خالدة سعيد *

أنسي الحاج، هل هو الغروب حقّاً؟ وأنت القائل:
«في ظلام النهاية جلستُ أكتب البداية.
في دم الأرض غمَسْتُ ريشةَ السماء.
وأقول للموت الداخل:
أدخل! لن تجد أحداً هنا» (الوليمة ص 38)
كلاّ، لن يجدك الموت. لن ينطفىء ذلك الوهج وذلك الشغف بقيم الإبداع، وذلك التنسّك للحقّ والجمال والمحبّة، وذلك الاعتناق العنيد لمذهب الحريّة. وسيبقى لنا شعرك وتبقى أفكارك ومواقفك وتاريخك المضيء.

أنسي الحاج من أهمّ الانفجارات الشعرية في زمن التجدد الشعريّ العربيّ. هو الأكثر تطرّفاً وتجاوزاً والأوسع تأثيراً. ومع أنّه جانَبَ الوضوح والخطابيّةَ، فقد جاء شعره صرخة هي نداء اللوعة والتماس الحقّ وزعزعة المستقرّ وأمل الجريح.
بدأ تألّق أنسي الحاج مع تسلّمه الصفحة الأدبية في جريدة «النهار» مطلع الخمسينيات، وبرز حضوره مع انطلاقة مشروع يوسف الخال الذي تجسد في مجلة «شعر» وجماعة «شعر». تميّز بين أوائل المندفعين الداعمين للمشروع الطليعيّ. التجديد عنده كان يتجاوز مسألة الكتابة المختلفة وتطوير الأشكال الشعرية وتحرير الشعر من الخطابية؛ كان يصبو عبر حركة «شعر»، إلى ملاقاة الحلم والتماس الأفق الإبداعي الأروع، وإلى تجديد الصوت الإنساني والرسالة اللغوية. فالثورة الشعرية، بالنسبة إليه، كانت أكثر من ثورة على القيود اللغوية. كانت ثورة على معنى الفعل الشعري ذاته. لأنّ الثورة الشعريّة إمّا أن تكون كشفاً وتجديداً للصوت الإنسانيّ ولرسالة الكلمة أولاً، ومن ثمّ نهوضاً لإعلاء معنى الوجود، أو لا تكون.
من هنا أنه كان متهيِّئاً لكل عطاء.
ومع أنه كان في أوائل عشريناته، فقد ظلّ حضوره يغذي تجمّع المجلة الرائدة « شعر» برؤى جديدة مجازِفة كاشفة ومساهمات ملهَمة.
رائد قصيدة النثر، شاعر الحضور والخطاب النقدي المربك المتحدّي في «لن» و«الرأس المقطوع»، ثمّ شاعر الاحتجاب وخطاب التّعالي والهيام والغفران في «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» وما بعده، لكن ليست غنائيته في مرحلة هذا الكتاب الأخير غنائية التوبة، بل هول الاعتراف ونداء اللوعة. لأنّ ثورته الشعرية في «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة» ترتدّ على الذات تدفعها إلى المحيط ليتمحور المحبوب حتى ليغدو الشعر تسبيحاً.
بقي، على امتداد خمسين سنة، في زواياه، ولا سيّما «كلمات كلمات كلمات»، منذ الملحق الأسبوعي لجريدة «النهار»، وصولاً إلى صفحته الأسبوعية في جريدة «الأخبار» يوجه ضوءه الرائي الكاشف الحاضن الشامل في حقول الإبداع والاجتماع والمحبة والمعرفة وسائر المواقف العامّة. فقد تميّز أنسي الحاج، على امتداد حياته الكتابية والشعرية، بالمغامرة عند النهايات، بالارتماء الكلّي في طرق الحقّ والشعر والحبّ، بالكلام الخطير المجازف. تميّز بعناق الخطر بلا دروع وعناق الحقيقة بلا حساب. ولم يعرف طرقاً للرجوع. إذ ما الحبّ والشعر عنده، إن لم يُعاين الهول ويرتفع «كروح من تحت الماء»؟ (الوليمة)
ليس بين كوكبة الأصدقاء التي أحاطت به، من لم يُكرَم بكلماته. تجلّى هذا الكرم الأدبيّ الخلقيّ منذ بدايات مجلّة «شعر». اكتشفنا شعراء وقرأنا عديدين من خلال كتابته أو بَعدَ كتابته. وتميزت كتاباته النقدية بالعمق واللمح والانفتاح والنفاذ والتماس الجمال الخفيّ.
كان رهانه الكبير على جيل الشبّان، لكنّ خنادق الحرب الأهليّة، التي لا تنفكّ تزداد عمقاً، قد أوجعت كثيرين وضيّعت كثيرين. كان الصوت العالي لحلم لبنان دولةً للثقافة والحقّ، دولةً للإنسان، وظل كذلك حتى كلمته الأخيرة. فهو لم يتنازل عن حلمه أو مقتضاه، على الرغم من توالي المحن واستمرار التمزق الأهلي.
إنه مع زملائه المفكرين والشعراء والكتّاب وبعض الطوباويين، الجيل الذي بقي على جزيرة المثُل الموعودة بعد تفكك جغرافيا الطموحات المثالية.
عَبَر الحروبَ اللبنانية ووحولها الطائفية وما مسّته ذرة من غبارها. عبرها ضوءاً وسراطاً شعرياً روحياً إنسانيّاً. فقد كان وسيبقى رجل الحب ومحبة الحرّيّة. رجل الصدق والخفر الأخلاقيّ.
إذا كان صوته، الذي جلجل بين الخمسينيات والسبعينيات، قد مال في الآونة الأخيرة إلى الحكمة والتأمّل والألم، فلأنّ الحرب المتواصلة المتعاظمة لتفكيك لبنان والمنطقة قد طعنت هيامه وأحلامه وتجاوزت كلّ حدّ.
أنسي الحاج، أيّها المتمرّد، الشاعر والمفكّر المضيء، عجّلتَ بالرحيل، لكنّ كلماتك الرائية باقية لنا، باقية في أفكار هذا الجيل والأجيال بعدنا، ومن سيأتي.
* كاتبة وناقدة لبنانية