«انتشار المخدرات صار عدواناً غير قابل للحصر في بيئة معينة. وهو عدوان تنبّه له «حزب الله» في بيئته الحاضنة، مطلقاً حملة شاملة للمكافحة والوقاية والعلاج... تحت عنوان «المخدرات عدوان آخر»... الهيئة الصحّية كانت الجهة التنفيذية بالمشاركة مع البلديات وكشافة الإمام المهدي و... دُرّب العشرات ممن تولّوا تطبيق أهداف الحملة، وبينهم أطباء وصيادلة واختصاصيون اجتماعيون ومعالجون نفسيون ورجال دين ومتطوعون جامعيون». لعلّ هذه الكلمات من تحقيق للزميلة آمال خليل بعنوان «حزب الله يفتح جبهة الجنوب: المخدرات عدوان آخر» نُشِرَ في «الأخبار» (31/01/2020)، هي خير توطئة للحديث عن شخصيتَي فارس وحوراء في مسلسل «مرايا الزمن».

فقد توقف كثيرون عند اقتحام «مركز بيروت الدولي» هذا العام أماكن لم يطأها في أعماله السابقة لاعتبارات كثيرة من بينها ضوابط شرعيّة، ومحاذير سياسيّة - اجتماعيّة تتحكم في طبيعة المادة المقدَّمة عبر «المنار»، ومدى تقبّل الجمهور لها، أو حتى إمكان تحوّلها إلى سلاح بيد الخصوم والأعداء.
فالمسلسل يدور حول سلبيّات وسائل التواصل الاجتماعي والاستخدام الخاطئ لها من خلال شخصيَّة راغب (مازن معضّم) الذي تكاد الحملة الظالمة والممنهجة التي يتعرّض لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تختصر الحملات المتواصلة التي تستهدف المقاومة في الفضاء نفسه، فضلاً عن الغيرة الزوجيّة حين تتّخذ بُعداً مرضيّاً. كما يتناول بالتوازي ظاهرة تفشّي المخدرات في مجتمعنا ودور العدوّ في الموضوع باعتباره جزءاً من استهداف طويل بأسلحة متعدّدة، من خلال شخصيّة فارس (نيكولا مزهر)، وزوجته حوراء (جوي الهاني).
فحوراء تكتشف ليلة زواجها أنّ زوجها الهادئ الذي يحبّها كثيراً متورّط في تعاطي المخدّرات، فتقرّر أن تتستّر عليه كي تحافظ على ما يحظى به من احترام في عيون أفراد أسرتيهما وفي المجتمع، وتحاول بالتزامن إقناعه بالخضوع للعلاج في أحد المراكز المتخصّصة. لكن محاولاتها تبوء بالفشل حيث يعمد زوجها إلى ضربها كلّما أتلفت ما تقع عليه من مواد مخدّرة داخل المنزل، إلى أن ينصحه صديقه بدفعها إلى التعاطي كي يتخلّص من مناكدتها، عبر دسّ المخدر خلسة في مشروب يقدّمه لها، فتوافق الفكرة هوىً في نفسه ويغافلها أثناء تناولهما الفطور ويدسّ لها المخدّر في كوب الشاي.

يتناول سلبيّات وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن الغيرة الزوجيّة


ويُعدّ هذا الخط الثاني من حيث الأهميّة في المسلسل. ينتظر المُشاهد ما سيحصل بين فارس وحوراء وإن كانت ستنجح بمفردها في إعادة زوجها إلى جادة الصواب، أو ستصارح أفراد عائلتها بالموضوع وتطلب مساعدتهم رغم الأزمات المتلاحقة التي يعانون منها بدورهم، أو سينجح هو في الإيقاع بها وجَرِّها إلى المستنقع.
الحلقة السّابعة من المسلسل تضمَّنت مشهداً يُظهر «حوراء» جالسةً أمام مدفأة الحطب وقد وقعت تحت تأثير المخدر الذي تناولته من دون علمها، وهي تقهقه بعبثية وتتعمّد إحراق يدها بقضيب حديدي محمّى باستمتاع واضح ومن دون أن تشعر بالألم، حيث يحضر فارس محاولاً ردعها عن إيذاء نفسها فتشاكسه بغنج شديد يتبدّى في حركة الجسد كما في طريقة النطق.
مشهدٌ يفترض أن يكون بالنسبة إلى من تابع العمل مبكياً ومؤثراً، قياساً إلى الصورة التي ظهرت عليها الشخصيّة في الحلقات الأولى كامرأة متزنة وملتزمة وهادئة تنتمي إلى عائلة محافظة، وزوجة مضحّية تعمل بصمت لإصلاح أمر زوجها مراعيةً في الوقت نفسه ألّا تفضحه في المجتمع أو تسيء إلى صورته في محيطه. ولكن اقتطاع البعض للمشهد وعرضه عبر السوشال ميديا حوّله إلى منصّة للهجوم على القيّمين على العمل وعلى قناة المنار نفسها، من قِبل بعض المتحمسين ممن لم يتسنَّ لهم متابعة المسلسل، بحجة تنكّر القناة لرسالتها الثقافيّة والأخلاقيّة و«التشجيع على الانحلال والتهتك في صفوف المتديّنين»! (لاحظ أنّ قضيّة المسلسل الأساسيّة هي إساءة استخدام وسائل التواصل عبر «الاجتزاء» وتقنيات أخرى كثيرة).
مقاربة المشهد بمعزل عن سياقه، ظلمَ كثيراً العمل وصُنّاعه الذين وضعوا نصب أعينهم استكمال الحرب المفتوحة ضدّ المخدّرات بأكثر الأسلحة تأثيراً وهو الفنّ.. فكلّ ما قيل عن هذه المعركة واستهدافاتها ووقوف العدو خلفها، في المحاضرات والمقالات والمنشورات التوجيهيّة والتوعويّة، لا يساوي في تأثيره مشهداً تلفزيونياً واحداً، وهذه حقيقة لا يجوز إنكارها بمعزل عن الموقف منها.
وتبدو الإشارة ضروريَّة إلى أنَّ المشهد كان يفترَض أن يقتصر على شعور حوراء بالدوّار وسقوطها أرضاً، قبل تعديله بناء على نصيحة من خبراء ومتخصّصين أكدوا أنَّ تأثير المخدّرات على المتعاطي للمرَّة الأولى لا يمكن أن ينعكس على شكل دوار وغياب عن الوعي، بل عبر حالة من النشوة (تشبه ما تمَّ تقديمه)، وأنَّ تقديم المشهد بصورته السَّابقة كفيل بنسف الواقعيّة التي يبتغيها الفنّ، ومن خلالها فقط يستطيع إيصال رسائله.
وإذا كانت أعمال «مركز بيروت» معروفة برصانتها ورسائلها الأخلاقية (من دون أن تنسى نصيبها من الفنّ)، فإنَّ الكاتب فتح الله عمر معروف بدوره، وحتى في الأعمال التي يكتبها لصالح جهات إنتاجيَّة أخرى، بمحافظته والتزامه بمعايير واضحة وحرصه على تقديم دراما تصلح لأفراد العائلة كافة. أمَّا المخرج محمد وقاف، فهو ينتمي أيضاً إلى المدرسة نفسها التي تنظر إلى الفن كرسالة أولاً، وتنأى بنفسها عن الفضائحيّة والابتذال توسلاً لرفع نِسَب المشاهَدة.
«مرايا الزمن»: 21:00 على «المنار»