يعود جو قديح بعرض مسرحي متكامل بعنوان «ميشال وسمير» (تأليفه وإخراجه) بعد غياب سبع سنوات متواصلة كان غارقاً فيها بفن الـ«ستاند آب كوميدي». لكن جرأة الخطوة لا تكمن في العودة فقط الى خيار المسرحية المتكاملة، بل في نوع المسرحية. ظنّ الجمهور أنه سيسمع قفشات قديح على الخشبة، خصوصاً أنّ العنوان يحمل ما يثير التوقّعات حول ممثلين سيقومون بتقليد أكثر الزعماء المسيحيين شهرة: ميشال عون وسمير جعجع. لم يعتمد قديح الخيار السهل والآمن. فاجأ الجمهور بتقديم نصّ من نوع المحاكاة التهكمية قائم على شخصيات مسرحية تدور في إطار عبثي مستوحى من عبثية الوضع السياسي والمعيشي في

لبنان.

يقوم النص على معطيات من ثلاثة مراجع مختلفة شكّلت حبكات متوازية عدّة في قالب درامي واحد، ما أدّى الى مسرحة عالية. الحبكة الأساسية تدور في مستشفى للأمراض العقلية، وهو القالب الأساسي للنص. لكنّ المريضين يظنان أنّهما زعيمان سياسيان، ما يضيف الى عبثية الموقف، ويسهم في تشكيل حبكة درامية ثانوية متوازية قوامها سياسي. أما الطبيب النفسي (أنطوان بلابان) فيتحول الى مجنون يتوهّم أنه أوديب ملك طيبة، وأنّ المريضان (هشام حداد ورودريغ سليمان) هما ولداه، ما يخلق حبكة درامية ثانوية أخرى أكثر عبثاً وقوامها التراجيديا الإغريقية.
بين هذه الحبكات وشخصياتها والعوالم الثلاثة المختلفة تنسَج الخيوط في لعبة أدوار عبثية تنمو الى ما لا نهاية. من هنا تكمن الكوميديا، أي في أدوات النص، كالحبكة والفعل الدرامي والمسرحة والشخصيات والوضعيات أكثر منها في قفشات كلامية معهودة لقديح، مع أنّ العرض لا يخلو من بعضها (القفشات) الذي يضيف عبثية مثيرة للضحك. أجاد قديح الكاتب القفز بين الحبكات الدرامية المختلفة، فكل واحدة لها دلالاتها الخفية التي تشير الى عناصر في الحبكة الأخرى في إطار المحاكاة التهكمية. المريضان يرمزان إلى السياسيين، ورقماهما (1989 و2005)، الى لحظات تاريخية محورية في حياة هذين السياسيين وحبوب الأدوية التي يتصارعان عليها، ترمز الى الحصص السياسية، والكرسي ترمز الى الرئاسة... يعاني المريضان من خصائص شخصية الزعيمين وأمراضهما النفسية (كجنون العظمة لميشال، والادعاء بالطهارة والبراءة لسمير)، ما سمح لقديح بوضع الزعيميْن في مواقف ساخرة مختلفة كان يمكن أن يذهب بها الى مرحلة أبعد.
لا تقتصر عمليّة الإسقاط على الزعيمين، بل تطال وضع البلد بأكمله. حتى الطبيب المعالج الذي كان يُعتمد عليه في الإمساك بالأمور يتحوّل الى مجنون. بعدما كان الطبيب العاقل قد طرح سيرة أوديب من ناحية المفهوم النفسي (عقدة أوديب) ليفسّر عِقَد المريضين، ذهب في هلوساته الجنونيّة الى سيرة أوديب بمفهوم البطل التراجيدي، بما يعكس لنا وضع البلد «المريض» ككل.
تتبلور عملية الإسقاط في جلسة كان يفترض أنها جلسة علاج بالدراما، لكن يتّضح أنها جلسة تذهب الى الجنون لا العلاج، حيث تطرح من خلال لعبة المسرح داخل المسرح تمثيلية «الملك أوديب». حينها، تتشابك الخيوط بعضها ببعض بِتشابُك الأدوار، فيصبح المريضان/ السياسيان هما أيضاً ولدَي أوديب (الطبيب المعالج المجنون) اللذين يرغبان في ممارسة الجنس مع والدتهما جوكاستا (الممرّضة ماغي بدوي)، مع دلالة الى أننا نعيش تراجيديا في بلادنا تعاد وتتكرر مع كل جيل الى ما لا نهاية.
إخراجياً، دارت الأحداث في فضاء فارغ ارتكزت على اللعبة الدرامية، وكان خياراً يتلاءم مع أهمية التركيز على المسرحة والعبث في مكنونات النص. كذلك اعتمد على إدارة التمثيل حيث تمكّن الممثلون من أداء أدوارهم بشكل مقنع وعفوي. وقد يكون إتقان الأداء متوقعاً من قبل الممثليْن المحترفيْن بلابان وسليمان، إلا أن هشام حداد غير المحترف مسرحياً شكّل مفاجأة للجمهور باحترافه الأدائي العالي وحركته النظيفة وحضوره القوي ولعبة أدائه.
«ميشال وسمير» يصوّر بلادنا كعصفورية، ومأساتنا أنها تنبع من انعدام بصيرتنا ومن عبثية خيارنا لتقديس أبطال مجانين. نتوه في لعبة مسرحية داخل لعبة داخل لعبة الى ما لا نهاية في عملية أقرب الى الـmise en abyme بالنسبة الى الحبكات والأدوار المختلفة، تماماً مثلما نتوه في دهاليز لعبة جنون وصراعات زعمائنا.
عرض جو قديح مشغول بحرفية ودهاء، وذو بعُد نقدي أقرب الى الهجاء السياسي والاجتماعي في إطار عبثي مضحك.

*«ميشال وسمير»: 20:30 من الخميس إلى الأحد حتى 31 آذار (مارس) ـــ «مسرح الجميزة» ــ للاستعلام: 76/409109




الملك والعقدة

كان أوديب ملكاً لطيبة في الميثولوجيا الإغريقية. وتحققت النبؤة في أنه سيقتل والده ويتزوّج من أمه وبذلك سيجلب الخراب لمدينته. وقد اقتبس سوفوكليس هذه القصة في تراجيديا «الملك أوديب» (429 ق.م). يحمل أوديب في المسرحية التراجيدية فكرتين من الميثولوجيا الإغريقية: طبيعة الإنسان الهشّة ودور الفرد في تحديد مصيره. المسرحية مثال للتراجيديّة الكلاسيكية التي تتمحور حول تأثير أخطاء البطل التراجيدي في سقوطه بعيداً عن حتميّة المصير. تم سرد هذه الأسطورة في إصدارات عديدة وفي مجالات مختلفة أبرزها مع سيغموند فرويد (الصورة) الذي فسّر قصّة أوديب من منطلق نفسي.