تمكّن الكاتب الراحل ممدوح عدوان من تطويع التلفزيون ومفرداته لصالح الحبكة البوليسية، وقدّم أعمالاً حبست أنفاس الجمهور آنذاك، وصارت حديث الشارع، بقصص تشويقية قوامها جريمة قتل وحكاية البحث عن المجرم... أهم تلك الأعمال «جريمة في الذاكرة» (سيناريو ممدوح عدوان عن قصة آغاثا كريستي «الجريمة النائمة»ـــ إخراج مأمون البني ـــ بطولة سمر سامي وخالد تاجا)، و«اختفاء رجل» (ممدوح عدوان ومأمون البني ـــ بطولة جمال سليمان وأيمن زيدان) و«اللوحة الناقصة» (ممدوح عدوان ومحمد عزيزية ــــ بطولة جمال سليمان). لكن بعد ذلك، خبت أعمال الجريمة وتراجع منسوب البوليسي في الدراما السورية، إلى أن وصلت بعض الأعمال إلى أماكن تثير التهكّم، خاصة عند التعاطي غير المنطقي مع الإمكانيات التقنية والإنتاجية وأساليب الخدع!

هذا العام، يعِد بعض العاملين في الدراما السورية بمسلسل بوليسي محبوك قد يكون عبارة عن كولاج ماهر بين مجموعة أفكار عالمية من دون الإشارة إلى مصدرها الحقيقي. العمل بعنوان «مقابلة مع السيد آدم» (كتابة وإخراج فادي سليم) من بطولة: غسّان مسعود، محمد الأحمد، رنا شميّس، والمصرية منة فضالي وآخرين. ترصد الرواية قصّة واحد من أشهر الأطباء الشرعيين (غسان مسعود) وقد تفرّغ لعمله كأستاذ جامعي معتزلاً مهنة الطب الشرعي. لكنّ وقوع جريمة غامضة لفتاة مصرية تعيش في سوريا تدفع الجهات الجنائية إلى الاستعانة بخبراته. وبعد إصرار، يوافق كي يتمكّن بخبرته من تحديد طريقة أسباب الوفاة، ويلمس دلائل وبراهين تشير إلى المتورطين. لكنّ الأمر لا يتم بهذه البساطة، فالمجرمون شخصيات نافذة، وحيتان مال ورجال أعمال يصلهم خبر عن تقرير الطبيب الشرعي المحبوك، الذي يدينهم بشكل أكيد. هنا، يسارعون لممارسة ضغط كبير على الطبيب كي يغيّر تقريره، فيرفض، ليقوموا بخطف طفلته التي تعاني من متلازمة داون ويهددوه برسالة واضحة تقول: «إن لم تغيّر التقرير سنقتل ابنتك»! تحت هذه السطوة القاسية، يختار ابنته من دون أيّ مزايدات لها علاقة بالضمير المهني. يغيّر التقرير فيعيدوا له الطفلة، لكن بعد نقص في جرعات الدواء وإعطائها أدوية يجب ألّا تأخذها، وهو ما يؤدي إلى وفاتها بعد يوم واحد من عودتها إلى أبيها. يخفي الطبيب خبر وفاة ابنته، ويروّج بأنه أرسلها إلى مركز طبي مختص في بيروت حتى لا يثير الشكوك والشبهات حوله، ومن ثم يبدأ مشواره الانتقامي في مطاردة الناس الذين قتلوا ابنته والقصاص منهم واحداً تلو الآخر حتى نهاية المسلسل. وكونه طبيباً جنائياً، فهو يعرف كيف ينفّذ عمله من دون أن يترك وراءه أيّ دليل، ما يتوّه الأمن الجنائي. مع ذلك، يستشعر المحقّق ورد (محمد الأحمد) بحسّه الأمني بأن آدم يقف وراء هذه الجرائم، لكن من دون أن يمسك طرف خيط واحد له علاقة بدليل يؤكد أنه هو من ارتكب هذه الجرائم! في النهاية، سيضع الرجل نفسه تحت تصرف القانون لكنّ شيئاً ما يوحي ببراءته. علماً بأن شقيقة الضحية (منّة فضالي) ستسافر إلى سوريا لمتابعة التحقيق ومحاولة معرفة قاتل أختها، فيما سترى علاقة غريبة بين المحقق والقاتل يتخللها دخول إلى مناطق عاطفية وإنسانية في حياة آدم ضمن علاقة غير تقليدية، ومنطق لشخصية المحقق يختلف عن النمط الكلاسيكي.

قصة محبوكة بإحكام ودخول إلى أماكن إنسانية في عالم الجريمة


في حديثه مع «الأخبار»، يقول النجم غسّان مسعود: «نحن أمام براعة واضحة في حبك القصة، وخلق التصعيد الدرامي اللازم في مثل هذه الأعمال على وجه التحديد. نحن أمام قصة متماسكة جداً، لكنني كما العادة لا أعد بشيء مسبق، ولا أستعجل بكلام عاطفي. كل ما أقوله بأننا أمام تعاطٍ مختلف، ودخول إلى أماكن إنسانية في عالم الجريمة».
أمّا النجم محمد الأحمد، فيقول لـ «الأخبار» عن العمل ودوره فيه: «لعبة الدراما أن تقدّم لك حكاية في لعب على الوتر العاطفي والإنساني وتحليل شخصية رجل مثقّف ومتعلم وبارع في مهنته، لكنّه وصل إلى مكان أصبح فيه قاتلاً! لا يمكن أن تسميه مجرماً مع أنه يرتكب جرائم متسلسلة، ومترابطة، لكن الدافع انتقامي وليس إجرامياً. لذا ربما يجد المشاهد نفسه في مكان ينسج له الذرائع والمبرّرات بسبب ما تعرّض له. أمّا المحقق، فسيدرك شخصية القاتل لكنه لا يملك ولا دليلاً واحداً على ذلك. وفي النهاية، سيلقي القبض عليه لكن المفارقة بأنه لن يتعاطى معه كمجرم بشكل تقليدي وستكون الحلول مفاجئة وغير متوقعة والنهايات مفتوحة».