تزامناً مع رصد أولى الحالات المصابة بفيروس كورونا المستجدّ في مدينة ووهان الصينية، وصلت إلى منصة البث الرقمي الأميركية «نتفليكس» سلسلسة وثائقية جديدة بعنوان Pandemic: How to Prevent an Outbreak (جائحة: كيف نمنع الفاشية). العمل مؤلّف من ست حلقات، لا تتعدّى مدّة كل منها 55 دقيقة. وفيها، نتعرّف إلى أبطال في الخطوط الأمامية للمعركة ضد الإنفلونزا، ونلقي نظرة مقرّبة على جهودهم الرامية إلى وقف الفاشية العالمية التالية. توقيت إطلاق السلسلة لا يعدو كونه مصادفة، إلا أنّها حميدة من دون شكّ. فهذا عمل غني بالمعلومات، مُلهم ومرعب في الوقت نفسه، يسائل مدى جهوزيّة المعمورة للتعاطي مع واقع كهذا.

يقف أحد المسؤولين الحكوميين في أحد حقول مدينة بيتسبيرغ الأميركية أمام مقبرة جماعية. ينظر بهدوء إلى المثوى الأخير لعشرات ضحايا وباء الإنفلونزا الإسبانية الذي قضى في عام 1918 على حوالى مئة مليون شخص حول العالم. بهذا المشهد، يُفتتح Pandemic ليذكّرنا بحجم الدمار الذي يمكن أن ينجم عن جائحة كالإنفلونزا، قبل أن تتبادر إلى الأذهان تساؤلات لا تنتهي عن النتيجة التي سيؤول إليها كابوس وباء «كوفيد ــ 19» الذي يصارع العالم بأكمله اليوم لمحاربته.
تنطلق السلسلة من فرضية أنّنا على مشارف مواجهة جديدة مع فيروس قاتل وسريع الانتشار. لقد مضت أكثر من مئة عام على الإنفلونزا الإسبانية التي حدثت في وقت لم يكن مجموع سكان الكرة الأرضية يتعدّى المليارَين. أما اليوم، وفي ظل وجود ثمانية مليارات إنسان، فحذّر مدير وحدة التهديدات الناشئة في «الوكالة الأميركية للتنمية الدولية»، دينيس كارول، من أنّه عندما نتحدّث عن جائحة إنفلونزا جديدة، السؤال ليس إذا ما كانت ستحدث، بل متى؟
انطلاقاً من هذا الكلام الوارد في Pandemic، سألت صحيفة «غارديان» البريطانية: هل يمكن أن يكون التوقيت الآن؟ سؤال مشروع وبديهي طبعاً، في ظل وصول عدد الإصابات بـ «كوفيد ــ 19» إلى أكثر من 300 ألف حالة مؤكدة (لغاية كتابة هذه السطور)، بحسب «منظمة الصحة العالمية» التي حذّرت، أمس الثلاثاء، من تسارع وتيرة انتشار الوباء. ناهيك عن الاضطراب واسع النطاق في الأسواق المالية، أماكن العمل، حركة الطيران وعمليات الإنتاج، على رأسها الغذاء. آثار توقّعتها سلسلة Pandemic وعاينتها عن كثب بطريقة مصقلة بالتفاصيل لا تخلو من الدراما والأسلوب الحكائي الجذّاب، بالإضافة إلى مادة بصرية لافتة.
العمل من إنتاج «زيرو بوينت زيرو برودكشنز» (سبق أن وقّعت برامج الشيف الأميركي الراحل أنطوني بورداين)، ويقدّم للمشاهدين مجموعة من الشخصيات التي تتكشف قصصها فيما تتنقل السلسلة في جميع أنحاء العالم. هؤلاء الأبطال هم علماء وأطباء وخبراء كوراث، يؤكدون لنا أنّ الشرّ لا يمكن في الفيروس في حدّ ذاته، إنّما بالمعلومات الخاطئة التي غالباً ما تواكب انتشاره.
مستخدماً أسلوباً مشابهاً لذلك المتّبع في فيلم Contagion (إخراج مارتين سودربيرغ ــ 2011/ اعتبر كثيرون أنّ أحداثه مشابهة لما نعيشه اليوم في ظل كورونا)، يتنقل Pandemic في أماكن مختلفة في العالم ــ من معسكرات تابعة لـ «وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» (ICE) في الولايات المتحدة على الحدود الأميركية، إلى مستشفى مقاطعة يعاني من نقص التمويل في أوكلاهوما، إلى الكونغو حيث الكفاح في أشدّه لاحتواء فيروس إيبولا.
في خضم كل ذلك، نكتشف حجم المعاناة الملقاة على عاتف العاملين في حقول الرعاية الصحية: عاملون يغلبهم الموت أثناء معالجة مصابين بإيبولا في أفريقيا، وأطباء في الهند يضطرون يومياً إلى معاينة ما يزيد عن ألف مريض يعانون من أعراض إنفلونزا الخنازير الخطرة، ومتطوّعون على الحدود يقدّمون لقاحات، وأطباء لا يرون عائلاتهم، إلى جانب علماء طموحين يبحثون عن لقاحات أثناء العمل خارج الصيدليات الكبرى.
الطبيب الأميركي رايان ماكغاري (38 عاماً)، شارك في إخراج العمل الذي صوّر في بنسلفانيا الأميركية. وفي مشهد لا يختلف عمّا تظهره السلسلة، تغصّ عياداته في كاليفورنيا اليوم بالمرضى المحتملة إصابتهم بكورونا. في مقابلة مع صحيفة «لوس أنجليس تايمز» الأميركية، قال الطبيب الذي يعمل على لقاح ضدّ «كوفيد ــ 19»: «لا أدري كيف عليّ أن أشعر الآن... سعيد بأنّني كنت قادراً على إبراز التحذيرات بالنسبة إلى بعض الأشخاص الأذكياء. لكن كفنان وطبيب، لا أستطيع فهم مستوى المعاناة والدمار الذي قد نواجهه». ويوضح عن تفشّي وباء كورونا حالياً: «أعني أنّني أظن أنّه سيغيّر حياتنا إلى الأبد».

يتألّف من ست حلقات لا تتعدّى مدّة كل منها 55 دقيقة


في سياق متصل، وفي حديثه إلى جايك تابر عبر شبكة «سي. أن. أن» الأميركية، لفت الطبيب والمخرج والمنتج المنفذ إلى أنّه يريد أن يخبر العالم أنّه ليس فقط الأطباء، ولكنْ الممرضون والمساعدون وموظفو الدعم في المستشفيات، سيعملون بجهد في وقت يزداد فيه الخطر».
وُلد Pandemic من محادثات مكغاري مع زملاء له حول الذكرى المئوية للإنفلونزا الإسبانية: «بدأنا ننظر إلى الناس حول العالم وفي الولايات المتحدة، الذين تركّزت حيواتهم المهنية بالكامل على محاولة التأكّد من أنّ مأساة عام 1918 لن تتكرر أبداً... ومع ذلك، فإنّ معظم هؤلاء الناس، تم تخفيض ميزانياتهم أو لم يتم أخذها على محمل الجد... وها نحن ذا!».
Pandemic الذي يحتل قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة على «نتفليكس» اليوم، يوصلنا إلى خلاصة مفادها أنّ الأشخاص الذين يعملون في أنظمة قوية، ويحظون بتمويل لائق في ظل وجود تعاون بين الحكومات والمواطنين، يمكنهم تحقيق تقدّم كبير في أحلك الظروف الصحية. لكن ماذا عن ملايين الذين يفتقرون إلى أدنى هذه المقوّمات؟