مضى نحو ثلاثة أسابيع (15 نيسان/ أبريل الماضي) على وفاة عازف الألتو ساكس الأميركي الشهير لي كونيتز. في ظلّ فوضى الكارثة الصحّية العالمية وفي زمنٍ لا يشعر بغياب الكبار، تأخّر وصول خبر رحيل الموسيقي التسعيني الذي أضافه الفيروس الشرس إلى لائحة ضحاياه من الفنانين. كونيتز في العقد العاشر من عمره، وهو قدّم قسطه الموسيقي للعلا، وغيابه لا تأثير كبيراً له على مستوى الإنتاج الفني. لكن إذا كان الرجل العجوز سيلفظ أنفاسه الأخيرة عاجلاً أم آجلاً، أعَدلٌ أن تخرج من رئتَين مهشّمتَين؟ أهذه هي هدية الحياة لإنسان ما استخدم رئتَيه إلّا لنفخ الروح في آلته لصنع النغمات اللطيفة؟ وإذا كانت هذه الأسئلة من النوع العقيم، فثمة أخرى مشروعة: ماذا تفعل الحكومة الأميركية لحماية مواطنيها وفنانيها؟ هل مات كونيتز نتيجة تقصير وإهمال؟ ألمانيا صرفت أكثر من خمسين مليار يورو لدعم الفنانين والمؤسّسات التي تعمل في هذا المجال، والولايات المتحدة تصرف أضعاف هذه المبالغ لقتل الأبرياء والفقراء في بلدان بعيدة. بالتالي، قد يكون لي كونيتز مات ميتة شنيعة بسبب سياسات حكام بلاده. ليس في الأمر تمييز من النوع الذي لا يزال قائماً، في النفوس على الأقل. فهو ليس أسود البشرة، ولا أحمر (الحقد القديم الذي عاد مع ترامب) ولا أصفر (الحقد المستجدّ)! هو موسيقي أبيض، أحب موسيقى السود وقدّم لها حياته وإبداعه. هو رمزٌ عتيق وكبير في الجاز، وتحديداً في النمط المسمى «كول جاز» (الجاز البارد) الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، مقابل الجاز الحامي الذي تمثّل بالـ«بي بوب» (be-bop). هكذا شكّل لي كونيتز، إلى جانب بول دزموند، الوجه النقيض لتشارلي باركر على الآلة ذاتها، الألتو ساكسوفون، إذ وضع جمله البسيطة والسلسلة مقابل تلك المعقّدة والهجومية التي كان يزغردها الأسطورة الراحل Bird (لقب تشاركي باركر). وُلد عام 1927 في شيكاغو، لكنّ أصوله روسية ونمساوية، شأنه شأن معظم الموسيقيين (والشعراء) الذي صنعوا مجد أميركا الغنائي والموسيقي في القرن العشرين، من ذوي الأصول الجرمانية و/أو السلافية (أما مساهمة الأفارقة فتلك حكاية كبرى أخرى)، مثل ليونارد برنشتاين وجورج غرشوين وبيني غودمان وستان غتس وريتشارد رودجرز وأرفينغ برلين وجيروم كرن… بدأ مسيرته عازفاً في فرق الجاز الكبيرة، ثم في مشاريع الرموز الصاعدة في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، فسجّل إلى جانب مايلز دايفس في Birth of The Cool (صدر عام 1957 وحوى مجموعة من التسجيلات التي أنجزت في 1949/1950).

منذ منتصف الخمسينيات لغاية رحيله، أصدر عشرات الديسكات الخاصة، بدءاً من استعادة كلاسيكيات الريبرتوار (الذي غذاه المسرح الغنائي بشكل أساسي) مروراً بإعداده الخاص لبعض العناوين المعروفة وصولاً إلى مساهمته في تأليف مقطوعات، أصبحت بدورها كلاسيكيات لاحقاً.
إلى جانب النمط الذي ارتبط به بشكل أساسي (كول جاز)، كان للي كونتز اهتمام بتيارات أخرى، مثل الجاز الطليعي والجاز الحديث، ودخل اسمه في معظم كاتالوغات الناشرين الكبار، من Verve وPrestige وImpulse وAtlantic، إلى Enja وECM وغيرهم، هذا إذا استثنينا الناشرين الصغار والمغمورين. منذ مطلع الخمسينيات حتى عام 2018 ما مرّت سنة إلّا وكان للراحل مشروع خاص (أو أكثر من خمسة أحياناً!) ومساهمات عدّة مع زملائه، العمالقة كما النجوم الصاعدة، في أميركا وخارجها… أحد آخر مشاريعه كان دعم فرقة جاز إسبانية شابة. قطع هو المسافات ليلاقيها على أرضها ويعزف إلى جانبها، وكان قد تخطّى التسعين من عمره!