في المطار، أخرجتُ الجريدةَ من جيبي، مزقةَ الصفحة الأخيرة، كأنها رسالة في زجاجة، الزجاجة قذفها بحر بيروت لي؛ كان نصُّه الأخّاذ: «عيون». منذ «لن»، وأنا مسحورٌ برنّة الكلمات في القلب. لطالما أردتُ السير على خطاه! هذه المرة، كتبتُ على حوافّ الجريدة، ما أملاه عليّ من «العيون»، اكتشفتُ، مجدداً، «ما هو أكثر» في العلاقة اليومية بالمرأة والعالم والحياة.


دائماً، بعد استنفاد كل وصف وتحليل ممكنين، يوجد «ما هو أكثر»، وقليلون، أحياناً، يحاولون اكتشافه، فيعصى، وما يبقى ممكناً هو الشرارة بين الإزميل والحجر. عاش أنسي الحاج عمره يسعى للاقتراب ممّا هو أكثر من المرئي والمسموع والملموس، فغدا هو نفسه الأكثر العصيّ البعيد، سوى أنه، في ذلك البرق الغامض، يحرّضنا على اكتشاف الدهشة، ويغرينا بكتابة تقتفي أثره. كتبتُ النص التالي، تحت التأثير المباشر لأنسي الحاج، وغالبتُ خجلي حين أرسلته إليه. الآن، وقد رحل وذاب في غيمة لا تُدرك، شيء ما يدفعني إلى نشر ما هو ممكن من ذلك النصّ المفتون بكلماته؛ أنا المشغول بالصراعات حتى الأذنين، وجدتني على رصيف الحاج، عاشقاً. الشاعر ليس من يكتب شعراً _ ولو عظيماً _ بل هو الذي يدلنا على منابع الشعر في الحياة اليومية، مَن يغوينا بالتسلل إلى مغارة الأشواق المهجورة في ذواتنا المتجهّمة الخائفة الصلدة.
3 تفاحات وسكين
عيناكِ فضيحة؛ مَن يلمحهما تسقط في قلبه ثلاث تفّاحات وسكين، تفتنه شهوةٌ مبهمةٌ، شهوةٌ لامرأةٍ مختزنةٍ في حلم أو ذكرى، يرتبك، ثم ينتبه ويستدرك.
وتنتبهين.. دائماً تنتهبين، وتكشفين المخبوء. يصعب أن تغادر عيناكِ وجدانَ الرائي، يُفاجَأ، في الذكرى، بأنه يعرف عنكِ الكثير. تتساوى في حجم معرفتك، النظرةُ والعمرُ الطويل؛ لا تفاصيل، وإنما اكتشافٌ مذهلٌ يلمع كالبرق. البسطاء أكثر يصدّقون البروقَ أكثر، يتقدمون، وأحياناً يفوزون!
الأكثر عُمقاً يشكّكون، يتفادون، حتى حينما تبرق الرؤيا في ابتسامة الوجه كالسحر، يتفادون، تغدو الشهوةُ إعجاباً، والفجورُ تهذيباً، والعلاقةُ الممكنة وقوفاً عند منحنى!..

■ ■ ■


العشّاق الوجلون كُثرٌ، لكنهم ضروريون من أجلكِ، من أجل ملكة النحل!

■ ■ ■


أنا معذّبٌ لأنني أحبك سبع مراتٍ؛
كالبسطاء أنا عاشقٌ فائزٌ، لكنني، كفيلسوف عاثرٌ، أفكّر في معنى امتلاكك! وكالوجلين لا أتيقّنُ من بروقك، وأقفُ على الحدود، وكالخائفين، أهرب من تسلّط العينين البغيتين، وكالأطفال، استحضر وجهكِ الضحوك، وكشريكٍ، أتواطأ، وكزوج متملّك، أغار!
لستُ واحداً، بل سبعة معاً؛
لذلك، تواصلين معي أيتها الملولة،
لذلك، يكون مذاقُكِ مختلفاً في كل مرة،
لذلك، أتوجس من اللقاء بعينيك مباشرةً، هل تلاحظين؟

■ ■ ■


كلّ جسدٍ يستنفدُ حضوره حتى آخره، إلا جسدُك يظلّ حاضراً. هذه الحقيقة العلمية أنا مكتشفها اللحوح، أفكّر، بلا مخرج، عن السر. السر في العيون، أعرف، لكنني أخاف من المرايا ومن الوقائع، أخاف من أحلام الرجال بين الكحل والبريق. آخذ جسدك، كالفوز بامرأةٍ عابرة، وحين أكون .. أستدعي ابتسامتك، وأهربُ من سطوةِ عينيكِ، وأفرُّ لأفكّر بكل ذلك، أخشى على ما أعددتْه من رجولة لتمنحك البهجة، ثم أعانقكِ كطفل.

■ ■ ■


هدأتي الوحيدة القصيرة الموجوعة الانتحارية، تحدث، فقط، حينكِ، وحين تمضين...

■ ■ ■


أتحاشى عينيك!


■ ■ ■


أفكّر بالرداء الأكثر سفوراً عن روحك، ويسمح للرّائي باقتناص عبقرية النحت في إيقاع الحركة بالذات، ثم أراك تنظرين .. لن يبلغ جسدك المنحوت للاشتهاء والصلاة معاً، مبلغَ العينين.


■ ■ ■


لا تنظري نحوي:
هذا الحبُّ شرسٌ،
يحتاج إلى الهدوء!