في آخر مباراة علّق عليها المعلّق الإماراتي علي سعيد الكعبي، على قنوات beIN Sports، قبل استقالته، كان حَكَم المباراة أوكرانياً. وصفه المعلّق بالـ«مغمور». لم يكتف بذلك، بل شرح للمشاهدين، مشكوراً، عن سوء الأحوال هناك. وإن كان شرحه سطحياً ويفتقر إلى الدقة، فإنه أشار إلى نقطة مهمة، وحذّر من «تدخل روسي هناك»، مشيراً إلى أن «ثمة مخاوف جديّة» من حدوث الأمر.


في تلك الأثناء، كان الحكم يتفقد بطاقاته الصفراء والحمراء، ريثما تنطلق مباراة إيطاليا وإسبانيا الوديّة التي أقيمت تكريماً للمدرب الإسباني الراحل، لويس أراغونيس. ملاحظة مهمة أخرى: التشيلو والغناء. افتتحت المباراة على هذا النحو، لكن الكعبي لم يذكر اسم العازفة ولا المؤديّة. ربما عدّه ترفاً. فضّل الحديث عن الأزمة الأوكرانيّة وضرورة الحد من التدخل الروسي. ثم بدأت المباراة الأخيرة. لم يكن المعلّق يعرف أنها الأخيرة له، واستقال بعدها، لأسباب سياسيّة أيضاً، تتعلق بقرارات «مجلس التعاون الخليجي»، بتوجيه «بطاقة حمراء» إلى قطر وإمبراطوريتها الرياضيّة. وفيما نتحدث عن كرة قدم وتشيلو وغناء، يبدو واضحاً إفراط المعلّقين في السياسة، عندما يؤدون وظائفهم، وتالياً، عندما خرجوا منها. في أول تعليق له عبر حسابه على تويتر، وصف الكعبي مالك beIN Sports ناصر الخليفي بالصديق، مودعاً زملاءه في المحطة، ما يوحي بأن قراره ليس شخصياً. ثم تبعه المعلّقون الآخرون. أما الحكم الأوكراني، السيد آرانوفيسكي، فقد أطلق صافرة النهاية، معلناً فوز إسبانيا على إيطاليا، في مدريد، بهدفٍ ساذج يتحمل مسؤوليته الحارس الإيطالي جانلويجي بوفون تماماً.
في حالة بوفون، المسؤوليّة واضحة. تتخذ اللعبة مساراً واضحاً. سدد بدرو رودريغز الكرة إلى المرمى، فأخطأ بوفون، وخسرت إيطاليا. لكنها مباراة وديّة، استعداداً لكأس العالم. وإذ يمكن الاعتبار أن المعلّقين يصيرون جزءاً من اللعبة، فإن تحديد مسؤولية خروجهم ودخولهم إلى منازل ملايين المشاهدين، لا يبدو صعباً هو الآخر. في وقت لاحق، استقال محمد الشمسي، حسن الجسمي، فارس عوض، الذي لديه قصة غريبة مع «الجزيرة» هو الآخر، ومحلل رياضي هو سلطان راشد. في وقت سابق، اشترت «الجزيرة الرياضيّة» حقوق نقل الدوري الإنكليزي لكرة القدم، وهو الدوري الأكثر متابعة في العالم. اشترته حارمة قناة «أبو ظبي الرياضيّة» إياه، ما حوّل القناة الأخيرة إلى شاشة بلا جمهور. وأخذت مع «حقوق البث» معلّقي «أبو ظبي»، فارس عوض وفهد العتيبي، اللذين يُعَدّان للجماهير، نجمين بدورهما، ولا يمكن الاستغناء عنهما. والذي يرى جدران قطر ويراقب نوعية «غرافيتي» الناس هناك، يفهم إدمان الخليجيين لكرة القدم. يمكنك أن ترى في الكثير من شوارع الدوحة كتابات داعمة لبرشلونة وميلان ومانشستر يونايتد، وعلى هذا المنوال. وهذه فرق أجنبيّة، كانت لوقت طويل مطية اتكأت عليها «الجزيرة الرياضيّة» لمدّ جسور التواصل مع المشاهد العربي الذي لم يبق له سوى كرة القدم. هذه الجسور أدت وظيفتها على نحو إيجابي قبل انطلاق «الربيع العربي»، ما عزز مكانة المحطة القطريّة في نفوس مريديها. ودفع الشق الرياضي من «الجزيرة» أثماناً باهظة لاحقاً، لتراجع دور «الجزيرة» في المشهد العربي، ما أدى إلى تغيير اسمها، تنصلاً من «الجزيرة» الأم. صارتbeIN Sports، لكنها اليوم، تلاحق من السعوديّة وأخواتها، لا للدلالة على حجم الفجوة بين الخليج وقطر فحسب، بل لأن السعوديّة تريد السطو على إمبراطوريّة قطر الرياضيّة أيضاً، كما يقول عارفون في الأخيرة. يعتقد السعوديون أن مشاهدة القنوات الرياضية القطرية بيدق آخر على رقعة قطر، يجب القضاء عليه، كعلاقتها مع «حماس» أو الإخوان المسلمين في مصر. بمعنى آخر، تعتقد السعوديّة، أن القنوات الرياضيّة، «قادرة على التأثير على المشاهدين وتوطيد علاقتهما بالإمارة القطريّة على المستوى نفسه تقريباً». حتى في حالة تحسن العلاقات وعودتها إلى طبيعتها، فإن مشروعاً سعودياً يُعَدّ له، لمنافسة beIN Sports، سيكون على غرار ثنائيّة «الجزيرة» و«العربيّة». طبعاً، يُعَدّ هذا مزيداً من «التخريب» لكرة القدم. الآن، بقي في beIN Sports المعلّقون من الجنسيات غير الخليجيّة. واللافت أنّ الباقين يتفوقون على نظرائهم في الكفاءة المهنيّة، بينما يحظى الراحلون بشعبيّةٍ محلويّة، على قياس الأرضية السوسيولوجية الخليجية. في ضوء كل هذا، وإذ تبدو السعوديّة في موقع الهجوم، ورغم الصفعة، الكرة لا تزال في ملعب قطر. إمبراطوريتها مستمرة: «برشلونة» سيواجه «مانشستر سيتي» منتصف الأسبوع المقبل. وفي السعوديّة، بلا شك، سيضطرون إلى مشاهدة المباراة المنتظرة عبر قنوات beIN Sports.

يمكنك متابعة أحمد محسن عبر تويتر | @Ahmad_Mohsen