في سياق الاهتمام بالموسيقى والغناء المشرقيين، ظهرت مكادي نحاس (1977) كحالة كرّست لتوثيق الذائقة الموسيقية عند شريحة واسعة من المهتمين، حتى صار لها جمهورها الخاص. مادّتها الغنائية ذات منحى خاص متشبّث بالالتزام لجهة التراث تعشّقاً مع قضايا ثابتة تقول مكادي إنّها ثوابت غير قابلة للمساومة، فـ «أنا ابنة سالم نحّاس الذي وقف صارخاً في أحد المؤتمرات في العراق: تسقط أوسلو، وبحضور صدام حسين نفسه». «الأردنية القحّ» المولودة في مدينة مادبا، هي ابنة المناضل والأديب سالم النحاس، مؤسس «حزب الشعب الديمقراطي الأردني»، الذي أسهم في تأسيس «رابطة الكتاب الأردنيين»، كاتباً ومحرّراً في العديد من الصحف الأردنية والعربية.

بدأت مكادي دراستها في جامعة دمشق (قسم اللغة الإنكليزية)، حيث كانت تجربتها الغنائية الأولى مع كورال «عالبال»، وكذلك في الفترة نفسها مع فرقة «كلّنا سوا» التي شاركت معها في تقديم أغنيات تراثية تركت بصمتها في ذاكرتنا إلى الآن. تقول مكادي نحاس لنا: «سوريا تعني لي أوّل السفر، وأولى المغامرات وأوّل الغيث... فيها تشكّلت ثقافتي وتماسكت. سوريا الأصدقاء الذين دامت صداقتهم إلى اليوم. قبل الحرب، هي البلاد الجميلة التي أمشي فيها وأحفظ طرقاتها وأعرف شوارعها. لي فيها أهل وأصدقاء وذكريات جميلة، لكنني بعد الحرب لم أزرها». تنتقل بعدها إلى بيروت حيث التحقت بـ «المعهد الوطني العالي للموسيقى»، وتأثّرت برأي زياد الرحباني الذي وصف خامتها الصوتيّة بأنّها فيروزيّة. لاحقاً، ستشارك في أعمال مسرحية وتُحيي حفلات عدّة في لبنان ومصر والإمارات، وفي مهرجانات متنوّعة أهمّها «مهرجان جرش»، فتنطلق كمغنّية وملحّنة وكاتبة كلمات لها حضورها الخاص. التزمت مكادي القيمة في الفنّ الغنائي، فمادّتها ثقيلة لجهة محمولها التراثي العريق، بدءاً من التراث الأردني الذي قلّما نستطيع تمييزه عن الفلسطيني، وصولاً إلى التراث العراقي المتفاعل بالضرورة مع معطيات البيئة بخصائصها المشتركة، وإن عمدت إلى تخفيف اللهجة العراقية المعروفة بثقل مفرداتها مقارنةً باللهجة السورية واللبنانية. ذهبت إلى بغداد وأنتجت مجموعتها الغنائية الأولى بعنوان «كان ياما كان» (2002) تضمّنت ست أغنيات تراثية عراقية مُجدَّدة من توزيع قائد الأوركسترا الوطنية العراقية المايسترو محمد أمين عزت. تقول: «غنّيتُ الأغنية العراقية لأنّ الأردن تأثّر بالثقافة والفن العراقيين. خصوصاً في حرب العراق أتى الكثير من الفنانين والموسيقيين إلى الأردن، وشكّلوا جزءاً من المشهد الثقافي. منذ صغري، كنت أحفظ أغنيات من التراث العراقي، كانت تصلنا عبر تسجيلات الكاسيت من العراق من أصدقاء أبي». بعد ألبوم البدايات ثم «خلخال»، و«جوا الأحلام» الخاص بالأطفال، و«نور»... أصدرت مكادي أخيراً أغنية «يا خيام» (كلمات الشاعر هاني نديم، وألحان مكادي، وتوزيع الأردني يعرب سميرات) التي جاءت صرخة رافضة لمآلات الحروب المتجسّدة في «أكوام» اللاجئين المنتشرة في أصقاع العالم، من دون تحديد هويّةٍ لهذا الوجع. ما يأخذنا إلى تساؤلات حول دور الأغنية وتوظيفها سياسياً. تعلّق مكادي التي تزور بيروت في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل: «لطالما وُظِّف الفن سياسيّاً، خصوصاً في عالمنا العربي. باعتقادي، لا يمكن فصل الفن عن السياسة، هما مرتبطان بشكل أو بآخر. أيضاً ما شهدناه في السنوات العشرين الأخيرة من فن وثقافة عربية بائسة، ما يدلّ على بؤس الوضع السياسي ليس إلّا». يعكس الفن مستوى هدفه كحاملٍ لرسالة معيّنة متأثراً بظاهرة «الربيع العربي». وقد جاء بعض الفنانين كمرآة لحالة هذا «الربيع». حالة لا مشاريع واضحة لها، فيما «الثورات» ذات نتائج تدميرية، بما يعني أنّ الفن مثله مثل الثورات بالمستوى نفسه «تأثّر، لكن ليس بشكل كبير، أي لم تتغيّر الخارطة الفنية. ظهر فنّانون يغنّون للثورة وللربيع العربي، ولكن كمستوى لم يتغيّر شيء. بقي الوضع على ما هو عليه، وأحياناً انحدر وأصبح هناك فنانون بِاسم الربيع العربي والثورات، لا يملكون أصواتاً أو حتى مشاريع!».