تونس | أكثر من عشر سنوات من العروض، ولم تفقد مسرحية «وزن الريشة» بريقها! هذا ما يؤكّده رهان غازي الزغباني (1975 ــ كاتب نصّها ومخرجها ومؤلفها وممثّلها) عليها، وأيضاً انتظام حضور الجمهور كلّما جرى الإعلان عن عرض جديد، كان آخرها في الرابع من كانون الثاني (يناير) الحالي، حين افتتحت المسرحية أنشطة فضاء «لارتيستو» في تونس العاصمة للسنة الجديدة. حين بدأت عروضها عام 2009، كانت المسرحية قد فتحت الباب أمام جيل مسرحي صاعد في تونس ليشقّ طريقه إلى الأضواء، بلغة مسرحية جديدة وأدوات أدائية مختلفة. مساحة كان يحتكرها «كبار» الإنتاج المسرحي في تونس، على رأسهم توفيق الجبالي والفاضل الجعايبي وعز الدين قنون. لم يكن سهلاً اقتناص بعض من الضوء نظراً إلى ما حقّقه هؤلاء من تراكم في الإنتاج وسمعة في الداخل والخارج وتوافر الفضاءات والدعم المقدمة إليهم.

لم يصل كثيرون من جيل غازي الزغباني إلى مواقع أساسية في المشهد المسرحي التونسي أو العربي، فالعوائق التي تحول دون ذلك كثيرة، تشبه إلى حدّ كبير تلك العوائق التي تتناولها «وزن الريشة» تحديداً. على خلاف كثيرين، عرف الزغباني كيف يأخذ موقعه في المشهد، إذ نجح في تأسيس مسرح مستقل (لارتيستو) بات له حضور خاص في المشهد الثقافي في مدينة تونس. هكذا، فإنّ المسرحية التي تُقرأ كسيرة لجيل في دلالته الأوسع، وعلاقاته مع الأسرة والتعليم والجنس، وصراعاته مع السلطة والأب، وملامحه الثقافية والاجتماعية، ترسم أيضاً سيرة جيل مسرحي يأخذ مساحة القول على الخشبة/ الحلبة من جيل الآباء، ويطوّع الفعل المسرحي في خدمة قضاياه ورؤاه.
تروي «وزن الريشة» قصة رمزية لملاكم تتتالى هزائمه، ليس فقط على الحلبة، وإنما في جميع محطات حياته. يعود النص إلى سنوات طفولته الأولى في إضاءة كوميدية لتقبّل السطوة الأبوية وعدم القدرة على الخروج من حالة القصور التي فُرضت عليه، ويضيئها الزغباني مرة بهزيمة فوق الحلبة، ومرة بهزيمة في الحياة اليومية كالفشل الدراسي أو العجز عن بناء علاقة عاطفية متزنة. لكن المسرحية التي يبدو هيكلها درامياً، تقوم في الأساس على التهكّم والفكاهة اللطيفة.
من زاوية أخرى، يمكن القول بأنّ «وزن الريشة» تروي تحدّي غازي الزغباني كمسرحي/ ملاكم في صراع المواقع الثقافية في بلاده. معنى نلتقطه من إصراره على العودة سنوياً إلى هذا العمل، تحديداً، بالتوازي مع عروض مسرحياته الجديدة. «وزن الريشة» باتت تبدو بذلك مثل مرافق للزغباني في مساره الفنّي، فنحن لا نجد له عملاً آخر لا يزال يعود إليه باستمرار كما هي الحال مع «وزن الريشة» على الرغم من النجاحات التي حققتها أعمال مثل «بلاتو» (2015)، و«الهربة» (2018)، و«عقاب أحد» (2016)، و«الدرس» (2013) إضافة إلى عملَيه الأخيرين اللذين قدّمهما في 2019، ونعني «سيكاتريس» و«طروف» (إخراج بالاشتراك مع المسرحي البريطاني كريس وايت).
في هذه الأعمال، نوّع الزغباني بين أدوات مسرحية كثيرة، فاعتمد على الاقتباس كما في «بلاتو» (عن نصّ لجان بول سارتر) أو «عقاب أحد» (عن إدوارد ألبي). وفي «رنديفو»، أعاد صياغة «في انتظار غودو» لصامويل بيكيت، وهو عمل يقدّم فيه تصوّراً طريفاً لمجمل مسرح العبث وإمكانيات تأصيله ضمن المسرح التونسي. كما اعتمد على نصوص من تأليفه كما في «وزن الريشة» و«الدرس»، وأخرى لكتّاب تونسيين كحاله مع «الهربة» عن نص لحسن ميلي، و«سيكاتريس» (نص لحاتم جوهر).
على مستويات أخرى، اختبر المخرج التونسي النزعة الفرجوية في مسرحية «روميو وجولييت» حيث حضرت الموسيقى بقوة ضمن مفردات العمل في قراءة فريدة للنص الشكسبيري الشهير، وقارب الواقع السياسي بكثير من الجرأة في مسرحية «بلاتو» التي توافرت له فيها إمكانيات إنتاجية ضخمة مقارنة ببقية أعماله.
بين كلّ هذه الأعمال، تأتي «وزن الريشة» مثل ضابط إيقاع في مسيرة غازي الزغباني، كأنه يستعيد من خلالها نشوة الفعل المسرحي. حتى على المستوى المضموني، هي عمل يقدّم رؤية تأمّلية في الحياة مفادها أن الانتصار الحقيقي ليس ذلك الذي يختطف من الخصم بعد «ضربة قاضية»، وإنما هو مواصلة التحدّي إلى ما لا نهاية. حكمة هذه المسرحية يمكن اختصارها في دعوتها للإصرار على أحلامنا حتى لو كانت بـ... «وزن الريشة».