باريس | صحيح أن الحصول على المال هو خير دافع للعمل بشكل عام، لكن المعماري والمخطط الحضري النمساوي أوتو فاغنر الذي لُقّب بـ«سيد العمارة الحديثة» كان سليل عائلة بورجوازية ينشد منفعة أكبر هي تحقيق الذات في هذه المهنة التي وصفها بالمتعة والبلية في آن. نكتشف في «متحف العمارة والتراث» في باريس أوتو كولومان فاغنر (1841-1918) أحد أهم الشخصيات في المشهد المعماري الأوروبي، تجاوز تأثيره حدود الإمبراطورية النمساوية المجرية، وكان صاحب رؤية ثاقبة، يدرك أن «الإنسان المعاصر لا يتجول في ثياب لويس الرابع عشر». ولذلك شجّع على تطوير حلول جديدة في العمارة تنفكّ من الإطار الكلاسيكي كي تواكب روح العصر، وكانت الحداثة الفكرية آنذاك قد بدأت تتشكّل كاتجاه واضح المعالم مع أدب هوفمانستال وموسيقى شوينبرغ الأتونية والتحليل النفسي مع فرويد وكذلك الاقتصاد مع شومبيتر.

ومن الطبيعي أن يرتبط التجديد المعماري ارتباطاً وثيقاً بتطور الأعمال الفنية في مجال الرسم والفنون التطبيقية الذي لمعت فيه أسماء مثل غوستاف كليمت، وأوسكار كوكوشا، وكولومان موسر، وغيرهم ممن ساهموا في تأسيس حركة الانفصال الفنية Secession سنة 1897 التي ارتبطت بالـ Art Nouveau.

مقوّمات العمارة الحديثة
المعرض الاستعادي الذي تم تنظيمه في مُتحف فيينا قبل عامين في إطار الذكرى المئوية لوفاة أوتو فاغنر انتقل أخيراً إلى باريس ليستمر حتى شهر آذار (مارس). قوامه مجموعة غنية من الرسوم والمجسمات الدراسية التي يبدأ بها للتعبير عن أفكاره، ونلاحظ أنه انطلق من قواعد نظرية جديدة في التصميم، أهمها قاعدة «الشكل يتبع الوظيفة». واستعمل بحماس التقنيات والمواد التي أصبحت متوافرة في عصره مثل الخرسانة المسلحة، والحديد الصّب والألومنيوم والسيراميك والزجاج، من دون أن يتخلى عن العناصر الكلاسيكية كالرخام والزخارف التزيينية.
يقول عالم الطبيعة الشهير جاوس: «النتيجة عندي ولا أعرف كيف حصلت عليها.. لا لأنني بذلت جهوداً مضنية، لكن بهبة من الله».

رسم تحضيري لـ «كنيسة سان ليوبولد» بيد أوتو فاغنر عام 1902

وعلى النقيض منه يُقلل إديسون من هذه القوى الروحية التي تُسقط الفكرة في ذهن الإنسان، مؤكداً أن الإلهام فيه واحد في المئة فقط من الإلهام، وتسع وتسعون في المئة عرق متصبب. أما في مجال العمارة ورغم إشكالية وندرة الكتابات في هذا المجال، إلا أنه بإمكاننا أن نستشفّ من خلال دفاتر فاغنر، أن طبيعة الإلهام في الفكر المعماري مختلفة، لأنها تجمع بين الرأيين المتعارضين. ولعلّ السبب في ذلك هو جمع العمارة للنواحي الفنية والعلمية، فالإبداع في هذا المجال مرتبط بالوظيفة ولا يقف عند حدّ التوصل إلى فكرة، بل يتطلب الأمر تحقيقها سواء كانت فكرة عامة مثل كون المبنى يحاكي شكل المركب الشراعي كما في «برج العرب» أو كون الفكرة حلّاً لمشكلة تصميمية في تفصيلة من تفصيلات المبنى كما في حالة حل مشكلة الحائط الزجاجي الذي يملأ ما بين الأقواس الضخمة في مبنى «أوبرا سيدني».
في بداياته، كان أوتو فاغنر مضطراً لإنشاء مبانٍ سكنية صغيرة وتصميمات داخلية لأن مشاريعه كانت تُرفض واحداً تلو الآخر، وهذا ما دفعه إلى تطوير أفكاره وتقديمها بهيئة جديدة مزجت بين الأسلوب الكلاسيكي الصارم أحياناً من الناحية النظرية وأسلوب الآرت نوفو، كما تبنى قضية «العمارة كفنّ اجتماعي»، بمعنى وجوب استعمالها كأداة لتحسين حياة الناس. في كتابه «العمارة الحديثة» الذي كان دليل تعليمات لطلابه واعتُبر مانيفستو العمارة الجديدة، يقول إن «المعماري شخص لا بدّ من أن يخطّط لفكر مختلف وأهداف أكبر من مجرّد البناء وممارسة المهنة، بل عليه أن يكون مُلمّاً بما يدور حوله ويستخدم ما يراه وما يعرفه عن الماضي لإنتاج عمل جديد يُراعي الإنجازات التقنية والعلمية الهائلة للإنسان».
وكانت عوامل عدة قد ساهمت في تعزيز رؤيته وامتداد العمارة الحديثة ومنها:
1- الاتّجاه نحو البساطة والحاجة إلى أنواع جديدة من المباني مثل الإدارات والشركات. والمستشفيات ومحطات السكك الحديدية
2- تأثير الصناعة والمكننة على المنتجات وأساليب البناء، ما غيّر الذوق والنظرة الجمالية.
3- ازدياد أهمية العامل الاقتصادي والمطالبة بالكفاءة وخفض التكاليف والاستغناء عن كل ما ليس له فائدة عملية.
4- اتجاهات الفن الحديث التي عمدت إلى الاختزال والتجريد.

المدينة كخريطة ذهنية
اقترح المخطّط الحضري كيفين لينش مفهوم «الصورة الذهنية للمدينة» الذي ركز على كون المدينة منظومة من الإشارات تُكوّن «مرأى» عليه أن يحرّض العين ويزيد انتباهها ومشاركتها، فالبيئة العمرانية الكلية للمدينة عليها أن تمتلك خاصيات أساسية: معنى، قوة، بهجة، إيقاع، وغموض. ودعانا لينش إلى «تعلم كيف نرى الأشكال المخفيّة في خضم مدننا المترامية الأطراف»، فيمكن لمدينة حزينة أن تحتوي، ولو للحظات على مدينة بهيجة. أما مدن المستقبل، فموجودة أصلاً في المدن الحالية مثل حشرة في الشرنقة. ترويض النظر إذن لرؤية المستقبل، هو الهدف العميق الذي حفّز أوتو فاغنر على تخيّل فيينا معاصرة أرادها أن تكون مصدراً يومياً لمتعة ساكنيها، لأن العمارة بالنسبة إليه لا تستند إلى الخرسانة والحديد والتراب، لكنها تستند إلى العجب. يقول: «من دون دهشة وقلب ينبض، تصبح أعمال العمارة مجرد علبة أو شيئاً ذا أوجه مسطحة، مصنوعاً من صلب ومواسير غاز ودرابزينات، يتلقى أشعة الشمس كما يتلقاها رصيف الشارع». وإن كان وضوح صورة المشهد الحضري بالنسبة إلى لينش يظهر من خلال عملية تنظيم عناصر معينة مثل: المسارات paths، الحواف أو الحدود المتصورة edges، الوحدات والمعالم المكانية التي يسهل تحديدها كنقاط مرجعية landmarks، العقد ونقاط الاتصال nodes، وأخيراً المناطق أو الأحياء البصرية المميزة districts، لكنه بالنسبة إلى فاغنر أبسط من ذلك بكثير، يعتمد فقط على مركز مدينة قوي وواضح يتخذ موضع القلب، تمتد منه مسارات كالشرايين قابلة للتفرع إلى ما لا نهاية.

الاستمرارية البصرية
في دفاتره، وقبل البدء في أي مشروع، يعمل أوتو فاغنر على احترام تجانس واستمرارية المدينة، التي «على عناصرها أن تتآلف وتنسجم كي تحقق تشكيلاً واضحاً ومريحاً». من هنا يبدأ بدراسة دقيقة للطابع المعماري للمكان، والتشكيل الفراغي والطوبوغرافيا والألوان ومواد البناء والأرضيات والنسيج الحضري وحجم وتفاصيل الواجهات والإضاءة والنباتات وخط السماء، علاوة على تركيز الأنشطة والحركة وغيرها، لكنه في الوقت عينه لا يتردّد في استخدام مواد إنشائية مختلفة كما فعل في فندق ماجوليكا هاوس (1898) الذي زين واجهته كاملة بطبقة من السيراميك التي تتدفق فيها أشكال زهرية تمتد إلى أعلى البناية. وقد عُرف اتجاه الفن الحديث باللجوء إلى تغطية مساحات كبيرة بهذه العناصر التزيينية، وانتشر نتيجة لذلك استخدام الزخارف المصنعة من الحديد المطروق والخشب والجص.
تبنى قضية «العمارة كفنّ اجتماعي»، بمعنى وجوب استعمالها كأداة لتحسين حياة الناس

أما في بنك فيينا للادّخار البريدي (1906) الذي يُشار إليه دائماً على أنه أهم أعماله، فقد توخى فاغنر «الصدق» في التعبير البصري، أي أنه حاول إظهار الهيكل الإنشائي كما هو، وكشف مواد البناء «على حقيقتها» فلم يحجبها بمواد أخرى. وكانت كتلة المبنى وخطوطها واضحة، مستقيمة ومنتظمة وفي داخلها حافظ على ديكور بسيط ومساحات داخلية واسعة مُضاءة بسقف زجاجي. ثمة مبان أخرى أكثر إثارة للدهشة مثل «كنيسة سان ليوبولد» (1903-1907) وهو مشفى للطب النفسي تلوح قبته النحاسية من بعيد، ومحطة karlsplatz المزينة بنقوش مصنوعة من الفولاذ المُذهّب.

الوعي بالحركة
أولى فاغنر كذلك اهتماماً خاصاً بالمسارات وهي قنوات الحركة الرئيسية التي تُدرَك من خلالها المدينة، وتختلف من مكان إلى آخر وفقاً للوظيفة التي تؤديها، فقد تكون طريقاً للسيارات أو ممرات للمشاة أو خطوطاً للنقل العام، أو مجاري مائية كالترع والأنهار، أو خطوطاً للسكك الحديدية. لذلك، فالمسارات تعتبر العنصر الرئيس المهيمن على الإدراك الذهني للسكان تجاه مدينتهم، فهؤلاء يشاهدون المدينة من خلال حركتهم داخل المسارات التي تنتظم حولها كافة عناصر التشكيل العمراني للبيئة الحضرية التي يعيشون فيها. وعندما كُلّف فاغنر بتنظيم سكة المترو وبناء 36 محطة جديدة، اتّبع معالجات بصرية عدة من بينها التشكيل الديناميكي للمسار أو لخط الحركة، والذي يعطيه طابعاً مميزاً ويُولّد أحاسيس مستمرة وخبرات متجدّدة خلال الحركة والمشاهدة، بحيث يصبح خط المترو شبيهاً بخط نغمي إيقاعي مُوحّد.

خلف فيينا التي نبصرها... فيينا أخرى لا مرئية
مسار العرض يتتبع هذا التحالف المتوازن بين الإفادة من الحيز المكاني ومتعة المشاهدة. يرينا كيف تطور شغل أوتو فاغنر وانتقل من الأماكن المحصورة الضيقة إلى مساحات أكثر شساعة، بالإضافة إلى اهتماماته المختلفة في الديكور وفنون المائدة والموضة والتصوير والحياكة والتجليد. يُبقي فاغنر يديه منهمكتين في العمل على الدوام، وحين يهرب من مشكلة اعترضته في أحد المشاريع، يرسم الأواني الفخارية وحاملات الشموع والزجاج الملون وورق الجدران، وكل أنواع الأثاث مثل كتالوغ مُمتع لـ«إيكيا». النجاح هو في هذا التفتيش الشاق عن الوسائل التي تجعلنا نعيش عصرنا، وفي إنتاج هويّة متحولة في جوهرها، يسهم التراثي الثابت فيها في صنع الحاضر، ويكون الحاضر جزءاً من المستقبل.
وإذا تتبعنا فيينا بعيني فاغنر، سوف تتحول تدريجاً إلى إحدى تلك المدن اللامرئية التي تحدث عنها إيتالو كالفينو. سوف تكون مدينة «صوفرونيا»، نصفها الأول ثابت، والنصف الآخر متبدل، أو «ديسبينا» التي تُري وجهاً مختلفاً للمسافر بحسب وصوله إليها عبر الباخرة أو من الصحراء على ظهر جمل.
فيينا لوحة شطرنج وعمارة أوتو فاغنر قِطعها المميزة تدعونا إلى مسار قراءة مُضاعَف، أو متعدّد. وحسب الفتور أو الاندفاع المُجازِف لزائرها، قد تنطفئ أو تُشع فجأة مثل رؤيا.