«كأنّ مارتن لوثر كينغ قد أعيد إحياؤه ليتم إلقاء القبض عليه مرة أخرى» (من مقدمة كتاب «الفكرة الفلسطينية»، ص13)


في الفيلم الوثائقي «ملوك وكومبارس» (2004) للمخرجة الفلسطينية عزة الحسن، تخبرها إحدى المحاورات الفلسطينيات: «الآن ليس هو الوقت المناسب للتفكير في السينما». لكن ماذا لو كان الاستعمار يسعى لاحتلال الفكر والعقل؟ يطرح الأستاذ المساعد في الدراسات الإعلامية في الجامعية الأميركية (في بيروت) غريغ بوريس في كتابه The Palestinian Idea: Film, Media, and the Radical Imagination (صادر باللغة الإنكليزية عن «دار تمبل» الجامعية 2019) مفهوم «الفكرة الفلسطينية»، وكيف أن الاحتلال لم يستطع القضاء عليها. الفكرة عينها كان قد تناولها المفكّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد في كتابه Peace and Its Discontents (صادر عام 1995)؛ إذ يتحدّث عن أنّنا كفلسطينيين يجب أن نستعيد فلسطين إلى مكانها، ليس فقط كأرض بين البحر والنهر، ولكن كفكرة. يظهر هذا الطرح في أعمالٍ عدّة لسعيد تحت مفهوم «الفكرة الفلسطينية» أو «الجواب الفلسطيني» الذي يهدف إلى مستقبل أفضل خالٍ من العنصرية والتمييز بعكس الفكرة الصهيونية التي تقوم على النهوض بمصالح اليهود وإلغاء الآخر. ينقسم الكتاب إلى ستة فصول: الفكرة الفلسطينية، فلسطين «البلاستيكية» (يقسمها إلى فصلين كاملين)، الوقت الفارغ/ المجوّف، المساواة تحت الرقابة، فلسطين بالأبيض والأسود.

Visit Palestine عبارة عن ملصق إعلاني من عام 1936، صُمّم قبل إعلان دولة الاحتلال

من خلال هذه العناوين، يحاول الكاتب الولوج إلى عمق «الفكرة الفلسطينية» كما يراه تِبعاً لبحثه. وما تسمية الفصول بهذه الطريقة إلا محاولة لسبر غور قضية شديدة التعقيد. يسعى بوريس في الفصل الأول إلى قلب المعادلة السائدة بأن مفهوم الفكرة الفلسطينية وما تتضمنه هو رد فعل على الوحشية الصهيونية. هو يرى بأن العكس هو الصحيح، أي أن الفكرة الصهيونية بما تتضمنه من مبادئ واستراتيجيات هي رد فعل على الفكرة الفلسطينية التي تعرّي بروباغندا الحركة المحتلة. يأخذ الكاتب إعلان ملصق «زيارة فلسطين» (Visit Palestine عبارة عن ملصق إعلاني من عام 1936، صُمّم قبل إعلان دولة الاحتلال) الذي يُظهر فلسطين كأرضٍ مسكونة، بدءاً من الشجرة التي تمثّل كادر الملصق، وتوحي بأن على هذه الأرض حياة وبيوت وأماكن عبادة. المدهش أن هذا الملصق الذي يسمّي الأرض «فلسطين» وتم تصميمه قبل إعلان «دولة إسرائيل» بقرابة 12 سنة، لم ينجزه فلسطيني أو عربي، بل صهيوني ألماني يُدعى فرانز كراوس لترويج وتشجيع الهجرة اليهودية من أوروبا إلى فلسطين. أمر يتناقض مع الدعاية الصهيونية القديمة وكلام رئيسة وزراء العدو غولدا مائير بأنه «لم يكن هناك شيء اسمه فلسطين قبل مجيئنا إليها».
يعلّق الكاتب أيضاً في بداية هذا الفصل (يمكن اعتباره الفصل الأهم في الكتاب) على الوقفة الاحتجاجية التي قامت بها مجموعة من الشبان الفلسطينيين في شارع الشهداء في مدينة الخليل عام 2013 اعتراضاً على زيارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى «اسرائيل»، موضحاً أنّهم كانوا يحملون بأيديهم علم فلسطين وصورة روزا باركس (1913-2005)، الناشطة والمناضلة ضد التمييز العنصري في أميركا، فضلاً عن ارتدائهم أقنعة تمثّل مارتن لوثر كينغ وأوباما نفسه. وعلى قمصانهم كانت عبارة كينغ الأشهر: «لديّ حلم» I have a dream. هذا المشهد السلمي الذي تمثّل في إحياء صور وأيقونات من حركة التحرر الأميركية السوداء، انتهى باعتقالهم عندما عبروا إلى منطقة في الشارع مخصصة لليهود فقط، فبدا المشهد «كما لو أنّ مارتن لوثر كينغ قد أعيد إحياؤه ليتم اعتقاله من جديد» بحسب كلام بوريس حرفياً. من هنا، يخلص الكاتب ــ بالاعتماد على أفكار المفكر الفرنسي جاك رانسيير (1940) والمنظر الأميركي من أصل أفريقي سيدريك روبنسن (1940-2016) ـ بأن الفكرة الفلسطينية تمنحنا القدرة على تخطّي الأفق الصهيوني عبر اكتشاف أنّ الحلم الطوباوي ليس إلهاء لقضية التحرير والتخلّص من القمع، إنما هو التزام؛ فالثقافة والعمل الثقافي هما ضرورة وليسا ترفاً.
لدراسة ظهور وتشكيل الهوية الفلسطينية، يتناول الكاتب في الفصل الثاني والثالث عدداً من الأفلام الخيالية لمخرجين فلسطينيين من بينهم إيليا سليمان، ومحمد بكري، وعلي ناصر، وميشيل خليفي، وآن ماري جاسر، موضحاً أنّ السينما تستطيع إظهار الهوية الفلسطينية في ثلاث مراحل: النكبة، الانتفاضة، ومرحلة غياب الصورة الواضحة، مركّزاً على فيلمَي المخرجة آن ماري جاسر «لما شفتك» (2012) و«ملح هذا البحر» (2008). أمّا في الفصل الرابع، فيختار التركيز على الأفلام الوثائقية التي تقدّم قصصاً وذكريات غالباً ما تكون منسيّة ومغيبة عن الواقع، وتشكّل بدورها تاريخاً معاكساً أو مضادّاً (counter-history) مع التاريخ الصهيوني (لديه رواية مختلفة عن تلك الصهيونية). لكن بالرغم من ذلك، يرى بوريس أنّ هذه الأفلام الفلسطينية تقيّد نفسها (لأنّها وثائقية) ضمن حدود الحقائق، متجاهلةً ساحة معركة قد تكون أهم بكثير. يعود غريغ بوريس في الفصل الخامس إلى مفهوم الفكرة الفلسطينية ليناقش أنّه حتى في ظلّ الاحتلال والقمع، فإن الفلسطيني قادر على خلق المساواة ضمن واقع لا مساواة فيه. صحيح أنّ الفلسطينيين يخضعون للمراقبة في كلّ مكان: على نقاط التفتيش، المعابر، الحواجز، الطرق، الزوايا، والأماكن العامة والخاصة، إلا أنهم يقومون بما يسمّونه «المراقبة المعاكسة» (counter-surveillance)، التي تسعى لفرض مساواة من نوعٍ ما ضمن منطق مشابه لفكرة: We Watch the watchmen الشهيرة.
يضيء على الأفلام بهدف دراسة ظهور وتشكيل الهوية الفلسطينية

يراقب نشطاء من جمعيات مثل B’Tselem أو Machsom Watch معاملة الفلسطينيين على المعابر والحواجز الإسرائيلية، الأمر الذي يصوّب الكاميرا ويوجهها صوب المحتل، جاعلاً إياه تحت الضوء. في الفصل الأخير من الكتاب، يقترح المؤلف علينا الربط بين حركات التحرر في المجتمع الأميركي من أصل أفريقي (Black Power Movement) والقضية الفلسطينية؛ ذلك أنَّ الفكرة الفلسطينية تشجّع على التضامن العابر للحدود، فيستشهد بحادثة فيرغسون 2014 في ميسوري الأميركية حين قتل الشاب الأميركي من أصل أفريقي مايكل براون على يد شرطي أبيض. في الوقت الذي تضامن فيه الفلسطينيون من نشطاء وأكاديميين وجمعيات مع قضية براون، كان جنود العدو الإسرائيلي يتضامنون مع حملة «تحدي دلو الثلج» (Ice Bucket Challenge) التي تعتبر حملة مرتكزة إلى المشاهير. باختصار، هي محاولة للمقارنة بين الفلسطيني الذي تضامن مع شعب «أسود» يقبع تحت «الظلم»، فيما تضامن الصهاينة مع الـ«أبيض» والحملة ذات «الضجة» الأكبر.
يقدم كتاب The Palestinian Idea: Film, Media, and the Radical Imagination، الفكرة الفلسطينية من خلال محاولة سبر عدد كبير من الأفلام، والوثائقيات، إضافة إلى العديد من الحملات التي تمت على مواقع التواصل الاجتماعي بالإضافة إلى مشاهدات حيّة حصلت مع الكاتب عند زيارته فلسطين خلال العمل على بحثه. في النهاية، يرى غريغ بوريس أنّ «السينما الفلسطينية تمتلك بُعداً مثالياً قادراً على كسر الواقع الإسرائيلي الخانق وفتح نافذة إلى عالم من الحرية والأمل وسط القمع والتمييز العنصري. قد يكون الإسرائيلي قد نجح في احتلال المكان، إلا أنه بالتأكيد لم ينجح في اختراق الخيال الفلسطيني الراديكالي»
في المحصّلة، هو كتابٌ أكاديمي بحت، قائمٌ على قراءة معطيات ونظريات، ومقارنتها بأرض الواقع ضمن أبحاث ونظريات. يستحق القراءة بالتأكيد لأنَّ هذا النوع من الدراسات مفيد ومهم لدفع القضية الفلسطينية وإعادتها إلى الواجهة كحركة مقاومة فاعلة ضد عدوٍّ يستخدم «الثقافة» ــ دائماً ـــ كسلاح.

* توقيع «الفكرة الفلسطينية»: 17:30 بعد ظهر اليوم ــــ «أوديتوريوم ب» (ويست هول) ـــ الجامعة الأميركية في بيروت