ما آلة الزمن السحريّة؟ هي كتاب، ومعرض يترجم الكتاب بقياس الحقيقة. حقيقة تظهر للعلن للمرة الأولى بعد نصف قرن. على أرض وطنه، يُكشف للجمهور فصلٌ هامٌ من تاريخ الفنان حسين ماضي (1938). يعود إلى بداية وصوله إلى روما عام 1963 للدراسة في أكاديمية الفنون الجميلة، لغاية عام 1970. الكتاب الفنّي بنسخات محدودة (ومرقّمة)، يؤّرخ حقبة روما المخفية من تاريخ إنتاجه الفنّي. وقد ترافق الإصدار مع معرض نوعي وفريد، لمجموعة الأعمال المتحفيّة هذه، عُرضت للمرة الأولى أمام الجمهور. كنز كان بحوزة مازن سويد المقتني الشغوف بأعمال ماضي. هكذا تم الاحتفاء بالمعلّم اللبناني في النسخة الأخيرة من «معرض بيروت للفن»، ضمن القسم المخصّص للإضاءة على «لبنان الحداثة». كان المعرضُ واحداً من الأكثر دقّة في التنسيق، وجودةً في احترام الرائين تماماً كالكتاب المتقن الذي يظهر كنز ماضي المخفي. وقد حمل التنسيق بكفّتيه- المعرض والكتاب- توقيع القيّم والتشكيلي اللبناني الشاب والمدير المشترك لدار «دونغولا»: عبد القادري. نقل الأخير كنز ماضي هذا إلى رؤية مختلفة كليّاً عن المعتاد، واضعاً الأعمال في إطارٍ استثنائي، عبر رحلة في الزمن حملتنا معها من روما الحداثة إلى بيروت المعاصرة، وحملت ماضي من ماضيه المدهش إلى صيغة معاصرة جداً، صاغها القادري من خطوط حسين ماضي.
من دون عنوان (زيت على كانفاس ــ 160 ×390 سنتم ــ 1969/مرحلة روما)

المدن الخالدة، في يوم واحد، تعيد عجن طحيننا بمائها ونورها، تنفخ فينا الروح. تغيّر مسارات أقدارنا. تعيد تشكيلنا. تمطرنا بطاقة سحريّة! روما.. روما بالذات، ولمدة 22 عاماً، كانت كفيلة بقلب الموازين، غيَّرت مسارات بنيويّة في خارطة حسين ماضي التشكيليّة. الجولة في هذا الكتاب الفريد، والمعرض النوعيّ المرافق، كشفت للرائين خبايا وخفايا التحولات التي لا نعرفها عن أعمال ماضي. أعمالٌ ترسم جسر عبوره إلى المرحلة التالية التي يُعرف بها الآن. تربط كل الحقبة المرحليّة بالماضية، فتكتمل الصورة لدى المؤرّخين الفنيين، وسواهم من محبّي الفن، فن حسين ماضي بالذات. يأخذ القادري خطوط ماضي، يعيد تشكيلها، كمهندس مرمم لأثر تاريخي، يقدّمه في قالب معاصر، يجرؤ على خوض المحرّم، يكسر تقاليد اللون، مختاراً البرتقالي المُشعّ خلفيّة لخطوط ماضي السوداء. يسحبنا مغناطيسياً إلى كوكب مجهول، مخفيّ من عوالم ماضي، كوكب روما.
هذا الفصل المجهول من بداية إنتاجه الفنّي، رسم خارطة تحوّل جذريّة، في كيفيّة رؤية ماضي للمادة البصرية التي يصيغها ويقدمها للرائين. هنا مناظر طبيعيّة بغالبها للريف الإيطالي، بيوت وأشجار، وسهول. المجموعة عُرضَ منها 47 عملاً، فيما يحوي الكتاب 80 صورة ومستنداً. يقع الكتاب في 500 نسخة مرقّمة، وقد صدر عن «دار دونغولا» (للكتب الفنيّة محدودة النسخ) بتوقيع القادري. فما هو هذا الكنز المخفي؟ وماذا يقول لنا الكتاب؟

غلاف الكتاب الفني (طباعة حريرية)

«في أحد أحياء روما المكتظة القريبة من أكاديمية الفنون، يجلس فنانٌ شاب في مقهى «بار العرب» كما كانت تحلو لرواده من الفنانين تسميته. عند المغيب، ينتظره وكما في كلّ يوم فنجان القهوة الإيطاليّة. يمسك بكرّاسٍ من أوراق بيضاء، ويدير ظهره لجدارية كبيرة تطالع الزائرين، يخط أشكالاً مبهمة، خطوطاً منحنية وأخرى مستقيمة، مذيّلاً هامش الصفحة بملاحظات دقيقة. يعود إلى محترفه ليناظِر لوحة نفّذها بالأمس على عجلٍ لمشهدٍ طبيعي عند تخوم العاصمة الإيطاليّة الساحرة، يتذكّر اللحظة يبتسم ويقلب اللوحة. في المحترف أسطحٌ بيضاء كثيرة في انتظاره، يلتقط واحداً منها ويباشر رسم عصافيره وشخوصه، وربّما نفسه. كلها لها الشكل نفسه. ربما هو نفسه العصفور، ورقة شجر الصفصاف الإيطاليّة أو ذاك الشيء القابع بين الشيء وظلّه».
هكذا يستهلّ عبد القادري الكتاب والحوار الاستثنائي مع حسين ماضي عن مرحلة روما (1964-1970) المجهولة كليّاً لدى الجمهور العريض، فتُروى القصة بتفاصيلها، مرفقةً بصور الأعمال وقصصها.
يدخلنا بسحره عبر آلة الزمن إلى روما في ستينيات القرن الماضي. نجول معه، تماماً كما فعل بنا في المعرض. والأهم، أنّ هذه الجدارية التي حُكي عنها في النص، أصبحت في بيروت اليوم. لكن مهلاً، ما قصّتها؟ ما قصّة المجموعة؟ كيف عادت إلى الوطن؟ من كان مقتنوها الأوائل في روما؟ وكيف رأتها عينا ماضي من جديد بعد نصف قرن؟

من دون عنوان (زيت على قماش ــ مرحلة روما)

«لم أتوقّع يوماً أن أعاود رؤية هذا الجزء من تاريخي الفنّي حاضراً مجدداً أمام عينيّ. هذه اللوحات أعادت لي الكثير من ذكريات فترة جميلة وحرجة في آن، قضيتها في روما. المجموعة برمّتها تعني لي الكثير، كوّنت خلالها علاقة وطيدة مع الطبيعة، حيث كنت أحمل ألواني معي أينما حللت. ما إن ألمح مشهداً طبيعياً يلفتني حتى أترجّل من السيارة وأقتنص روح المكان وجماله بلوحة صغيرة أشبه بمذكّرات بصرية لأماكن وأزمنة جديدة أعايش تفاصيلها وأتآلف مع تبدلاتها وألوانها» يجيب حسين ماضي في الحوار الخاص مع القادري، المخصص لهذا الكتاب الفنّي.
«الشيء الوحيد الذي اصطحبته معي إلى روما قبل أكثر من 50 عاماً، كان غربتي» يقول ماضي للقادري. في كانون الأوّل (ديسمبر) عام 1963 حطّ ماضي الرحال في روما. انكبّ على الرسم. المناظر الطبيعيّة كانت الأساس. فيها تبسيط مدهش وبحث لونيّ أخّاذ، يشي بصراحة مباشرة بالباليت الخاصة بماضي الذي نعرف. فيها دفء وبحث مهول على العجينة اللونية. لا تصدق العين لدهشتها قوّة المادة البصرية التي أمامها، نرى سياق تحوّل ريشة ماضي ولونياته وتأليفاته أمام عيوننا في مرحلة تقارب سبع سنوات فقط ليصل إلى ما نعرفه الآن. تتحوّل المساحات تدريجاً إلى خطوط، والأشكال إلى لون موحّد. يذهب إلى التجريد والترميز كلما تقدّم الوقت في روما. والأعمال يقتنيها من يقتنيها في روما، أبرزهم طبيب، وصاحب شركة أدوية. يهدي ماضي المعلومة لعبد القادري، فيحيلها الأخير أيضاً إلى الكتاب: «هذه الأعمال اشتراها السيد جيرولامي صاحب شركة الأدوية الذي كان أيضاً مديراً لسلسلة فنادق، ومقتنياً وبائعاً ذائع الصيت. كان مهتماً بهذه الأعمال كونه قادراً على تسويقها وبيعها. هذه اللوحات جزء صغير مما اشتراه مني في السنوات الست الأولى لي في روما». والطبيب المقتني؟ «الطبيب هو فرانكو بيرغامي، كان صديقي المقرّب وطبيبي. اقتنى أعمالاً كثيرة لي (..) واستمرّت صداقتنا لحين وفاته» يضيف ماضي في حديثه مع القادري.
رحل المقتنون الأوائل، وبقيت لوحات ماضي في مسقط رأسها، روما، مدّة نصف قرن. ثم بالمصادفة أو بالقدر (لمن يؤمن به)، وصلت إلى إيدي المقتني اللبناني مازن سويد. يقول الأخير: «هذه المجموعة أتت كمصادفة! تماماً كما يلعب طفل صغير وهو يحفر، وإذ به يكتشف كنزاً. هذا ما حصل معي. لفرحتي بها وددت أن يراها كل الناس، خاصة أنها لم تُرَ من قبل. وليس مثلها شيء لحسين ماضي. ما دعاني للاستغراب بدايةً، ولكن طبعاً كلما عشتِ معها أكثر، كلما رأيتِ فيها حسين ماضي أكثر. وهذا بالضبط ما التقطه أيضاً عبد القادري، سواء بخيارات الألوان أم في تنسيق المعرض، أو في الرؤية الإخراجية للكتاب».

من دون عنوان (زيت على قماش ــ مرحلة روما)

من بين الأعمال المستعادة (عبر مزاد علني) التي عُرضت ضمن «بيروت آرت فير» كانت الجدارية. وهي حتى اليوم أكبر عمل رسمه حسين ماضي على الإطلاق بطول متر وستين سنتيمتراً وعرض ثلاثة أمتار وتسعين سنتيمتراً. أمّا القصة فيرويها ماضي: «كان مقهى «بار جميل» في روما ملتقى لمجموعة كبيرة من الفنانين العرب، وقريباً جداً من الأكاديميّة. أذكر منهم صديقي الراحل ابراهيم مرزوق، والفنان العراقي خالد الرحال الذي اعتقد أنه من أهم الفنانين العراقيين، والفنان الليبي طاهر المغربي. مالك البار رجل إيطالي وزوجته كانا محبّين للفنون (..) اتفق معي أن أحصل على فنجان قهوة مجاناً إذا رسمت العمل. لم يكن محفّزي الأوّل طبعاً فنجان القهوة بقدر ما شعرت بالسعادة أنهما اختاراني لتنفيذه، خصوصاً من منطلق موقع البار الثقافي كونه محطة للفنانين والأدباء وخصوصاً العرب كما ذكرت. هذه كانت المكافأة الحقيقية لي، وليس المردود المادي».
ذهب إلى التجريد والترميز كلّما تقدّم الوقت في روما


هي ببساطة مرحلة روما كما يعلنها إمضاء ماضي على خلفية الأعمال حينها، وكما يظهره غلاف الكتاب الفريد (بالطباعة الحريرية لكل نسخة). المدينة الخالدة التي غيّرت أقدار فنانين كثر، من بينهم حسين ماضي. يخلص القادري في الكتاب: «في روما حيث عاش 22 عاماً من حياته، أنتج الفنان حسين ماضي مئات اللوحات، فهو كما معروف عنه لا يتوقف عن الرسم والنحت والتلوين. هو واحدٌ من أكثر الفنانين العرب إنتاجاً. آلاف الرسومات والتخطيطات، مئات اللوحات وأعمال الحفر والنحت تتوزع بين محترفه اللبناني اليوم وبيوت المقتنين في شتى أصقاع العالم. لكن وعند عتبة الثمانين، تطفو على ساحة المشهد الفني المعاصر، لوحات بالعشرات شكلت قفزات أساسية في تاريخ ماضي، لم تعرض ولم يعلن عنها من قبل. يطالعها، يبتسم أيضاً ويجيب بلكنته اللبنانية: إيه هيدا أنا!».



«دونغولا»: مقاومة الطمس الثقافي
صدر كتاب حسين ماضي الفنيّ الخاص هذا تحت عنوان Unxecpected Trove/ The Unseen Works of Hussein Madi/ Roma 1964-1970 عن دار فريدة في لبنان، تهتم بنشر الكتب المحدودة النُسخ. الدار أسستها سارة شلبي قبل عامين في بيروت، بمعيّة عبد القادري، وسمّيت على اسم المملكة النوبية في السودان: «دونغولا» تحت شعار «مقاومة الطمس الثقافي». تشرح سارة شلبي: «شعار «دار دونغولا» بالتأكيد ليس سياسياً، إذ ليس لدينا أي برنامج ولا أي طموح سياسي. لكننا نعتبر أن الثقافة والفن كأي وسيلة تعبير ثانية، بل هي الأكثر إنسانيّة.
ثم إنّ التعبير والثقافة يجب أن يكون لديهما قدرة على إيصال الصوت. ومن الضروري أن نأخذ ما يستطيع الفنانون أن يعبّروا عنه في بلادنا ومنطقتنا ونحاول إيصاله إلى مكان ثانٍ. نطمح أيضاً أن نستطيع التكلم بمواضيع غير مقبولة كثيراً في المجتمع، ولكننا لم نصل بعد إلى هذه النقطة. ما زلنا في خطواتنا الأولى، ويهمنا جداً أن نقف إلى جانب الفنانين والكتاب والشعراء. اليوم، وجودنا كدار يعبر عن تمسكنا بالورق والكتاب وكل هذه الأمور التي تتحول مع العالم الرقمي والشاشات والهواتف الذكية وغيرها. فهذا ما نحب أن نفعله/ نترجمه».

من دون عنوان (زيت على قماش ــ مرحلة روما)

تهتم «دار دونغولا» بخلق مساحة للتعاون بين الفنون البصرية وتحديداً وسائل الطباعة التقليدية أو المعروفة متل الحفر على الزينك أو الطباعة الحريرية، وكل تقنيات الطباعة، حتى الرقمية والتصوير الفوتوغرافي.
يقول المدير المؤسس للدار عبد القادري لـ «الأخبار»: «نتعاون مع الفنانين والكتّاب. نهتم تحديداً بالفنانين من الشرق الأوسط، وهذا النوع من الفنون غير متداول كثيراً في عالمنا العربي. وهو معروف أكثر في أوروبا، أقصد هنا: كتاب الفنان. نحاول أن نكرّس هذا النوع من الممارسات الفنيّة وتحديداً في بيروت التي لطالما عرفت كعاصمة للنشر والطباعة. طبعاً يهمنا أن نعالج المواضيع المرتبطة بالواقع الاجتماعي والسياسي والحضاري للمنطقة. وكل سنة نركز على موضوع، عبر اختيار مجموعة فنانين نعمل معهم. أهدافنا كثيرة، كالتوسع ليشمل المشروع إقامة فنان ومعارض تتزامن مع إطلاق كل كتاب. وهذا ما أحاول فعله منذ أن أسسنا الدار. طبعاً فريقنا يتألف من مجموعة خبراء أو أشخاص نتعاون معهم دائماً. المدير الفني في هذه الدار، هو رضا عابديني، وهو دائماً معنا في إنتاج الكتب والمشاريع التي ننجزها، خصوصاً كتب الفنانين».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن كتاب ماضي يحوي جزءين: واحد بالعربية يتضمن الحوار الخاص الكاشف للتفاصيل المخفيّة، أجراه القادري مع ماضي. والثاني باللغة الإنكليزية يقع في نصّين لماري طنب، وريبيكا بروكتور. أما الرؤية العامة والإشراف، فكان لمدير الدار عبد القادري نفسه.