«ثكنة أم بيت للحكمة؟» سؤال يطرحه محمد مظلوم في محاولته تشريح صورة بغداد تاريخياً، لالتقاط نبضها شعرياً في مناسبة اختيار «بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013». المدينة التي لطالما كانت منذورة للغزوات والحرائق والطوفانات والحروب، منذ أن خطط أبو جعفر المنصور (145هجرية) لبنائها، اتسمت بأنها خريطة من نار، واسماً ملتبساً تتنازعه اللغات، وسط فصول الجحيم التي تعاقبت عليها. يستعرض الشاعر العراقي تاريخ مدينته في أنطولوجيا شعرية جمعت بين دفتيها نحو 80 شاعراً، قديماً ومعاصراً، بعنوان «ديوان بغداد: مدينة تروي وشعراء يدوّنون» (دار التكوين- دمشق). هكذا تتداخل الوقائع بالأسطورة، سواء في مرويات المدينة، أم في نصوص الشعراء. وإذا بهذه القصائد تروي سيرة المدينة بسحرها ومحنها المتلاحقة، من دون أن تكتمل صورتها مرّة واحدة، كأن العصيان نسختها الأولى، نظراً إلى التحوّلات والنكبات والحروب التي لحقت بها. لطالما ظلت هذه المدينة تعيش حيرتها الوجودية، بين أن تكون عاصمة لدولة الخلافة العباسية أم عاصمة لثقافة متعددة الأطياف، تبعاً لنسيجها الإثني.


يحفر صاحب «الفتن البغدادية» شاقولياً، في ثنائية الثقافة والسلطة التي تنازعت صورة بغداد، في ظلّ نكباتها المتلاحقة من جهة، وتنوّع طبقاتها الثقافية من جهة ثانية، بناء على مركزيتها السياسية والفكرية، ما أنتج «خميرة غير متجانسة» أفرزت نصّاً هجيناً وقلقاً ببصمات مختلفة، فرضه «مشهد الإقصاء والإحلال المستمرِّ في المدينة»، أو التنابذ بين النخبوية والبداوة، والصوفية والشك، التوطين والتهجير، في تناوب الخلافة والاحتلال والانقلابات العسكرية. وإذا بها تتحوّل إلى «عاصمة مستعارة لإعادة إحياء تاريخ غارب لأمَّة مُنتكسة». سوف يتخبّط فيصل الأول بتاجه عند أبواب بغداد الخارجة للتو من الخلافة العثمانية إلى قبضة المحتل البريطاني، وستدخل بغداد في طورٍ آخر بانقلاب الجنرال عبد الكريم قاسم الذي أفسح مجالاً واسعاً للهجرات الريفية نحو العاصمة، لتمثّل ثلث سكانها، فيما لم يجد هو قبراً في العاصمة التي شهدت اغتياله. ثم ستتخذ ملمحاً آخر بصعود صدّام حسين إلى السلطة، سواء على الصعيد العمراني أو الثقافي بصورته العشائرية الواضحة.
في موازاة هذه المحطات التاريخية لنشوء بغداد، يختار محمد مظلوم نصوصاً شعرية، كانت بغداد محورها، سواء في الرثاء أو المديح أو الهجاء، ويفتتح هذه الأنطولوجيا التي تمتد على ما يقرب 13 قرناً، بقصيدة لأبي نواس المولود في السنة ذاتها التي بُنيت فيها بغداد، وتالياً، فهو أول شاعر بغدادي، رغم أنه ينحدر من مكانٍ آخر. وهو أيضاً أول شاعر مديني خلّص الشعر من اللهجة البدوية، ويليه شعراء آخرون مثل مطيع بن إياس، والعباس بن الأحنف، وبكر بن النطّاح، ويجسد هؤلاء «صورة بغداد الساحرة: سرّة الدنيا»، إلى أن واجهت المدينة محنتها الأولى في الصراع بين «الأمين والمأمون» التي انتهت باستباحة بغداد واشتعال حربها الأهلية الأولى. هذا ما نجده في مراثي الخريمي، وعمرو الورّاق اللذين كانا شاهدَين على خراب المدينة، فيما يخلّدها المعري في إحدى قصائده، متحسّراً على فراقها. نكسة أخرى ستواجهها بغداد في اجتياح المغول لها (1258) ودخول جيش هولاكو المدينة واستباحتها. وهذا ما أفرز أكثر من مرثية كبرى مثل مرثية ابن أبي اليسير، ومرثية سعدي الشيرازي، ومرثية شمس الدين الكوفي (فتكلمتْ ولكن بلا لسان). بين الغزو المغولي والاحتلال العثماني، ستكتسب بغداد صفة «الفترة المظلمة»، رغم اعتراض المحقق على هذه التسمية، إذ يرصد بزوغ ثقافة نقدية جديدة «تقوم على خطاب المواجهة وديباجة المكاشفة، والتحريض على استعادة الروح الحيّة لبغداد»، متكئاً على قصائد الزهاوي والجواهري والنجفي، وصولاً إلى السياب والبياتي وسعدي يوسف. وسوف تتوغل الأنطولوجيا برصد صورة بغداد في نصوص الشعراء المعاصرين، سواء كانوا عراقيين أم عرباً (إيليا أبو ماضي، بشارة الخوري، نزار قباني، أحمد عبد المعطي حجازي، أدونيس، منصور الرحباني، عبد العزيز المقالح). وسوف يحضر سركون بولص بقصيدته «مرثية إلى سينما السندباد»، وصادق الصائغ (أوجاع كلواذا)، وزاهر الجيزاني (وجه بغداد)، ومحمد مظلوم (أندلس لبغداد). نقرأ صورة بغداد شعرياً، بخريطتها المتشظية، وأطيافها المتعددة، وخزّانها الكوزموبوليتي، فنقع على خريطة النار، وجريان دجلة بالدم والحبر. كما يقول محمد مظلوم في مقدمته «ليس من المفيد التحديق بصورة المدينة في مرآة ألف ليلة وليلة، فصورتها تلك مجرّد مجاز آخر يصلح لتسلية السلطان، وتعويذة لحجب الموت بالليل الطويل وبالحكايات والجنس».