تونس | الدورة الثالثة من «ملتقى مخرجي الأفلام التونسية» التي احتضنتها العاصمة ونظمتها «جمعية المخرجين السينمائيين التونسيين» كانت مناسبة لعشّاق الفن السابع لاكتشاف الأعمال التسجيلية والروائية الجديدة. شهد الملتقى عرض أكثر من 40 فيلماً بين روائي وتسجيلي وقصير وطويل، وكان الحضور الأكبر فيها للشباب الذين تحدوا ضيق السوق وغياب الصالات والدعم الرسمي لينتجوا سينما تحمل الكثير من ملامح تونس في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد «الثورة».


لم يغب عن الدورة أيضاً بعض المخرجين المكرسين مثل النوري بوزيد، وعمار الخليفي، وإبراهيم لطيف، والناصر خمير والطيب الوحيشي. الأخير قدم عملاً لافتاً طرح أخيراً في الصالات يحمل عنوان «طفل الشمس». يصور الطيب الوحيشي هنا قصته مع الألم والمرض بعد الحادث الأليم الذي تعرض له في دبي قبل سنوات، وأقعده عن الحركة وأصبح يتنقل على كرسي متحرك. لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة الإنتاج السينمائي. وقد اتخذ من حكاية شخصية حدثت له في باريس لتكون منطلقاً للشريط: رجل مقعد يعيش وحيداً. ذات يوم، يقتحم شقته شاب ومعه فتاتان بعدما أمضوا سهرة في ملهى ليلي ليكتشف أنّ قصة الشاب تشبهه. إنّها الحكاية نفسها التي عاشها الطيب الوحيشي قبل سنوات في باريس عندما زاره شاب مع صديقته، فاستقبلهما بحب قبل أن يكتشف أنهما استوليا على الكثير من أغراضه الشخصية. الشريط الذي يظهر فيه الطيب الوحيشي هو تأكيد لرغبته في الحياة ومقاومة الألم. من جيل الطيب الوحيشي أيضاً، قدم الناصر خمير (1948) شريطاً جديداً بعنوان «ياسمينة وأسماء الحب الستون». شريط تسجيلي يمثّل فيه الناصر خمير، ويصوّر حكاية خالته ياسمينة التي تجاوز عمرها المئة عندما بدأ في تدوين حكاياتها. تتحدث ياسمينة عن شقيقها الذي أحب امرأة وضيّعه الحب، وظلت تبكي غيابه بحرقة. يتنقل خمير بكاميرا صغيرة قال إنّه اشتراها في إحدى سفراته الكثيرة بين مراكش وغرناطة وتونس وقريته قربة في الوطن القبلي التونسي، مبرزاً تجاعيد وجه خالته الذي يكاد يلتصق بالأرض بسبب الانحناء في دلالة على قوة الزمن الذي يغالبه الإنسان، ولا يملك إلا الحب يواجه به قهر الزمن وقسوة الأقدار. الشريط مفعم بالشعرية ككل أعمال خمير ولا يختلف عن أفلامه السابقة ذات المنحى الصوفي مثل «الهائمون في الصحراء»...
بعيداً عن التهويمات الصوفية والسيرة الذاتية، قدم نجيب بلقاضي شريطه «بيستاردو» الذي ينتمي إلى مدرسة الواقعية السحرية. بدأ العرض الأول للفيلم ضمن «مهرجان أبو ظبي» وجال على بعض المدن التونسية ضمن عروض مجانية قبل أن يحطّ في الولايات المتحدة. في باكورته الروائية الطويلة، يقدم بلقاضي حكاية أحد الأحياء الشعبية الفقيرة حيث تتحكم بها عصابة تقودها امرأة اسمها «خضراء» (الأسعد بن عبد الله) تفرض على السكان دفع ضرائب، ومن يرفض الدفع ينكَّل به. في هذا الوقت، نشاهد حياة محسن (عبد المنعم شويات) الملقّب بـ«بيستاردو» الذي عثر عليه في مكبّ للقمامة ليعيش مجهول النسب. لكن «بيستاردو» يتمكّن من إبرام عقد مع شركة اتصالات لنصب محطة إرسال فوق بيته مقابل مبلغ مالي شهري كبير. تتغير حياته ويحاول أن يكون رجل الحي القوي، ما يجعله يتصادم مع «خضراء» ورجالها. قال المخرج نجيب بلقاضي إنّ قصة الشريط كتبت بين ٢٠٠٧ و٢٠٠٩ أي خلال عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. لم يكن آنذاك ممكناً تقديمها في السينما؛ إذ يصوّر الشريط في منحى رمزي لا تخفى دلالته التنافس على احتكار النفوذ المالي بين العائلات المتصاهرة والقريبة من عائلة بن علي التي كانت تحتكر شركات الاتصالات والإذاعات الخاصة.
يعدّ نجيب بلقاضي من أبرز المخرجين الجدد في تونس. كان شريطه التسجيلي «كحلوشة» بداية شهرته، حيث صوّر قصة شاب اسمه منصف كحلوشة مفتون بالسينما ويصوّر أشرطة الفيديو ويعرضها لأصدقائه من دون أن تكون له أي معرفة بالسينما. حقق الشريط الذي قدمه قبل سبع سنوات شهرة واسعة لفتت اليه الانتباه النقدي.
لم تغب عن الملتقى الأفلام التسجيلية التي دوّنت عامين من حكم الإسلاميين، أبرزها «صب الرش» لسمير الحرباوي. من خلال شهادات المصابين وعائلاتهم، يصوّر العمل وقائع الجريمة التي ارتكبتها حكومة الإسلاميين الأولى ضد المواطنين في مدينة سليانة شمال غرب البلاد. يومها، استُهدف المتظاهرون احتجاجاً على غياب التنمية، بسلاح «الرش» الذي أثبتت الأبحاث أنّه «هدية» من قطر، وهو مخصص لصيد الخنازير. وقد أصيب عدد كبير من المواطنين إصابات أفقدتهم البصر جزئياً أو بنحو كامل. وقد غادر المواطنون مدينتهم وتركوها خالية احتجاجاً على عدم إقالة المحافظ.