أنسي الحاج


بيروت ــــ ١٩ أيار (مايو) 2006

أيها الكرام،
الجواب، أمام دعوة الى مؤتمر حول قصيدة النثر، الجواب الفوري هو: لماذا، وقد انتقلنا الى الجهة الأخرى من المرآة؟...
لكن الجواب واهمٌ، رغم انه صادق. صادقٌ كما هو صادق كل مأخوذ بعالمه الداخلي. فهو يغوص، حتى يقطع صلته أو يكاد بالعناصر الخارجية. وفجأةً يكتشف انه هو قطع، انتقل الى الضفة الاخرى، ضفة الكينونة الصافية المأخوذة بشروطها، لكن الأرض الخارجية، ارض الواقع والسوابق، أرض الأقدام التي على الأرض، لم تنسَ، وأنها تنتظره، تنتظر وقتها لتسائله. لتفحصه. لتعود وتسأله: من انت؟

انا، تجيب قصيدة النثر، مخلوق دخيل أراد أن ينتزع وجوده بالقوة، لألف سبب شكلي ومعنوي. انا، تتابع قصيدة النثر، أعترف بالوزن لكنه هو لا يعترف بي. أنا، تقول أيضاً، ليس همّي مباراة الإنشاء، بل أن أكون على صورة خالقيَّ ومثالهم، متمردة وصارمة، حرة ومسيَّجة، متنوعة حتى التناقض، إيقاعية وفالتة، متوترة ومنفرجة، غنائية وناشفة، وقائلة ما لا تقوله الأوزان.
وتمضي قصيدة النثر قائلة للباحثين فيها: ظننتُ أن مسألة البحث في أمري حُسمت، وها هي تعود الى التداول. كنتُ واهمة وكنتم على حق. فأنا المخلوق الدخيل سأظل، مهما أجلستموني بين أنواعكم الأدبية، مخلوقاً دخيلاً. أو في أحسن الأحوال مخلوقاً مقبولاً على مضض. يبدو أن هذا هو جزء من هويتي، بل من قَدَري. لأني بنت التمرد، لا التمرد على الأوزان فحسب، بل التمرد أيضاً على أوزان القضاء والقَدَر. فأنا قصيدةَ النثر الصغيرة الدخيلة، عشبةٌ هوجاء لم يزرعها بستانيّ القصر ولا ربّة المنزل، بل طلعتْ من بركان أسود هو رحم الرفض. وأنا العشبة الهوجاء مهما اقتلعوني سأعود أنبت، ومهما شذّبوني لن أدخل حديقة الطاعة، وسأظل عطاءً ورفضاً، جليسةً أنيسة وضيفاً ثقيلاً، لأني ولدتُ من التمرد، والتمرد، التمرد الفردي الأدبي والأخلاقي، على عكس الثورة، لا يستكين ولا يستقيل حين يصل الى السلطة.
على افتراض أنه يصل.
ولكنه لا يصل.
لأن السلطة التي يصل اليها التمرد هي سلطة التمرد، ولا علاقة لها بتلك السلطات، فهي كوكب للحرية، وللحرية المتجاوزة على الدوام نفسها حتى الاستهتار بالذات.
وهل كثيرٌ، بين هذه المجرّات المنتظمة بثباتها ودقتها ورتابتها وصلادتها، مجرات النظام والتشابه والتراتبية العسكرية، هل كثيرٌ ان ينفرد كوكبٌ صغير بالانحراف عن المسارات، ويغرّد خارج السرب ولا يعبأ بزمجرة الحكّام، واستنكار الآباء، ولعنات الدهور؟

■ ■ ■


والآن، الى شيء من التأكيد.
أيها الأحباء،
طويناها صفحةً من عهد الكتابة. طوينا صفحة الغرفة الممنوعة وفتحنا الغرفة الممنوعة. بالاستحقاق والاغتصاب، لا بأس. بالسلاسة وبالوحشية، لا بأس. بالهمس والفضيحة، لا بأس. بالنعمة والانقضاض، لا بأس. لا شيء كان سيتم بسلام. كانت حرباً ولولاها لما دخلنا تلك المساحة الحديثة، ذلك المجهول المتلاطم الاحتمالات. ارتكبناها خطيئةً كُتبت علينا. خطيئة تجاوز الخطوط الحمراء، خطوط الشكل واللغة والفكر والمعتقد والذوق والمحرَّم والمقدَّس. طويناها صفحة. صفحة بمئات السنين، وما أتينا به أردنا ولم نُرد له أن يلغي شيئاً، فنحن في صميم مجيئنا مأخوذون أيضاً بأسرار وكنوز من الماضي، ومع هذا نحن "تقليديون"، تقليديو الفنون المرذولة والعلوم السوداء، تقليديو السحر، والآن تقليديون خوارج من عائلةٍ ماضيها حاضر وحاضرها مجهول.
وكما قلنا، لا ندّعي إلغاءً للوزن ولا للقافية، بل نحن من عشّاق الأغاني، كثيراً ما نفضّلها على كتاباتنا. فكيف ندعو الى إلغاء وكلّ حملتنا حملةُ غرسٍ وإيجادٍ وإكثارِ حياة؟ ليكتب كلٌّ على هواه، ولينقل الهواء ما يحلو له نقله. لقد أردنا مكاناً لما لم يكن له مكان، أردنا جسداً لإيقاع لا يضطرب به روح النثر العربي فحسب بل يضطرب به روح الشاعر العربي ولا يريد سكبه في الأطر القديمة، بل يتطلع الى شكل أكثر ملاءمة لمناخه، أقلّ عسفاً حيال فكره وشعوره، أكثر قرباً من أصواته الخارجية والداخلية، أقلّ تفريطاً بحذافير تجربته، أكثر استيعاباً لحوادث لحظته وأوزان كيانه. لو لم تُرد قصيدة النثر التعايش مع قصيدة الوزن لما سُمّيت قصيدة نثر بل لزعمت لنفسها تسمية قصيدة، قصيدة فقط، بلا تمييز.
قال بعض النقاد ان ثمة قصائد نثر تنطوي على إيقاعات واضحة يمكن استخراج أوزان منها تضاف الى الأوزان المعروفة. وهي نظرية وجيهة. وليُسمَح لنا بأن نضيف اليها فنقول: أياً تكن الأوزان التي قد يستخلصها علماء الغد من قصائد النثر، نرجو ان لا تكون حدوداً ولا قيوداً، ونؤمن إيماناً راسخاً بأن إيقاعات جديدة ستظل تطل في تجارب جديدة ومعها احتمال أوزان جديدة. وهذا هو الهدف من بحر النثر، أن يكون بلا حدود ولا نهاية، وأن يظل حقل الحقول الذي كلما وطئتْه قدمٌ أحست أنها تمشي على غابة عذراء.

■ ■ ■


عهدَ الفظاظة كنتُ سأقول: عقابٌ لقصيدة النثر أن يأويها مؤتمر في جامعة. وكان سيكون ذلك كاذباً. اليوم أقول: لا ضير عليها من ذلك. وسيكون ذلك أيضاً كاذباً. الكذبة الأولى استفزاز، والثانية مجاملة. وتظل الحقيقة، مع هذا، خارج الكذبتين.
ومع الشكر للذين نظّموا هذه الحلقة الدراسية، أعتقد ان المبرر الأكبر لمؤتمر كهذا، هو ان يكون انطلاقةً نحو أبحاث نقدية وتقييمية لما أنتجه هذا النوع منذ تأسيسه قبل نحو نصف قرن. الحاجة ماسة الى النقد. حاجة القارىء، وهو ضائع وزاهد، وحاجة الشاعر، وهو الضائع والمضيِّع. لم تصبح قصيدة النثر العربية، كالمعلّقات، وثيقة للتاريخ حتى نستريح من قراءتها أو من كتابتها ولا تعود صالحة إلاّ للمراجعة الأكاديمية. ولم تُقرأ بعدُ كفايةً، لا بعين الفضول ولا بعقل التمحيص. من هم شعراؤها؟ ما هي أنواعها؟ أين هي جذورها الظاهرة والخفية؟ ما هو مستقبلها؟ ما هي الاحتمالات بعدها؟
الحاجة الى النقد هي اليوم أشدّ الحاجات الأدبية إلحاحاً. وإن كنا نعتقد مع المعتقدين أن الشعراء هم أنبه النقاد، ويظل أكبر مثال على ذلك بودلير، فلا يعفي هذا النقّادَ النقّاد من مسؤوليتهم. كان بودلير الناقد شاعراً معلناً، ولكن كم من ناقد معلن هو شاعر سرّي.
وإني أرجو لهذا المؤتمر أن يكون مناسبة ليقوم المشاركون فيه – وكذلك غير المشاركين من كبار الشعراء والدارسين – بعملية إعادة نظر تكون هذه المرة إعادة نظر لقصيدة النثر في ذاتها من الداخل، وقد كان معظم النظر النقدي اليها في السابق هو من خارجها، او من ضفاف مخضرمة.

■ ■ ■


ليُسمح لي الآن، وقد ازدحمت في رأسي خواطر كثيرة عن موضوعنا الليلة، أن اكتفي ببعضها، وسأورده على سجيّته، بدون ضبط تسلسلي:
قصيدة النثر شغل وِحدة. شغل من يدرك أو يشعر أن هذا الذي يكتبه ليس موجهاً الى جمهور معروف بل الى شخص واحد ربما، وأحيانا الى مجهول. رسالة في زجاجة يتقاذفها الموج. موجهة الى مجهول مرغوبٌ الوصول اليه رغبةً حارة، ولكنه قد يظل، بل على الأرجح سيظل كجهولا ولو عُلم.
قصيدة تكسر عزلتها ما ان تنكتب كلمتها الأولى، ولكنها العزلة الخارجة من ظلام واضح الى وضوح مبهم. الكاتب هنا قانع بزاويته الصغيرة، لا يمد ذراعيه أبعد من أفياء سطوره. هو يعرف انه ليس مطرباً، ويعرف أنه يقف على رصيف الذاكرة. هذا المصير الفقير هو الذي اختاره حين اغترب عن الاوزان المباركة والقوافي السعيدة وهبط ذلك الهبوط المدوّي خارج النعيم، منقذفاً على خطايا نثره من جيل الى جيل، تجرّحه عظامه وعروقه قبل ان تجرّحه صخور الآخرين وجبالهم، فيما هو يسبح بين الأجرام، تتشلّعه التيارات كما تتشلّع كل من يخرج على مدار الجاذبية.

■ ■ ■


في اساس قصيدة النثر، فضلاً عما قيل ويقال، بديهة نكاد ننساها. وهي، بكل بساطة، حبّ النثر. ما يجده الناظم في الوزن أجده في النثر. موسيقى الأوزان تناسبه، موسيقى النثر تناسبني. الامتحان الذي يخضع له في تطويع الوزن، أخضع له في تطويع النثر. استنباط الايقاع من النثر هو أشبه بتحويل المعدن الرخيص الى ذهب. ليس هذا فحسب، بل الكتابة كلّها هي هذه العملية الخيميائية، ولا قيمة لها الا بمقدارها، وبمقدار تحدّيها شبه اليائس لاستحالة النجاح في هذه العملية. ليس هذا فحسب، بل الفكر، مجرد الفكر في مجرد الرأس، ان لم يكن توقاً، وبكل جدية التوق ومأسويته، الى تحقيق تلك العملية الخيميائية السحرية التي تشتقّ الشيء من خصمه والنبل من الوحل والوجود من العدم والجمال من الغياب، فأي معنى له ولصاحبه؟
فلنعد الى الخواطر حول قصيدة النثر.
ان الطاقة التي ولّدت قصيدة النثر في اواخر الخمسينات – مطلع الستينات من القرن الماضي وحملتها كالاعصار مفجّرة في وجهها حرباً هي الأخرى اشدّ من الاعصار، تلك الطاقة وازتها طاقة لا تقل زخما في ارادة بناء عضوي لقصيدة النثر وهندسة لكياناتها يحميانها من الذوبان في نهر الانحلال او من التساقط تحت خيول الانفلات.
ان أي قصيدة هي كيان متوهّج قائم بذاته، وقصيدة النثر لا تشذّ عن هذا الوصف. لكن يجب الاقرار بأن اللحظات الشعرية ليست متساوية، وقد تبتعد قصيدة عن مفهوم الكيان المتكامل السيّد وتقترب أخرى، وتستوفي قصيدة الشروط جميعاً وتنحرف اخرى. وإذا كان في هذا الانحراف وهن فليس بعارض قاتل ولا بخطيئة مميتة إن توافرت صفات شعرية أخرى تُغرق الفجوة التقنية أو الشائبة العضوية بفيض من الدفق الشعوري أو الجمالي أو ما لا يحصى من ميزات الفيض.
ويؤخذ علينا، أنا وسواي من المؤسسين، اننا حددنا شروطا ومواصفات لقصيدة النثر عدنا، أنا وسواي، وخرقنا العديد منها. من ذلك حجم القصيدة. قلنا بالقصيرة، ثم اكتشفنا بالممارسة ان لا ضير في الطويلة، حتى لو تنافرت، حين تدعوها تجربتها الى الافاضة، او حين يجرفها سيلها فيمنعها من الانحصار في ساقية تحت طائلة التشويه. وغيرها قليل، خيانات ارتكبناها، انا وسواي، ولكنها خيانات من نوع الشذوذ المثبّت للقاعدة، بل من نوع توسيع الحدود. لم نفرّط في مفاهيم القصيدة، بل طوّرناها وجعلناها أرحب مما أريد لها في القرن التاسع عشر الأوروبي والأميركي يوم كانت مجرّد رفيقة صغيرة فقيرة لصاحبة الجلالة قصيدة الوزن.
فالشعر يبتدع أصوله كما يبتدع السائر ظلاله. ويتلوّن ويتجدّد كما يتلوّن الاغراء ويتجدد. لم يخطىء العرب في تسمية روح الشعر بالشيطان. شيطان الشعر هو اكسير المفاجأة. شيطان هائم في الطهارة والنقاء كما هو هائم في الرذيلة والتهتّك، ودوما فمه مضرّج بماء التفاحات، ينهش فيها ويثمر أطيب منها، وعند قدميه المصابيح، وعلى خطاه المعرفة، معرفة الاطفال، المعرفة التي تتقدم الحياة وتسخر من ذاتها وتصنع الحياة والخيال والرغبة والجمال، ولا تدّعي انها عارفة بل تتجلى كالظهورات وتكون في أول المفاجأين بذاتها، تلسع وتمطر وتُشعل وتؤنس وتلعب، والشعراء لا يتبعهم أحد ولا حتى ظلهم، لأنهم ارواح ترفرف على وجه الحياة وامام عيون الابرياء وجرحى الوجود واحلام الصبايا، مثلما قديما قيل ان روح الله في البدء، قبيل النور، كان يرفرف على وجه المياه.

■ ■ ■


خاطرة اخرى: من الحق أن يُسأل شاعر النثر لماذا لم يكتب نظما؟ عن عجز ام عن رغبة في التنويع؟ والاجوبة باتت معروفة. ولكن لماذا لا نسأل ان لم يكن هناك وراء اختيار النثر كيانا شعريا، نقصٌ ما في قدرة الأوزان على ملاقاة ما يريد الشاعر قوله – ملاقاته بأمانة ورحابة، بطواعية وتناغم، بعدما فتحت اطوار الحياة الحديثة أبواب الانقلابات والاحتمالات على مصاريعها، وحتى تلك الأشد عجباً والأكثر استدعاء لا لأساليب تعبيرية جديدة فحسب، بل للغة جديدة؟
لا عبرة في القول ان كثيرين من ادعياء الشعر يختبئون وراء مسمى قصيدة النثر او الشعر المرسل، لصفّ الكلام وطلاء العقم تارة بالفراغ المنقّط وطورا بإنشائيات سقيمة تعمّق الهوّة بين القارىء والشعر، والشعر منها براء والقارىء فيها مظلوم. لا عبرة في مثل هذا القول، فهو صحيح، كما هو صحيح القول إن كثيرين من ادعياء الشعر اختبأوا ويختبئون وراء مسمى قصيدة الوزن او الشعر العمودي لصف الكلام والخ. انما العبرة في قياس الشعر – بل الخلق عموماً – بحجم القَدَر الذي يصارعه. ولا ألعب هنا على اللغة، فالالتباس مقصود: لأن الخلق يصارع القدر، كما أن القدر، رغم مظاهره غير العابئة أو قناع اختفائه، هو ايضا، هو خاصة، هو دائما يصارع الخلق.
ان اغراء السهولة الذي تلوّح به قصيدة النثر إن هو إلا سراب، اكثر ما يشبه سراب الانخداع بسهولة الحرية. ومرة أخرى لا أستعمل التشبيه صدفة، بل هو مفروض تبعاً لقاعدة السبب والنتيجة. فقصيدة النثر بنت الحاجة الى الحرية، والحرية النثرية هذه حرية انعتاق من قوالب وحدود اكثر بكثير مما هي حرية قول أي شيء نريد باي شكل نريد. ولأنها حرية الانعتاق من العبودية، فسرعان ما تلمّست اشكالا وضوابط من نوع آخر، من صميم التجربة الجديدة، تقيها تشوّهات الفوضى. ولا أقاوم هنا استعمال تشبيه غريب لمحاولة وصف العلاقة التي تربط قصيدة النثر بصاحبها وصاحبها بقارئه وقارئها بها: اراها علاقة جدلية سادية مازوشية، طرف فيها يقسو وطرف يلين.

■ ■ ■


ومع هذا، مع هذا،
سنتظل الأوزان المعروفة مرغوبة لأن ايقاعاتها استراحة للوجدان ونزهة راقصة للذاكرة والقلب، ولأن في اتقانها براعة تنتزع الاعجاب، وكم يحتاج الانسان الى الاعجاب بما لا يستطيعه شخصيا، ففي هذا ما يريحه في مقعد التلقّي، يطربه ويهدهده ويحمله على أجنحة النغم السائغ الى الضفاف الهنيئة.
ستظلّ الأوزان مرغوبة وقبلة أسماع الكثيرين، وربما الأكثرية، بمن فيهم أحياناً العديد من شعراء النثر. ستظلّ ما دامت الحاجة إلى الرقص المضبوط الإيقاع حاجة للذاكرة والحواس كما هي حاجة للجسد بأعضائه جميعاً.
لا أعرف إن كان أحدنا في زمن الاندلاع الأول، أو ردّ الفعل قد قال مرّة إنه يريد بقصيدة النثر إلغاء الوزن. ربّما. لكنّ الحقيقة هي أن قصيدة النثر لم يَخْلقها تحدّي الإلغاء بل حاجة مطلقة إلى الانوجاد. حاجة بدوافع وعوامل وعناصر كثيرة، ولّدها الانفجار بين كبت الماضي ونداء الحياة. حاجة إلى التمرّد الكياني والتعبيري، وحاجة إلى لغة وفيّة. حاجة إلى نبش تراب الكتابة حتى جذوره الخفيّة الرطبة في أديم الشعور. حاجة إلى الانبثاق لا تخضع نتيجتها إلا لامتحان القدرة على الصمود بعد الانبثاق.
هل أردنا من حيث لا ندري إعادة ربط صلة ما لا نعرفها بنثر عربي قديم، يقال إنه لم يكن موجوداً، وبعض الظواهر، فضلاً عن عقلنا الباطن، يومئ لنا بأنه كان موجوداً؟
أم كانت فقط حركة حداثة صافية، أرادت اللقاء بإيقاعات العصر والعالم، ولم تذكر بعض الجذور المحتملة لها في التراث إلا من باب التشنُّع؟
على كلّ حال، من جهة، كائن مستقرّ ومرغوب وشعبي هو الوزن. ومن جهة أخرى، كائن متمرّد وشقي ومبهم هو قصيدة النثر.
زواج شرعي، في وجهه علاقة غير شرعية.
الحلال والحرام.
واحدهما يستدعي الآخر.
الحرام يفقد نكهته الانتهاكية، إذا تلاشى الحلال،
والحلال يصير موتاً إذا لم يكمن له الحرام.
وهكذا نحصل على نوع جديد من التعايش الأدبي نستطيع أن نسمّيه تعايش الخير والشرّ، والجريمة والعقاب، وآدم القانع بمصيره، وآدم الآخر الرافض مصيره، وطبعاً حوّاء الزوجة العاقلة، وحوّاء الأولى، ليليت العفريتة، المتمرّدة التي فضّلت حرية اللعنة، أو لعنة الحرية، على دموع الاستقامة وقداسة الأمومة وتاج الآخرة.

■ ■ ■


أيها الكرام،
هل يكره الخالق الخليقة؟ إذا أجبنا عن هذا السؤال بنعم، نفهم لماذا الموت. إذا أجبنا بلا، يتعاظم اتهامنا للخلاّقين: فإن كانوا يحبّون خلائقهم فكيف يتركونهم يموتون؟ وإن كانوا يعجزون عن حمايتهم فلماذا يخلقونهم؟
وقد يكره الخلاّق خلائقه لسببين على الأقل: الأول حسداً منها إذا رآها وقد ابتهجت بوجودها أكثر مما يحتمل، والآخر تبرّماً منه بالمقلّدين إن اعتبر أن مخلوقاته تستنسخه.
والخلاّق معذّّب في كلّ الأحوال. فإن هو لم ينجب سلالة، يُصلب على عزلته. وإن أنجب، يُصلَب على حرمانه صفة الوحدانيّة.
وخلاصه ما كان سيكون إلا ببقائه مغلقاً، يُعفيه عقمه من النَدَمَين.

■ ■ ■


كلّ تكوين إنما ينبثق من حلم. وما ينبثق من التكوين قد لا يكون حلماً أو تحقيق حلم. ومرّات، من التكوين تنبجس الكوابيس. وذلك هو أحد آلام الأحلام. الحلم كالحرية كالحبّ، إما تأخذ به وبكلّ نتائجه، أو تعتذر منه وتستقيل. الحلم لا يرحم. ولستَ أنت من يحدّد ثمنه. لا أعرف مَن. ولكن لستَ أنت.
لا يقتحم أحد ميداناً إلا وفي قرارة نفسه رغبة بأن يكون البادئ والخاتم. حتى ولو تظاهر بالعكس. أتحدّث هنا عن الخلاّقين لا عن الأنواع. الأنواع تتعايش ولكن بذكائها الخاص لا بإرادة خلاّقيها.
أفظع ما في الأمر ليس مقدار التبجّح ولا شغف السلطة ولا حمّى الإلغاء عند الخلاّقين، أفظع ما في الأمر أن القدَر يشاء، بين مفترق وآخر في التاريخ، أن يحقق بعض المقتحمين هذا الحلم، وغالباً بعد موتهم، فيكون للبشرية، مثلاً، سوفوكل وأفلاطون وشكسبير ودانتي وميكل آنج ودافنشي وموزار وفان غوغ وبيتهوفن وبودلير ودوسيتوفسكي ونيتشه... هؤلاء، وغيرهم من طينة مشابهة، حلموا وكوّنوا، وإن كانوا قد تركوا الحلم مفتوحاً فإنما أغلقوا التكوين. كيف؟ بوحشيّة إبداعهم. وحشيّةٌ ترغب في التقليد، ولكنها لا تُقلَّد. وحشيّة طبعت الزمن كما طبع الإنسان الأول الأرض والبشر حين انبثق. ونحن إذ نغبط هذه الوحوش الذهبية الإلهية، فليس فقط لتركها لنا جمالات توقف قليلاً سير الموت فينا، بل لأننا نحبّها أو نكرهها ولكننا لا نستطيع أن ننتسب إليها إلا كعشاق أو كارهين، لا كأنداد ولا حتى كمقلّدين.
ولكن أنّى لنا، نحن الأقزام، مثل هذا المصير الرائع المروّع؟ لقد حُكِم علينا، وقد سربلونا بتسمية الروّاد، أن نفتح الأبواب ولا نستطيع إغلاقها. هل يؤلمنا هذا الوضع؟ يؤلم بعضنا بالتأكيد، إذا توكّلنا على نوازع النرجسية. ويؤلم بعضنا الآخر إن اعتبرناه، أو اعتبر هو نفسه المرجع الأكبر. وفي هذا ما فيه من أنانية الأبوّة التي لا ترى خيراً في الأبناء إلا لأنهم يذكّرونها بنفسها وهي كانت تريد لنتاجها أن يكون مستودعها الأخير. وضعٌ مؤلم لمن ينسى أنه هو أيضاً كان طارئاً ودخيلاً قبل أن يغدو مقيماً وأصيلاً، ومؤلم لمن يكره العودات، ولمن يكره البدايات إلا على يد ذاته، ولمن يكره أن يضيف إليه أحد، فكيف بمن يتجاوزه أو يطويه.
هذا الوضع المؤلم، أنا شخصيّاً عرفتُه. عرفتُه من زمان، ويومها لم أكن قادراً أن أحبّ من الشعراء والأدباء إلا من لا يشبهني في شيء. كنت أغترب بواسطتهم. أهرب. كان ذلك علامة مألوفة لدى جميع كارهي ذاتهم.
لم أنقلب من هذا الموقف إلى عكسه. كلّ ما حصل هو أني، بالإضافة إلى استمتاعي بقراءة اللامشابهين، تعلّمت أن أكتشف، أن أكتشف جميع مَنْ تتاح لي مطالعته، بدون حبّ جاهز ولا بغض جاهز، بل بملاءة ذهنيّة ونفسيّة، يطغى عليها ميل إلى الإعجاب، وتعطّش إلى الفرح بالموهبة أو النبوغ فرحي بالنعمة وكأنها مُنحت لي.
نحن الأقزام هذه مكافأتنا. نجدها هنا، على حياتنا، وفي أبنائنا وأبناء سوانا ممّن تخطّانا بعضهم ونريد لغيرهم لا أن يتخطّانا فحسب بل أن يدفنونا دفناً ذات يوم.

■ ■ ■


شيء يجعلنا لا نرغب القيام من أمام فيلم سينمائي، من أمام شريط متسلسل لا ينتهي إلا ليبدأ تخديرُ شريط جديد، واستسلامنا الكلّيّ إلى براثن أحضانه.
عندما كنتُ طفلاً كنت أبكي في صالة العرض حين ينتهي الفيلم، وأتشبّث بالمقعد رافضاً الانصراف، ظنّاً منّي أن بقائي سوف يعيد الحلم.
هذا الحلم هو نفسه ما يعدنا به الفن، والشعر، وما تعطينا إيّاه السينما بسخاء لا يكدّره أبداً طابعها الصناعيّ ولا حسابها التجاري. هذا الحلم، هذا التهرّب من قدرنا ورعبنا، طلبناه من الشعر، كما طلبنا منه أن يكون سلاحنا عند الاضطرار إلى المواجهة مع تلك الوحوش أو أولئك الآلهة. كلا الفرار والصراع، هما في أساس قرعنا لأبواب النثر. لقد كانا كلاهما منذ فجر التعبير، طبعاً، ومنذ فجر التعبير وأساليب هذا التعبير تتحرّك وتتغيّر تبعاً للحياة. وهذا هو أيضاً ما أحسسنا بالحاجة إليه في أواخر الخمسينات من القرن الماضي، عندما راحت نداءات الداخل وعوامل الخارج تستحثّنا لاكتشاف أثوابنا الجديدة، وصناعة مفاتيحنا الخاصة، والدخول بخطانا نحن لا بخطى مستعارة إلى حقول لم نعرف، والأمل أن نظلّ لا نعرف، أين تؤدي، شرط أن يبقى الدافع إلى السير عليها هو تلمّس لحم الروح وتجرّع شراب لحظةٍ تُصعدنا كالأولاد العابثين فوق ظهر الموت، وعدم إحناء الظهر، بل الظهر والرأس واللغة والأرض، إلا لشيء واحد، لشيء واحد يتكرّر ولا يتكرّر، يتكرّر ويظلّ معلومه مجهولاً، يتكرّر ويظلّ هو المفاجأة، شيءٍ واحد يضع حدّاً لحرب الخير والشرّ، شيءٍ واحد هو فضيحة الفضائح وشريعة الشرائع، شيءٍ واحد أجمل من الجمال، شيءٍ واحد هو الحبّ.

■ ■ ■


كان غوته يقول: "الشعر هو الخلاص". وقال دوستيوفسكي: "الجمال سيخلّص العالم".
هذا السباق الى الخلاص، أريد أن أختم تحت رايته.
وبعيدا عن الأنواع والأجناس، ومعارك القديم والجديد، وجهود المعبّرين في البحث المتواصل عن لغة أكثر أمانة في تقمّص التجربة، اسمحوا لي أن أعقد أمنية.
أنا صاحب الهدم والصلاة، أتطلع، وقد أَضنيت وأُضنيت، إلى كتابة تشفي.
لا أقصد كتابةً تُلهي، وأنا أحبّها، وفي مرحلة طويلة ما هربت إلا بها.
بل أقصد الكتابة التي تشفي، التي تُنقذ، التي تخلّص، كما تشفي المعجزة وتنقذ وتخلّص.
لا أتنكر لكتابة الغضب واليأس، ولا لكتابة الهدم والإطاحة، بل اتبنّاها وأنا من جنودها، وسوف تظلّ، كما تظلّ كلّ كتابة صادقة وحيّة، ضرورية ضرورة الحقيقة وضرورة الحياة وما فوقهما.
لا تنكّر ولا انقلاب، بل إضافة. إضافة نعمة. نعمة تنير الليل الكوني كما تنير الليل الفردي.
إن للبشر في ماضي الكتابة روائع حقّقت معجزات.
والكلمة في الأساس معجزة.
وما أتمناه هو أن يستعيد الكاتب، شاعراً كان أم روائياً أم فيلسوفاً وناقداً وخطيباً، أن يستعيد لا سلطة التكوين التي هي له فحسب، بل سلطة الشفاء من أمراض الوجود.
في مطلع الألفية الثالثة، وعلى هامش حديث الشعر الذي هو جوهري دائماً، ومن هذا المنبر العريق في التفاؤل أدعو الكتابة إلى وليمة.
إلى وليمة القوة التي تغلب البؤس، تغلب اليأس، تغلب العجز، وتغلب الاختناق.
إلى وليمة الخلاص بسحر المعجزة الشعرية. والمعجزة، أيها الكرام، هي دائماً شعرية.