«ولن أكون بينكم

لأن ريشةً صغيرةً من عصفورٍ
في اللطيف الربيع
ستكلّل رأسي
وشجر البرد سيحويني
وامرأة باقية بعيداً ستبكيني
وبكاؤها كحياتي جميل»
(«ماذا صنعت بالذهب/ ماذا فعلت بالوردة»، ١٩٧٠)
في عام ٢٠٠٧ أطفأ أنسي الحاج شمعته السبعين، وكان قد تربّع على عرش صفحته الأخيرة في «الأخبار»، حاملاً إلى جريدة جوزف سماحة هذا النفَس الخاص، الأبديّ التمرّد، الذي كنّا نشتهيه ونطلبه ونعتزّ به. كانت الأسطورة قد ترجّلت في الطابق السادس من مبنى الكونكورد في بيروت، وصارت جزءاً من مشهدنا اليومي.

الذين لم يعرفوه من الزملاء إلا في النص، لم يتخلّصوا من انبهارهم رغم علاقة التماس اليوميّة… والذين كانوا قد ارتادوه فوق الساحة الثقافيّة والأدبيّة والإعلاميّة، بحكم علاقات المهنة أو الصداقة أو الشعر، كان أيضاً ينتابهم شعور الرهبة نفسه، ويعيشون كل مساء حالة استثنائيّة في جوار تاريخ استثنائيّ من الشعر والتمرّد وإعادة اختراع اللغة والكلمات. أحد شركاء «شعر» وساحر «الملحق الثقافي» لـ«النهار» في بيروت العصر الذهبي، وحلم الحداثة والعروبة والتغيير. غاب مراراً في الصمت، وكانت تعيده الصحافة إلينا، كما أعاده رياض الريّس كاتباً، أو أعادت الاحتفاء به ووضع شعره في متناول الأجيال «دار الجديد» مع رشا الأمير ولقمان سليم.
خلال سنوات «الأخبار» ـــ وقد أعطته صدارة لا تليق بأحد مثله، بعد قطيعة مريرة مع حكاية عمره في «النهار» ختمها بـ«رسالة استقالة إلى القارئ» ـــ كان أنسي نفسه دائماً. لا يشبه معلّماً ولا أسطورة، بل شاعراًًًٍ عارياٍ، ملعوناً، لا يعرف المهادنة. كان الشعراء العرب من أصدقائنا يحجّون إلى «الأخبار» لمقابلته. كان نفسه: مراهقاً، عاشقاً، ساخراً، ونقديّاً، وغاوياً، رقيقاً وقاسياً، ومخالفاً لأشكال الإجماع، ومزعجاً في بعض الأحيان لكثيرين منّا، زملاء وقرّاء، في مسائل خلافيّة تتسع لها «الأخبار» بحضنها الخصب في الفكر والسياسة والاجتماع. «مزعج» كما يليق بشاعر كبير، أخذ معاصريه على حين غرّة، ووقف دائماً، منذ بيانه الشعريّ الأوّل، حيث لا ينتظره نظام القيم السائدة.
في ذلك اليوم من ٢٠٠٧، نشرنا ملفّاً خاصاً عن أنسي الحاج، وأخفيناه عنه ليتفاجأ به في اليوم التالي مثل جميع القرّاء. كان يصعب على كاتب هذه السطور أن يقبل فكرة بلوغ الشاعر منعطف السبعين، فعبّر عن ذلك الرفض في كلمته الافتتاحيّة. غير معقول! أنسي الحاج عمره عشرون عاماً. أو بالأحرى توقّف عند الثالثة والعشرين، عام نشر باكورته «لن» التي زلزلت المشهد الشعري في بيروت قبل أن تتردد تأثيراتها في ديار العرب إلى اليوم. لم ترق لعبتنا الأسلوبيّة تلك لأنسي يومذاك، فعاد إليها في «خواتمه» السبت التالي، ليؤكّد على الملأ أنّه شديد الاعتزاز ببلوغه السبعين. عشرون، سبعون، ما الفرق؟ إنّها لعبة أرقام. واليوم نعرف أكثر من أي وقت أننا أصحاب حظ استثنائي، وفرصة تاريخيّة، لأننا عايشنا لسنوات روح التمرّد، عند ذلك الرؤيوي الذي كان قد بشّرنا من أوّل الطريق، في بيانه الشهير، بالأزمنة الآتية: «الشاعر الحقيقي، اليوم، لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون محافظاً». ما زالت كلمته راهنة، ترنّ في أسماعنا كأنّها كتبت للعرب في زمن الردّة الحالي: «إن معارضة التقدم عند المحافظين ردة فعل المطمئن إلى الشيء الجاهز، والمرتعب من الشيء المجهول المصير. التقدم، لمن ليس مؤمناً بما يفعل، مجازفة خرقاء، وهكذا يبدو للمقلدين والراكدين. وبين المجازفة والمحافظة لا يترددون، فيحتمون بالماضي ويسحبون جميع الأسلحة من التعصب إلى الهزء إلى صليبية المنطق التاريخي، بل إلى صليبية منطق تاريخي زوروه بمقتضى سفينتهم».
كان أنسي مع التقدّم، مع كسر القوالب، وتجاوز الحدود، وإعادة اختراع اللغة كل صباح ومساء. توقّف طويلاً عن الشعر بعد «الرسولة بشعرها الطويل حتّى الينابيع» الصادرة عشيّة الحرب الأهليّة. لكنّه حمل علاقته الشبقيّة والصداميّة باللغة في كل فقرة نحتها، حتّى مقالته الأخيرة في «الأخبار» قبل أسابيع. كان أنسي فوضويّاً حتى النخاع، من دون أن يكون يساريّاً. كان متمرّداً في اللغة والحياة، ومتمسّكاً بنظرته الخاصة إلى العالم على حواف الرجعيّة أحياناً. وهذا كان يجعل منه مبدعاً، وصحافيّاً، وشاهداً استثنائيّاً لا يقبل التصنيف، وتضيق به الخنادق، وتعتمل في أعماقه التناقضات كأبطال دوستويفسكي: بين إيمان وغواية المحظور، بين انعزاليّة وراديكاليّة، بين محافظة وتمرّد وجودي وميتافيزيقي. كل هذه التناقضات تقف وراء نصّه الفريد، يضيق به اليمين التقليدي الذي ليس بعيداً عن بيئته، وينتفض لبعض مواقفه اليسار التقدمي الذي سبق الجميع إلى تبنيه والاحتفاء به.
لكن كل تلك التمييزات تسقط عند أبواب القصيدة، هنا تأخذنا قوّة خفيّة إلى حيث شيّد بودلير جنّته الفريدة. هنا تذوب التناقضات ولا يعود من معنى إلا للرؤيا، إلا للكلمات وقد تصفّت وتطهّرت من جاذبيّة اللغة القديمة. من خلال «قصيدة النثر»، ذلك الطوطم السحري الذي ما زال يقاتل من أجل شرعيّته كما لاحظ في وثيقته المقدّمة إلى «مؤتمر قصيدة النثر» («برنامج أنيس المقدسي للآداب» في الجامعة الأميركية في بيروت عام ٢٠٠٦): «أنا قصيدةَ النثر الصغيرة الدخيلة، عشبةٌ هوجاء لم يزرعها بستانيّ القصر ولا ربّة المنزل، بل طلعتْ من بركان أسود هو رحم الرفض. وأنا العشبة الهوجاء مهما اقتلعوني سأعود أنبت، ومهما شذّبوني لن أدخل حديقة الطاعة، وسأظل عطاءً ورفضاً، جليسةً أنيسة وضيفاً ثقيلاً، لأني ولدتُ من التمرد، والتمرد، التمرد الفردي الأدبي والأخلاقي، على عكس الثورة، لا يستكين ولا يستقيل حين يصل الى السلطة»… ستظل بيننا وبين أنسي تلك العشبة الهوجاء. أنسي في تاريخنا الثقافي المعاصر… هو بلا شكّ تلك العشبة الهوجاء…

يمكنكم متابعة بيار أبي صعب عبر تويتر | [email protected]