من المعروف أن خضوع «ما يسمّى» قطاع غزة أو «القطاع» كان أحد نتائج حرب تقاسم فلسطين بين أنظمة «سايكس بيكو»، وكيان العدو الصهيوني. حينها، كان عدد سكان تلك المنطقة من فلسطين (الانتداب البريطاني؛ قل: الاحتلال البريطاني) نحو ستين ألف نسمة، وأضيف إليهم نحو مئتي ألف فلسطيني طردوا من ديارهم في جنوبي فلسطين واستحالوا لاجئين يقطنون المخيمات في وطنهم.

قامت المملكة المصرية بإدارة القطاع نيابة عن الفلسطينيين، مع أن أحداً لم يطلب منها ذلك، خصوصاً أن الفلسطينيين كانوا يعدون النظام المصري مشاركاً في مؤامرة تفريغ فلسطين من شعبها (التطهير العرقي) وتسهيل قيام كيان يهودي استعماري ــ استيطاني هناك. لم يتغيّر وضع القطاع بعد انقلاب «الضباط الأحرار» بقيادة جمال عبد الناصر، إذ بقي يُدار مصرياً عبر الحاكم العسكري المصري ووفقاً لقوانين الجمهورية المصرية ولتلك العائدة إلى فترة الاحتلال البريطاني. بدءاً من أيلول (سبتمبر) عام 1948 حتى تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1956، خضع القطاع للإدارة المصرية، وانقطع لفترة إبان فترة الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الثلاثي، ثم عاد ليخضع للإدارة المصرية بعد انسحاب قوات العدو الصهيوني في آذار (مارس) عام 1957. شكلياً، كانت «حكومة عموم فلسطين» هي التي تدير القطاع، واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن أنهى جمال عبد الناصر ذلك الوضع، وأخضعه لحكم عسكري مباشر «ريثما تحل القضية الفلسطينية».
حمَّل الفلسطينيون في قطاع غزة، كما في الأردن وفي الدول العربية الأُخرى، الأنظمة العربية مسؤولية النكبة الوطنية التي ألمّت بهم، وواجهوها بحذر مستمر. من جهتها، قامت معظم الأنظمة العربية بالتنكيل بالفلسطينيين، معتبرة إياهم تهديداً أمنياً خطيراً، كما راحت تنشر الأكاذيب والأضاليل عن أن الفلسطينيين باعوا بلادهم. لم يكن الوضع في غزة مختلفاً، لكن النظام المصري كان عليه أن يأخذ في الاعتبار حقيقة أنهم شبه رعايا، وهو المسؤول بالتالي عن أحوالهم. ومن ناحية أخرى، اعتبر أنهم كانوا يمثلون تهديداً أمنياً، ما أوجب وضعهم تحت الرقابة المستمرة والتحكم في تفاصيل حيواتهم إلى درجة قمعهم دموياً إن لزم الأمر. فعندما وقّع عبد الناصر اتفاقية مع «وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى - الأونروا» تقضي بتوطين لاجئي القطاع في سيناء، انفجرت الأوضاع هناك وسقط عدد من القتلى والجرحى من الفلسطينيين الذين تظاهروا ضد مؤامرة التوطين والتهجير هذه. اضطر عبد الناصر حينها إلى التراجع عن مشروع تصفية القضية الفلسطينية وادعى ممثلو النظام أن التوطين في صحراء سيناء مؤقت، إلا أن ذلك كان كذباً موصوفاً. إذ صرّحت الوكالة بأن ذلك غير صحيح لأن المشروع يقع ضمن نطاق عملها الذي يتمثّل بتأهيل اللاجئين، وهو ما يمكن لأيّ مهتم التأكد منه من نص الاتفاق المنشور في الإنترنت (انظر: United Nations Information System on the Question of Palestine/ UNISPAL). لكن الوضع الأمني في القطاع انفجر قبل ذلك، وتحديداً سنة 1955 عندما هاجم العدو الصهيوني القطاع وقتل نحو 40 جندياً مصرياً، ما دفع الفلسطينيين هناك إلى المطالبة بالتسليح وبالعمل الفدائي، فأُجبرت الحكومة المصرية على الانصياع للأمر الذي سرعان ما انتهى مع العدوان الثلاثي.
هذه خلفية عن الأحداث التي تناولتها إلانا فيلدمان باختصار في مؤلفها الأنثروبولوجي ـــ التاريخي «مواجهات الشرطة، الأمن والمراقبة في غزّة تحت الحكم المصري» (جامعة «ستانفورد») الذي يبحث في العلاقة بين الشرطة المصرية وسكان قطاع غزّة بهدف فهم التأثير المتبادل بينهما ضمن ما أسمته المجتمع الأمني.

أرشيف مفصّل من سجلّات الشرطة اليومية وبيانات المخبرين والمراسلات الداخلية لوصف جهاز أمني مكثف


في رصيد الأكاديمية وأستاذة الأنثروبولوجيا والتاريخ في «جامعة جورج واشنطن» عدد من المؤلفات والمقالات عن قطاع غزة في مجال تخصصها. وقد اختارت القطاع لأنه يشكل حالة استثنائية في هذه الأبحاث، حيث أنه لم يكن جزءاً من الدولة المصرية، فيما لم تكن الإدارة المصرية استعماراً ولا احتلالاً. تبيّن أبحاث فيلدمان في القطاع أن مهمّة الشرطة لم تكن تقتصر على قمع الجريمة فحسب، بل على بناء مجتمع أمني (security society). يعدّ القطاع حالة مهمّة لإلقاء الضوء على ما قبل تاريخ حفظ النظام (policing) وعلى الصراعات الأمنية التي وقفت خلف انتفاضات الربيع العربي المزعوم.
طوال عشرين عاماً من إدارتها القطاع (1948-1967)، لم يكن اهتمام الشرطة المصرية منصبّاً على الجريمة والسياسة فحسب، وإنما أيضاً على التحكم في النظام الاجتماعي والأخلاقي. وسّعت الشرطة المصرية نطاق وصولها في القطاع إلى المجال العام والحياة الخاصة على السواء. اعتمدت على المراقبة والاستجواب وعلى شبكة من المخبرين المحليين، بينما نظرت إلى الفلسطينيين على أنهم تهديد أمني ورعايا ضعفاء يحتاجون إلى الحماية، فأنتجت تلك الممارسات الأمنية مفارقة الشك والسلامة في آن واحد.
اعتمدت الكاتبة على أرشيف غني ومفصّل من سجلّات الشرطة اليومية، لوصف جهاز أمني مكثف يسترشد بالمخاوف المتداخلة بشأن المصلحة الوطنية والملاءمة الاجتماعية واللاشرعية اليومية. صحيح أن الشرطة المصرية شيّدت مجتمعاً آمناً نسبياً في القطاع، إلا أنها منعت النشاط السياسي المستقل. لا خلاف حول الجوانب القمعية لهذا المجتمع الأمني، لكن القمع لا يختصر مجمل تأثيره في غزة.

لاجئون فلسطينيون يقفون خارج خيمتهم في خان يونس، قطاع غزة عام 1948 (أرشيف الأونروا)

إذ وفّر ضبط الأمن في القطاع فرصة للناس لتقديم دعاوى للحكومة وحماية أسرهم. يتناول مؤلف فيلدمان خصوصية هذه الميزة السياسية الاستثنائية، ويضعها في سياق «ظروف» الحكم الطبيعية، أي دور الأمن في الحكم الحديث وفي الحياة اليومية. تحليل فيلدمان يطرح عدداً من الأسئلة الأساسية حول كيفية عمل الأجهزة الحاكمة والشرطة، وكيفية مشاركة الرعايا في هذا المشروع الكلي ومدى تأثيرهم فيه، وعن الأشكال التي يتّخذها الحوار والعمل السياسي في ظل نظام كهذا، وعن مدى أهمية المواطنة خارج حدود الدولة القومية (nation state). وتضمّنت مصادر الكاتبة أيضاً تقارير المراقبة ونصوص الاستجواب وملفات التحقيق والتقارير المتعلقة بالرأي العام وبيانات المخبرين والمراسلات الداخلية وسجلات اللجان والإجراءات الصادرة عن الإدارة المصرية، وتقارير الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين وتأهيلهم، ووثائق قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وتفاصيل من المذكرات والحسابات الصحافية والمقابلات مع سكان غزة ورجال الشرطة المتقاعدين. وثائق توضح أساليب الشرطة في بناء مجتمع أمني قائم على المشاركة العامة، والمراقبة واسعة النطاق، واستخدام المخبرين، وعنف الشرطة، وكيفية تقاطعها مع النشاط السياسي. هنا، تبرز الرؤى الأنثروبولوجية المهمة للحياة اليومية ولنظام الأمن المعني بالسيطرة على النظام الاجتماعي والأخلاقي، وعلى الجريمة كما السياسة بدءاً من النشل والجرائم اليومية البسيطة منها «جرائم الشرف» وصولاً إلى الرقابة على الصحافة والسّكر والاحتجاجات المحلية، وعبور الفدائيين الحدود أو رعي الأغنام... ومع أن كل شيء كان يخضع لتدقيق الإدارة المصرية، فإن الجهاز الأمني كان أيضاً المكان الذي أتاح لسكان القطاع تحقيق مطالبهم وممارسة نفوذهم. هكذا كانوا يطالبون الشرطة بالتدخل في النزاعات العائلية، وفي إجبار بعض التجار على خفض أسعار المواد الغذائية، وإعادة طبيب إلى موقع عمله... ما يعني أن سكان القطاع كانت لهم يد في صياغة المجتمع الذي كان تحت إشراف الإدارة المصرية العسكرية.
عالجت الكاتبة هنا قضية نظريّة مهمّة، مطالبة باعتبار المجتمع الأمني فئة ثالثة إلى جانب المجتمع المدني والمجتمع السياسي: هو أوّلاً فضاء لا يتطلّب النظر إلى الشرطة والرعايا (subjects) على أنهم مرتبطون بعلاقة ثنائية، بل جزءاً من شبكة من العلاقات المتعددة. ثانياً، إن حفظ النظام (policing) والمراقبة هما أشدّ تعقيداً من إطار بسيط مبني على الخوف والإكراه، وهو ما أطلق عليه الفيلسوف الفرنسي الماركسي لوي ألتوسير (1918-1990) مصطلح «جهاز دولة قمعي»، الذي أثَّر في كل من ميشال فوكو وبيار بورديو وسلافوي جيجك. وبدلاً من ذلك، كان العنوان الذي يعمل بموجبه «المجتمع الأمني» هو المصلحة الوطنية والملاءمة الاجتماعية. ثالثاً، لم يكن الحكم المصري في القطاع مجرّد مثال على «مجتمع الأمن» العائد إلى ميشال فوكو والمبني على صلة أمنية ليبرالية، إذ أنه لم يكن ليبرالياً ولا مبنياً على الإحكام (precision) بالمعنى الفوكولدي. بدلاً من ذلك، اعتمدت الممارسة المصرية لضبط القطاع على غياب الوضوح واليقين. تكمن وراء هذا النهج الحجة الهامة التي مفادها أن توريق الأراضي (securitization) قد يؤدي إلى حدوث شعور بعدم الأمان. كان هناك فارق بسيط في نهج السلطات المصرية تجاه الفلسطينيين كذلك، فقد بنيت الإدارة المصرية على توازن بين السيطرة والتنازل، وبين وضع الحدود وخلق الفرص وإن كانت محدودة. كما وجدت أنماطاً متعدّدة وأحياناً متداخلة لحكم سكان القطاع، تعتمد على كيفية تعريفهم؛ أنهم مواطنون، رعايا، سكان أصليون، لاجئون، وبشر «فلسطينيون»؟ على هذا النحو، فإن الغزيين سيكونون دائماً أشخاصاً قانونيين وأشخاصاً سياسيين (legal and political subjects)، وأهدافاً للرعاية الاجتماعية ولأشكال أخرى من تدخلات الدولة. تثبت الكاتبة في هذا السياق، أن الغزيين شاركوا في أعمال الشرطة بأنفسهم، سواء في خدمة النظام والسلامة أو في الأمن المعنوي أو المصلحة الذاتية البسيطة. لكن هذا لا يعني أن الإدارة المصرية للقطاع كانت غير فعالة أو متساهلة تجاه الفلسطينيين، خصوصاً أنها تقدّم أمثلة متعدّدة عن الشرطة التي أضحت مكاناً للقيود والتحكم.
تلاحظ الكاتبة جدلية تقوم على أنه كلما حرصت شرطة القطاع على التحقيق في طرق تفكير العموم وأحاديثهم والنميمة بحق بعضهم بعضاً، أصبح الجهاز مكاناً لتوجيه المطالبات والشكاوى، وممثلاً لـ «الرأي العام»، وقادراً على التأثير في قضايا صغيرة وكبيرة مثل النزاعات العائلية أو المقاومة الفلسطينية ضد العدو الصهيوني. رغم أن مراقبة الشرطة المستمرة للأفكار والأحاديث المتبادلة بين الرعايا تعدّ قمعية بالتأكيد، إلا أن الكاتبة تعتبر أنها قد تكون وسيلة لاكتشاف ما يفكر به الأفراد وبالتالي تطوير استجابات بنّاءة لها.

غزة عام 1960

يكشف المؤلّف عن التوتر الذي كان قائماً بين التزامات مصر تجاه الرعايا والهلع تجاه السكان الذين تحكمهم من دون رغبة حقيقية في ذلك. على هذا المنوال، كانت الإدارة المصرية تنظر إلى السكان (أو البعض منهم) على أنهم مشتبه بهم ما دفعها إلى الاعتماد على التجسس وتوظيف المخبرين. عندها أصبح كلّ فرد تهديداً وخطراً محتملاً: الجيران والزملاء وأفراد الأسرة وأعضاء النقابة والمهنيون، والأهم أي شخص يملك آراءً «سياسية». إحدى نتائج تلك السياسة كانت ظهور «مجال عام مُراقب على نحو كبير للغاية» (highly policed public sphere) حيث تعرّض الشيوعيون والإسلاميون للتهديد بالسجن والتعذيب، وتمت مراقبة الصحافيين والمدرّسين بانتظام، فيما كان كل موظف حكومي خاضعاً لتفرس السلطات.
لعلّ قيمة المؤلف تكمن في أنه يغطي مجالات متعددة بما في ذلك التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الجريمة، مبيّناً دور الشرطة في بناء نسيج المجتمع أو هدمه. تلحظ الكاتبة الفرق الذي نشأ بين اللاجئين إلى القطاع وبين سكانه الأصليين، والذي لم يظهر فقط في العلاقات المعقدة بين السكان بل في المعاملة التفضيلية من قِبل السلطات. كان اللاجئون هم المستفيدون الأساسيون من خدمات «الأونروا»، وهذا وحده كان بإمكانه تعميق الاستياء؛ كان يُنظر إليهم أحياناً على أنهم فارّون من الخدمة، كما تنازلوا عن فلسطين للصهاينة. قد تكون الشرطة أكثر اشتباهاً باللاجئين وبفضاءات مخيمات اللجوء، وبالتالي ربما تكون قد أخضعتهم لمعاملة أكثر وحشية، لكن الكاتبة لا تتطرق إلى هذا الجانب من العلاقة.
تدعو الكاتبة القرّاء إلى طمس تمييز حفظ النظام الديمقراطي (democratic policing) من الاستبدادي، وتقترح أن نفهم عمل حفظ النظام والتوريق (securitization) والمراقبة على أنها ممارسات تقمع المحكومين فقط، بل وبإمكانها أيضاً أن تقيم علاقة بين الحاكم والمحكوم كتوتر بين القوة والإنتاج بالتراضي للعلاقات الاجتماعية (as a tension between force and consensual production of social relations). وهي تصف الحكم المصري في القطاع بأنه نظام ذو تقنية منخفضة يعتمد على غياب اليقين. آلية الإدارة من خلال عدم اليقين تختلف عن عملية حساب المخاطرة، فهي تتألف من تعميم الشائعات، والرقابة من خلال المخبرين وأفراد الشرطة، وإشراك السكان المحكومين مباشرة في أعمال الشرطة الخاصة بهم. وبالتالي، فإن هذا المؤلف لا يُعنى فقط بالمواجهات في غرف الاستجواب وبأساليب الشرطة، بل إنه يشير بدلاً من ذلك إلى مجموعة أوسع من علاقات غياب الثقة الحكومية التي أصبحت تشكّل «حالة وجودية» للشعب الفلسطيني في غزة.
ننهي عرضنا هذا باستعراض مواضيع فصول المؤلف بدءاً من المقدمة التي تعتمد فيها الكاتبة على نظريات ميشيل فوكو حول «الأمن» كممارسة حكومية تسمح بحدوث أشياء معيّنة من أجل تخفيف ما يُعدّ مخاطر أكبر. بذلك تظهر الكاتبة أن نظام الأمن المصري كان جزءاً من الطريقة التي تمكّن فيها سكان غزة أحياناً من تحدّي السياسات المصرية ومن تحمُّل هذا النظام.
يوضح الفصل الأول «زراعة الشبهات والمشاركة» كيف ساعد إنتاج الدعم والشك وتداولهما في التمييز بين فئات السكان الفلسطينيين، وتحديد العلاقة بين سكان غزة والسلطة المصرية. لقد تم تشجيع الفلسطينيين على المشاركة في جهاز الأمن بطرق مختلفة، من تجنيد رجال شرطة محترفين محليين (الكثير منهم خدموا إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين). في الفصل الثاني «توظيف الرقابة والوشاية»، تبيّن الكاتبة كيف أن مشاركة الناس العاديين في المراقبة، من خلال الإبلاغ عن الآخرين أو الكشف عن المعلومات أثناء الاستجواب، كانت لها مجموعة كبيرة من الدوافع والنتائج. على سبيل المثال، قد يكون التواصل مع الشرطة بعد العثور على منشور سياسي وسيلة لهذا الشخص لينأى بنفسه عن المشاركة بـ «مشاكل أمنية» أخرى وبالتالي حماية سمعته وعلاقته بالشرطة. لكن الرقابة جعلت السلطات المصرية أكثر وعياً للمشاعر العامة وساهمت في رفع مكانتها كمنصّة للجمهور لتحدي السياسات الإدارية المصرية في غزة أو لصياغتها. يركّز الفصل الثالث «السمعة والتحقيق والحظر الجنائي» على كيفيّة تعامل السلطات المصرية تعاملاً انتقائياً مع المخالفات والجرائم «العادية»، ومدى مشاركة سكان غزة في هذه العملية. ربطت الكاتبة سلوك السلطات المصرية بـ «مسؤوليتها» المتصورة ذاتياً عن القطاع، وفق ما تظهره تقارير صادرة عن الحاكم العام للسلطات في مصر. الفصلان الرابع «إدارة الاحتجاجات والحياة العامة» والخامس «حفظ السلام والمجتمع الدولي» يركزان على المحاولة المصرية لإدارة المطالب الفلسطينية الرسمية، بما في ذلك المظاهرات السياسية ومطالب العمل العسكري، والتي توجت بالاحتلال الإسرائيلي القصير لغزة لمدة أربعة أشهر في عام 1956 وإنشاء قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة.
سادت معاملة تفضيلية من قبل السلطات بين اللاجئين إلى القطاع وبين سكانه الأصليين


في الختام يعدّ هذا المؤلف تأريخاً ثاقباً للطرق التي تم من خلالها اعتبار الفلسطينيين والغزيين على وجه الخصوص على أنهم تهديد أمني ورعايا غير حصينين يحتاجون إلى الحماية. لذلك يمكن إدراجه ضمن المساهمات القيمة في دراسة الأنظمة الأمنية ودَور المراقبة، كما يفتح إمكانية للباحثين الآخرين أن يواصلوا معالجة عدم اليقين في الأنظمة الشمولية أو الاستبدادية. أخيراً، نذكر مجموعة مهمة من الحقائق التي أشارت إليها الكاتبة، وهي أن موقف مصر الخطابي المدافع عن الحقوق الفلسطينية، حتى لو لم يخدم دائماً الأهداف الفلسطينية عملياً، إلا أن أهالي غزة يملكون ذكرى إيجابية عن ذلك الوقت، لدرجة أن البعض يصفه أحياناً بأنه عصرها الذهبي. خصوصاً أن الإدارة المصرية اتّبعت في القطاع سياسات مماثلة لتلك المعتمَدة في مصر فجعلت التعليم الابتدائي والثانوي العام حقيقة واقعة لأول مرة، وقدمت منحاً دراسية للفلسطينيين في الجامعات المصرية، ووعدت بتوفير وظائف حكومية لخريجي الجامعات. كما تمكن كثير من السكان الفلسطينيين من ذوي التعليم العالي من الحصول على وظائف جيدة في دول الخليج. السياسة المصرية كانت موجهة أيضاً إلى الاقتصاد داخل غزة حيث باعت الإدارة قطع الأراضي بأسعار منخفضة للغاية لموظفي الخدمة المدنية وجعلت غزة منطقة معفاة من الرسوم الجمركية ما شجع على تطوير الفنادق والمطاعم لتلبية احتياجات المتسوقين. ورغم أن مصر مارست سيطرتها القوية على التعبير السياسي المستقل، إلا أن غزة كانت مكاناً مهماً لاستعادة السياسة الفلسطينية المنظمة في فترة ما بعد عام 1948.

* Police Encounters, Security and Surveillance in Gaza under Egyptian Rule. Stanford university press 2015. 226 pp. Ilana Feldman