتهي أبداً على جُهد بديدْ
ومحاولاتي تنتهي أبداً بـ: أبدأُ من جديد
ومضيت من: ماضٍ
مضى
يمضي
يعودُ
ولم أصِلْ
ووصلتُ... لكنّ الجنودْ
كانوا قد امتصّوا الصباحَ على البحيره
■ ■ ■
جريانُ ماءْ
جريانُ أيام وأوهامٍ، تعبتُ تعبتُ من هذا التراب
وقد تضرّجَ بالتصاميم الدنيئة والدماءْ
وتصبُّ في وجهي يتيماتُ الغيوم وصُفْرةُ الشجر الخراب
وتصبُّ في وجهي ميازيبُ السّرابْ
وتصبُّ نارُ مدافعٍ لمعتْ على كتِفِ الهضابْ
أين السماء على البحيرةِ
أين بابُ البيتِ؟
هل من فيلسوفٍ؟
أين مهدي؟
أين يا مهدي السماءُ على البحيرةِ؟
أين بابُ البيت؟
■ ■ ■
مهدي رأى وسكتْ
مهدي رأى السّمكه
في قبضةِ الشبكه
ورأتْهُ واضطرَبَتْ..
مهدي رأى وسَكَتْ
■ ■ ■
مهدي رأى التينه
منهوبةَ الزّينه
ورأتْهُ... ثم بَكتْ
مهدي رأى وسكتْ
■ ■ ■
مهدي رأى ورأى..
مهدي رأى ونطَقْ
لكنْ بقاف الحق!
■ ■ ■
الصيفُ ولّى حاملاً حَسَكاً وماءً يابساً وجذوع تين
الصيف ولى من قرون
الصّيْفُ كلّ الصيفِ، كل حبيبتي الأولى
وكل العائمين
على غديرٍ جَفّت الأولادُ فيهِ
ترونَ جسماً لامعاً في الافْق
جسماً لاهثاً وكأنهُ سمكه؟!
وتنط ثم تموتُ
مُحْدثَةً صفاراً شاسعاً في البّر
يلمسُها الصبيْ فيحترقْ
ويصبح محترقاً
ويلقي نفسه في الماء؟!
ولّى الصيفُ
ولّى حاملاً حسكاً وماءً يابساً وجذوع تينْ
الصيفُ ولّى من قرون
فَطِست عصافيرُ الحنين
ولم يجِئ أحدٌ يدلُّ على أماكنِ من أحبُّ
ولم يجِئ أحدٌ يشيرُ إلى نهاياتِ النزيف
وجاء دجّالُ الخريفْ...
ليكنْ خريفاً
أين بأسُ الريح
ولتتأهّبِ الحشراتُ
وليجلسْ على عرشِ الجبلْ
هذا الغرابُ
لأنه حقاً، وليُّ العهدِ
لَّماعٌ
ويشهقُ حوله الصفصاف
والغيمُ الهزيلُ يسيلُ وحلْ
لِيَكُنْ خريفاً
يحرقُ الأشجار، أمّا جثّتي
فستستحيلُ إلى رمادٍ هادئ
في موقدِ الراوي العجوز
وقد تربّعَ فوقَ أنقاضِ البطلْ
ليكنْ خريفاً صادقاً
وليأتِ فلاحٌ شديدُ البأس
ولينهضْ صباحاً مع صياحِ الشمس
ولينفضْ يديه من التعاسةِ والكسلْ
وليعدُ عدْواً
قائداً ثيرانه الصفراء نحو الحقل
وليكتب، بديلاً عن قصائدنا العقيمةِ، سَطْرَ فِجْل!
■ ■ ■
قد لا أكونَ هناكَ في تموزِ ذاك العام
لكنْ
أيّها الماءُ الذي وثب الزمان
وجاء محروراً إليّْ
- سلّم عَلَيّْ.. سلّمْ عَلَيّْ
وعليهما
يا أيها الماء السلامْ
عليهما: الدردارةِ الصفراء
وابنتها الخيامْ.

* بعد أربعين عاماً نستعيد قصيدة حسن عبد الله الشهيرة المنشورة في جريدة «السفير» اللبنانية بتاريخ
27 نيسان 1980