كان فرانز فانون (1925 ـــ 1961) قد أصدر كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» (1952) في فضح السردية الاستشراقية للاستعمار، والتمييز العنصري تجاه السود. ها هو المفكر الأميركي من أصل إيراني حميد دبشي (1951) يقتفي أثر كتاب فانون بتغيير طفيف «بشرة سمراء، أقنعة بيضاء» (2011) الذي انتقل أخيراً إلى المكتبة العربية عن «دار نينوى» في دمشق (ترجمة حسام الدين خضور) لفحص ما طرأ على المشهد في الألفية الثالثة.


يرى صاحب «لاهوت الساخطين» أنّ الهيمنة ما بعد الكولونيالية وجدت في الأسمر نسخة جديدة من الأسود، وأصبح المسلمون هم اليهود الجدد، بقوة دفع إيديولوجية ضخمة، عبر كتابات برنارد لويس، أول من اعتبر الإسلام تهديداً للمثل الرفيعة في الغرب، ثم تلاه فرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنغتون في ظل أطروحات النظام العالمي الجديد، الذي توضّحت صورته عقب انهيار جدار برلين وإخلاء الشيوعية مكانها للنزعة الإسلامية كخصم جديد للغرب، أو «صناعة الإسلام والخوف منه» بالاعتماد على ما يسميه دبشي «المخبر المحلي»، أو «المثقف الكومبرادوري»، وهو من أصول إسلامية غالباً، أتى إلى أميركا للدراسة أو العمل، ثم قرّر أن يبيع بضاعته لمستخدميه، وفقاً لما يرغبون في سماعه، في سوق نشطة ومستعدة لشراء الوهم.
هكذا برزت أسماء مثل العراقي كنعان مكية، واللبناني فؤاد عجمي، والهندي سلمان رشدي، والإيرانية آذر نفيسي، صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» (2003) التي يفرز لها الباحث فصلاً خاصاً، بوصفها نموذجاً لشيطنة الإسلام والمجتمعات المحلية وإضفاء الشرعية على إيديولوجية المحافظين الجدد في الهيمنة. «أصوات معارضة ضد بربرية الإسلام»، هذه هي الصورة التي يجري تصديرها أميركياً وأوروبياً، كطريقة جديدة لإنتاج المعرفة عن الشرق تحت الإكراه بالتهديد، فيما تتسع دائرة المخبرين المحليين الذين تحوّلوا من العمل الجامعي إلى الأكاديميات العسكرية «يستخدمون المياه العكرة في الحرب لتحسين نجاحاتهم المهنية، فهم خبراء في تلفيق القصص عن القضايا الراهنة».
ويشرّح صاحب «الحقيقة والسرد» آلية صناعة المخبر المحلي واستخدامه من قبل القوة الإمبراطورية، لتحقيق شرعية عالمية للغزو. هكذا يتحوّل المثقف الكومبرادوري إلى «سمسار ثقافي» يتشبه بالمستعمر ويتماهى به لنسيان الماضي وتغيير عاداته القديمة نحو ذهنية كولونيالية في حدودها القصوى. وهو بذلك على نقيض «المثقف المنفي» لدى إدوارد سعيد، هذا الذي حقق موقعه الثقافي من باب التحدي للسلطة، رغم تورّط النموذجين في «حركة مرور جدلية بين المركز والمحيط». في ظل العولمة، اتخذ المثقف الكومبرادوري موقعاً أكثر جذرية في تقديم خدماته بتشويه سمعة ثقافته المحلية وانتقاله إلى ما وراء اللون والعقيدة نحو النماذج المعيارية للإمبراطورية المحاربة كنصٍ موازٍ لتبرير الحرب الأميركية، سواء في أفغانستان أو العراق أو فلسطين.
على الضفة المقابلة، برزت أسماء أميركية مهمتها شجب وتشويه صاحب أي رأي مضاد يتجرأ علناً على إدانة سفك الدماء العسكرية الأميركية في كل أرجاء العالم. المطلوب أن يصمت الجميع، ما دامت الفكرة تتعلّق بنشر القيم الليبرالية الغربية للتخلّص من جغرافيات الإرهاب والتعصّب. ليس فرانك ليلا وحده من يقف على رأس هذه القائمة، هناك توماس فريدمان وآخرون يبررون القتل. أما «ابن الورّاق»، وهو اسم مستعار، خشية مطاردة المسلمين له، فقد أصدر كتباً عدة في مهاجمة الإسلام، وأصول القرآن، والنبي محمد، من دون أن يعرف اللغة العربية، مزهواً ببيع بضاعته النفيسة في السوق الأميركية، بوصفه مسلماً علمانياً، وعنوانها المثالي «صناعة مسلم يكره نفسه» بتحريف الحقائق، بقوة الجهل وحدها. حتى إنه شنّ حملة شرسة على إدوارد سعيد بعد موته، متهماً كتابه «الاستشراق» بتزييف الوقائع لتتناسب مع سياساته المعادية للإمبراطورية. وإذا به يقدّم في كتبه «جرعة من استشراق كره الذات»، وتالياً، فهو «ليس أكثر من مهرّج في بلاط، يضرب ثوبه وأجراسه ليسلّي أوهامه في البيت الأبيض والبنتاغون». أما آذر نفيسي في روايتها «أن تقرأ لوليتا في طهران» (تُرجمت إلى العربية عن «دار الجمل» عام 2010)، فإن أجندتها الأساسية، وفقاً لرؤية حميد دبشي، هي «طمس الذاكرة الأصلية، وجعلها تابعة مذعنة للإمبراطورية الأميركية»، إذ تتجاهل أسماء إيرانية عريقة في الأدب والسينما وحقوق المرأة لتسويق فكرة أساسية في تمجيد الغرب، فحواها «أنّ الأعمال الكلاسيكية الغربية هي المصدر الوحيد لخلاص الأمة الإسلامية من جهلها». وبذلك، انضمت نفيسي إلى جوقة الإسلاموفوبيا، متجاهلة نضال الجماعات المحلية المحرومة في إيران، ويتساءل ساخراً: «ربما سوف تركب آذر نفيسي إلى طهران على دبابة في فستان مقوّر الصدر، حاملة رواية نابوكوف «لوليتا» ومبشّرة بالحرية».
ويخلص صاحب «نهاية الإيديولوجيا الإسلامية» إلى أنّ المثقفين الكومبرادور يشبهون جيوش المرتزقة التي تعبئها الإمبراطورية للقتال في حروبها، فالإمبراطورية تحتاج إلى تدمير كل الجماعات والثقافات المحلية التي قد تغدو مواقع محتملة لمقاومة ما سماه ماكس فيبر «الرأسمالية النهّابة». ويوضّح في مكانٍ آخر أن هؤلاء هم «مرتشون، متشردون، بلا جذور، مرتزقة». ذلك أنّ ماكينة الإمبراطورية قد جندتهم جميعاً للعمل، وصنعت منهم «مفكرين بلا أوطان» وبمعنى آخر «الذراع الثقافية للبلاك ووتر الأميركية». لكن هل هؤلاء شخصيات حقيقية أم افتراضية؟ يجيب: «أشعر بالألم في إعطائهم أسماء، إنهم شخصيات روائية. في كل شخصية مخبر محلي يقيم رجل أبيض خيالي، وهو ما يجعلني أشعر بالعار».
كتاب حميد دبشي هو «نتاج حقبة جورج بوش الابن» كما قال في إحدى مقابلاته. هذه المرحلة أماطت اللثام عن الأقنعة البيضاء لتتكشف عن سحنة سمراء، انخرطت في محاربة أوطانها الأصلية ببضاعة مغشوشة لتبرير السيطرة الأميركية على العالم بذريعة أنّ بقية الإنسانية ما هي إلا مادة أولية «صلصال لتقولبه يد خزّاف». ووسط الصمت المطبق لجرائم الإمبراطورية، تعالت أصوات أميركية مضادة في رثاء احتضار الجمهورية التي نهضت من رمادها «إمبراطورية نهّابة» وفق ما يقول تشالمرز جونسون، و«إمبراطورية مشوّشة»، وفقاً لما يقوله مايكل مان، فيما يرى حميد دبشي أنّ الإثنيات المتعددة قامت بتشويش العوائق بين المجموعات العرقية عن طريق الهجنة الثقافية المهاجرة، وكتابة سرديتها الخاصة، بعيداً عن ممارسات الوكلاء القذرين.