مساء الجمعة الفائت، كنت غارقة مع إميل منعم ويوسف عبدلكي بين صور أنسي الحاج، عندما انتفض إميل فجأة ونظر باتجاه باب المكتب، ليجد مروان طحطح واقفاً عنده. قال لي إميل: «نقّزني مروان... دعسة قدميه ذكّرتني بأنسي، اعتقدت أنه جاء».
كلّنا كان يحفظ دعسة قدمي أنسي، وكلّنا كان سـ«ينقز» لو أنه زار الجريدة مساء الجمعة. فقد كان الجميع ينتظر الخبر المؤسف بين لحظة وأخرى. لم يكن الأمر مفاجئاً، هو الذي حضّرنا لتلقيه منذ الوعكة الصحية الأولى التي ألمّت به قبل 7 أشهر. وها هو عبدلكي يبحث عن صور لأنسي ليعدّ غلافاً له، فيما أكّد لي إميل أنّ حالة صديقه الحميم تتدهور، وكانت راجانا حمية قد نقلت إلينا صباح ذلك اليوم إجابة ابنته ندى عن صحته «مش قادرة طمّنكم». العبارة نفسها كرّرتها أول من أمس، عندما جاءت إلى الجريدة. «ما في شي بطمّن، أنا معكم الآن، وخائفة أن أعود إلى البيت فلا أجده»، قالت.

لحقت بها، إلى مكتب والدها، الذي فتحته وراحت تجمع ما فيه من أغراض خاصة. سألتها: «ألن يتحسّن؟ أنا أجيب الجميع بالقول إنه سيفعل». هزّت رأسها مستسلمة. شرحت: «إنه سرطان... إنه الـ metastase».
كانت المرة الأولى، منذ دخل أنسي الحاج إلى المستشفى في آب (أغسطس) الفائت التي أعرف فيها أنه مصاب بالسرطان. لم يقل لي إن هذا مرضه، رغم أننا تحدّثنا كثيراً عن الأمر. كان يحكي بكلّ عفوية تفاصيل عن حياته مع المرض، لن يحبّ أن نذكرها هنا. يضحك وهو يذكر كم بات يخاف من ابنه لويس، الذي يدقّق في عدد حبات الأدوية «بطلت أعرف إذا أنا بيّو أو هو بيي». وما إن يرى رقم ندى على هاتفه، حتى يسارع إلى الردّ كي لا تقلق. يقول كلّ شيء، ولا يقول اسم المرض. ربما لم يكن يعرف، وربما لم يكن يرغب بأن يخيفنا، وهو يلاحظ أننا خائفون عليه فعلاً. مرة واحدة، مازح محمد نزّال، الذي طلب من رضوان مرتضى أن يلتقط له صورة معه، فقال له ضاحكاً: «بدّك تتصوّر معي؟ مفكّرني رح موت». ارتبك محمد، وقال له: «سلامة قلبك، انشالله أنا قبلك». ابتسم له قائلاً: «أنت طيّب يا محمّد»، ثم تأهّب لالتقاط الصورة.
بعد هذه الحادثة، كتب في نصّه «بلا منارة»، مقطعاً تحت عنوان «حزين»، جاء فيه: «بدل أن تدفع لي «الأخبار» راتباً، يجب أن أدفع لها». هذه العبارة كانت قد وردت في النصّ الجميل الذي كتبه إثر وفاة جوزف سماحة «موت كموتك قتل». خفت، دخلت إلى مكتبه مؤنّبة: «لا يحق لك أن تستسلم، وأنت الذي تحرّضنا على الحياة طيلة الوقت».
أرجع كرسيّه إلى الوراء، وقال: «انظري إليّ». كان قد كبر كثيراً خلال أسابيع، تغيّر لون وجهه، ونقص وزنه. قلت له: «سوف تتحسّن، أنا واثقة». منذ هذا اليوم، اتفقت مع محمد أن لا نتركه وحيداً، وخصوصاً بعدما غادر الجريدة عدد من الذين كان يحبّهم. إميل منعم، وزينب مرعي وشهيرة سلّوم. وقبلهم خالد صاغية، ثم ربى أبو عمو، ورشا أبو زكي. صرنا نحرص على أن لا يبقى وحيداً. إذا خرجت باكراً، أوصي محمد بأن لا يغادر قبل أن يجالسه. ولا ننسحب إلا إذا أعطانا إشارة إلى أنّه مشغول في الكتابة، أو دخل زميل آخر، أو رنّ هاتفه معلناً قدوم زوّار من خارج الجريدة.
عندما غاب في المرة الأخيرة، لم يعد يردّ على هاتفه. «انغلق» مطبّقاً ما كتبه في النص نفسه: «في آخرته يجب أن ينغلق الكائن، لا لأنّه لم يعد لديه ما يقول، بل لأنّ أحداً لن يعير كلامه أيّ اهتمام». لم يكن محقاً، وهو يعرف أن الآلاف ينتظرون منه كلمة. لكنه كان حزيناً ومستسلماً. احترمنا صمته، وصرنا نكتفي بصوت سميح، الممرّض الذي لازمه في منزله، يجيبنا باقتضاب عن صحته التي لا تتحسّن.
أمس، تعرّفنا إلى سميح وجهاً لوجه. كان جالساً يتقبّل العزاء في منزل أنسي في الأشرفية. هو الذي شهد على الرحيل. يكتفي بالقول إن أنسي توفي في تمام الساعة الواحدة وعشر دقائق. هل قال شيئاً؟ يرفض الإجابة «أفضّل الاحتفاظ باللحظات الأخيرة لنفسي». يقول له نعيم، شقيق أنسي: «أخبرني أنا»، فيرفض.
بكلّ بساطة يمكنك أن تحزر أن نعيم هو الشقيق، بسبب الشبه الكبير بينهما. «أشبهه بالشكل فقط، ليتني كنت مثله» يقول. تؤكد له نساء العائلة أنه مثله، فيما تلوم قريبته نفسها لأنها تأخرت أمس عن زيارة أنسي، فلم تودّعه، فتخفّف ابنته عنها. ندى، الجميلة، كانت هي من يواسي الذين لم يستطيعوا البقاء معه في اللحظات الأخيرة «لا. لا تزعلوا. كنتم ستتألمون لألمه». تحاول الابنة التي تحوّلت إلى والدة في الأشهر الأخيرة، أن تتماسك. فتروح تحكي كيف تلقّت الخبر، متفاجئة من وسائل الإعلام التي نشرته قبل أن تصل هي إلى بيت والدها «قبل أن أترك البيت اتصلت بشقيقي لويس أسأله عن وضعه، حاول أن يؤجل إبلاغي إلى أن أصل، ثم قال لي. المفاجأة كانت أني سمعت الخبر عبر الإذاعة في السيارة، ولم أكن قد وصلت بعد». تلتفت إلى مفارقة حزينة «أمي أيضاً توفيت يوم ثلاثاء، وكانت الساعة تقترب من الواحدة والربع».
روح أنسي الحاج انتقلت أمس إلى السماء، قال أفراد عائلته. روح أنسي الحاج تحلّق فوقنا الآن، وتذكّرنا بآخر خلاصات عمره، كما قال لي مرة، وكان قد كتبها في نصّ: «بعد هذا العمر، فهمت أهمية أن نتحلّى بالشفقة. الشفقة بوصفها الحبّ الكامل».




يصلّى على راحة نفس الشاعر في «كنيسة مار يوسف ـ الحكمة» (الأشرفية) عند الواحدة من بعد ظهر غد الخميس، قبل أن يوارى في الثرى في مدافن العائلة في بلدته قيتولي - قضاء جزين. وتقبل التعازي يومي الجمعة والسبت من الساعة الحادية عشرة قبل الظهر إلى السادسة مساءً في صالون الكنيسة.