هذا مكان آخر يغلق أبوابه. كلّما غابت مساحة كهذه، خسرنا صلة من صلاتنا بمدينة نتأكّد يوماً بعد يوم أنها رهن للبنوك. هذه المرّة، جاء دور «متروبوليس أمبير صوفيل». شاع الخبر سريعاً، وبدا للبعض خسارة شخصيّة. المكان الذي لطالما دخلنا إليه لهاثاً خلف السحر، والهرب عبر شاشتَيه من الواقع، لم يستطع هو نفسه النجاة من الواقع. هناك من قال: «لم تعد هناك سينما في بيروت». ولم يقصدوا بذلك صالات السينما التي تتوزّع في كل ركن من المراكز التجاريّة كديكور فحسب. كانوا يشيرون إلى المساحة المعنوية التي تشكّلها سينما «متروبوليس» في بيروت. فقد ظلّت حتى إغلاقها تتسع لأفلام واستعادات ومناسبات لا تلائم دائماً «ذائقة» المستثمرين والمنتجين. وبهذا يمكن القول إن «متروبوليس» استمدّت أهميّتها مما هو غير محدّد ومتّفق عليه في رؤوس المتفرّجين، كلّ رأى فيها منفذه الخاص، لكنّ جزءاً أساسياً منه ارتبط بالأفلام التي تعرضها وأسماء المعلّمين الذين تعرّفنا إلى عدد كبير من أعمالهم هناك. غير أن حصر مهمّة مكان ما لسبب معنوي كعرضه لأعمال سينمائية ذات قيمة فنية قد ينطوي على مديح وذمّ في آنٍ واحد، وخصوصاً في ما يتعلّق بـ «قصور» الخلق الفني وحده عن مواجهة الواقع، وعجزه عن القيام بأي تغيير ملموس بما يتجاوز همّ النجاة. هذا تهديد وجودي لطالما لاحق الثقافة حين يتمّ حصرها بالخلق الفني غير التجاري وبالمؤسسات التي تعرض وتنتج هذه الأعمال. لكن، باستثناء الانتفاضة الشعبية التي شكّلت فيها الفنون أداة أساسية لمواجهة المصارف مثلاً، أليس كلّ ما نعتبره «متنفّساً» في بيروت هو بهذه الهشاشة المعنوية؟ كان علينا ألا نصدّق غيرها عندما انتشر الخبر أمس، وخصوصاً أن تقييم موقع «متروبوليس» وأهميّتها لا يمكن عزله عن سياق مدينة انحسر فيها عرض هذه الأفلام والاستعادات السينمائية الكلاسيكيّة تماماً، باستثناء بعض العروض المنفصلة والفردية في فضاءات ثقافيّة ومقاهٍ هنا وهناك. على الصعيد الشخصي، بمقدورنا حماية شاشاتنا الخاصّة بالأفلام المقرصنة أحياناً، وبموقع «تورنت» كحدّ أقصى، إلا أن ذلك لا يُلغي الحاجة إلى مكان لتجربة المشاهدة السينمائية، ومقرّ ماديّ يدعو هذه التجارب ومشاهديها إلى ندوات وعروض ولقاءات. هذا ما صنع موقع «متروبوليس» في أذهاننا وفي ذاكرتنا السينمائيّة الخاصّة. وجود فضاء يحتضن أيّاً كان، وخصوصاً خلال الفترة الأولى لتحرّره من سطوة الأفلام الهوليوودية، حيث ستكون الوجهة غالباً «متروبوليس». آلاف المواعيد عُقدت طوال 13 سنة. تعرّفنا إلى أحدث الإنتاجات العالميّة السينمائية التي تواجه عراقيل في الانتقال من المهرجانات إلى الصالات حول العالم، فضلاً عن استعادة الروائع الكلاسيكية المنسيّة ضمن أسابيع لأشهر معلّمي السينما الفرنسية والإيطالية والسويدية والإيرانية والإسبانية والأميركية والبريطانية والعربيّة حتى من إنغمار بيرغمان، وبيار باولو بازوليني، وفرانسوا تروفو وكلود شابرول وتاركوفسكي وستانلي كيوبريك وهيتشكوك وآخرين. فضلاً عن كونها مساحة للإنتاجات المحليّة التي لا تلقى رواجاً في الصالات الأخرى في البلاد، لأن لا وجود لحيتان يروّجون لها. كل ذلك، بينما طوّرت الجمعيّة شراكات مع مهرجانات أخرى لم يكن أمامها إلا «متروبوليس» لإقامة عروضها، ومع سفارات بلدان نطؤها عادة من عتبة أفلام نشاهدها في «أسبوع الفيلم الألماني»، و«مهرجان السينما البرازيليّة»، و«المهرجان السويدي»، يضاف إلى ذلك، إطلاقها مهرجانات خاصّة مثل «بيروت متحرّكة» لأفلام الأنيميشن، وترسيخها مواعيد سنويّة: «شاشات الواقع»، «مهرجان السينما الأوروبية»، و«أسبوع النقاد» من «مهرجان كان»، و«أيام بيروت السينمائية»...
رسّخت الجمعية مواعيد سنويّة مثل «شاشات الواقع» و«مهرجان السينما الأوروبية» و«أسبوع النقّاد» وغيرها


انطلقت جمعيّة «متروبوليس» قبل يوم واحد من حرب تموز عام 2006، في صالة «مترو المدينة» حالياً واستمرّت بإقامة فعّالياتها هناك لعامين. الجمعيّة التي اتخذت من فيلم المخرج فريتز لانغ اسماً لها، انتقلت بعدها إلى الإقامة في صالة «أمبير» في مبنى «صوفيل» في الأشرفية. لا علاقة للجمعيّة بالقرار الذي يتعلّق بخلاف بين مستأجر الصالة ومالك مبنى صوفيل، سوى أنها راحت ضحيّته. في البداية، ظننا أن القرار نتيجة متوقّعة لأزمة ماليّة ألمّت بــ «متروبوليس» خلال الصيف، أعلنت الجمعيّة عنها حينها، ودعت إلى حفلة موسيقية لجمع الدعم والتبرّعات. تؤكّد مؤسّسة «متروبوليس» هانيا مروّة أن الجمعيّة استعادت قدرتها بما يكفي لعام كامل، لكن سلسلة «أمبير» تعتزم إغلاق صالاتها في لبنان فــ «فرّطت» بـ «متروبوليس» في البداية. إذاً القرار هو قرار مستثمر الصالة الذي يربطه بالجمعيّة عقد برمجة الأفلام واختيارها، عقد أكّدت مروّة أن «الوقت حان الآن لإعادة النظر فيه وفي العلاقة التي كانت تربطنا بالمستثمر». و«حان الوقت» تشير، وفق مروّة، إلى انتفاضة 17 تشرين الأول، التي أقفلت «متروبوليس» أبوابها خلالها التزاماً بقرار إضراب المؤسسات الثقافيّة. تعتقد مروّة أنه مثلما خلّفت الانتفاضة تأثيراً على البلاد والأفراد، فإنها دفعت الجمعيّة إلى إعادة النظر بخياراتها أيضاً، والتمرّد على شروط كانت في السابق تتماشى معها لأنّه «كانت لدينا هموم أخرى تتمثّل بمواجهة الرقابة، وسوق الأفلام والتيارات السائدة». توقّفت «متروبوليس» بسبب الأزمة الاقتصاديّة، رغم أن هناك «برنامجاً مهيّأ لسنة كاملة» تخبرنا مؤكّدة أن الجمعيّة لن نتوقّف عن العمل. «واصلنا العمل في أسوأ الظروف. اعتدنا على الهزّات السياسية والأمنيّة في البلاد. استمرّينا رغم ذلك»، هكذا ستُعلّق النشاطات في الصالة، فيما ستستمرّ مؤسسة «متروبوليس» في البحث عن مكان آخر تنقل فعاليّاتها إليه.