بعد أكثر من خمس سنوات على رحيله، يباغتنا محمود درويش (1941ـــ 2008) بكتاب جديد. لحسن الحظ، لم تتكرر كارثة نشر المجموعة الأخيرة «لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي» (2009) التي لم نجد فيها درويش الفعليّ، بل ما أراده ناشره وعدد من أصدقائه. هذه المرة، تسلّحت الصحافية إيفانا مرشليان بأوراق درويش وخط يده وتوقيعه لإصدار كتاب «أنا الموقّع أدناه محمود درويش» (دار الساقي ـــ 2013) الذي يضم حواراً قديماً أجرته مع درويش عام 1991، ليتفقا لاحقاً على نشره حين تمر خمس سنوات على رحيله. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام: يحضر درويش في القسمين الأخيرين اللذين يضمان الإجابات عن أسئلة الحوار بخط يده، وألبوم صور للشاعر في شقته الباريسية تُنشر للمرة الأولى.


أما في القسم الأول الذي ضمّ مقدمة طويلة لمارشليان، فنجد درويش كما اختزنته ذاكرة الصحافية؛ إذ بدت المقاطع التي يتحدث فيها درويش كأنها على لسان مارشليان لا لسانه، بوجود تباين واضح بين اللغة الدرويشية (سواء كان ذلك في هذا الحوار أو في حوارات سابقة)، وبين اللغة التي ألبستها فيها مارشليان أسلوبها الذي يمكننا فيه التقاط التشابه بين المقاطع المفترضة لدرويش والسرد التوصيفيّ لشوارع باريس وطيورها الذي مهّدت به مارشليان للحوار.
في الحوار الممتد على 26 صفحة بخط درويش، سنجد كل المكوّنات التي ستؤطّر شعر درويش اللاحق في مرحلته الجديدة الأخيرة الممتدة من مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» (1995)، وصولاً إلى «كزهر اللوز أو أبعد» (2005). أمه حورية، ريتا، فلسطين، بيروت، الأنثى، الحب، والعالم الجوّاني الذي أوغل فيه درويش بعد انتهاء مرحلته «الفلسطينية الوطنية» التي بدأت أواخر ستينيات القرن الماضي. ليس ثمة جديد في أفكار درويش في هذا الحوار عند المقارنة بحوارات كثيرة لاحقة، ولكن خصوصية الحوار والكتاب تنبع من أن درويش، هنا، كان يكتب وفي ذهنه بذور وهواجس التحضير للانعطافة اللاحقة في شعره وكتابته عموماً. يبدو درويش وكأنه كان يسدّد ديناً مؤجلاً لجوهر القصيدة التي أثقلتها الشعارات الصاخبة، وللأنثى التي غالباً ما كانت ظلاً للأرض بدلالاتها المتعددة في قصائده القديمة. يمكننا في هذا الحوار التقاط اللحظات التمهيدية لما سيأتي لاحقاً في كتب متلاحقة، نثراً وشعراً، ولا سيما كتاباه «في حضرة الغياب» (2006)، و«أثر الفراشة» (2008)، ومجموعته «لا تعتذر عما فعلت» (2004). وينوب درويش هنا عن نقّاده «الكسولين» في تفسير مفرداته وهواجسه «القديمة»، لندرك أخيراً أن قهوته الشهيرة «كناية. وهذا ما لم أقله، ويا ليتني قلته، في نصي»، وبأن الهوية التي كانت رمزاً ملازماً لكلّ ما كتبه درويش مزيج بين «المصادفة التاريخية» لكونه ولد فلسطينياً في الأرض التي يقسو التاريخ فيها «ليجعل وارث الأرض وارثاً للصليب أيضاً»، والهموم الشخصية الداخلية التي لا تتماهى بالضرورة مع الهموم الجمعيّة، ولا تشترط أن يكون الشاعر صدى لجوقتها الموحّدة «فأنا لا أحب أن أمثّل أحداً، ولا أستطيع أن أمثّل غير الزحام الذي يزدحم في نفسي، في فوضاه وفي تناقضاته. حتى نفسي لا أدّعي تمثيلها بقدر ما هي متحركة».
إذاً، فمحمود درويش لا يتطابق مع الصورة النمطية الكسولة التي اعتاد النقّاد نسبها إليه، أي أن يكون «الناطق باسم فلسطين»؛ إذ إنّ ثمة هموماً أخرى لمحمود الطفل والعاشق والشقيّ والعابث والساخر تستحق مكاناً لائقاً في قصيدة الشاعر، من دون أن تكون عكازاً تتكئ عليه «القضية»؛ لأن من سيعود إلى الأرض «عائدون، بقصيدتي أو بغير قصيدتي». بل ربما كانت هذه العودة ستحقق شروط نقطة الانطلاق الجديدة للشعر الفلسطيني بأسره، حيث سيجد الشعراء «المناخ الملائم لقراءة الشعر وكتابته ومحاكمته بأدوات أكثر جمالية، وأقلّ وطنية بالمعنى الرائج للكلمة».
تكمن أهمية كتاب «أنا الموقع أدناه محمود درويش» (أو أحد جوانبها على الأقل) في كونه بمثابة ضوء نقدي جديد، أو قراءة مغايرة أخرى لتجربة شاعر، يقوم بها الشاعر ذاته. وهو، كذلك، إيذان بوجوب إعادة إحياء الجدال المديد عن معنى الهوية والأرض والوطنية، وعلاقة المنفى و«المسافة» بجوهر الفن ومفرداته في «زمن الانتفاضات والثورات».