القاهرة | بدون إبلاغ العاملين بها مسبقاً أو إصدار بيان رسمي يوضح ملابسات القضية، أغلقت مجموعة «إعلام المصريين» التابعة للدولة في مصر «الناس» التي كانت تعد القناة الدينية الوحيدة ضمن باقة القنوات المملوكة للدولة، وهي التي أثارت جدلاً واسعاً منذ انطلاقها قبل 13 عاماً. مسيرة قناة «الناس» بحدّ ذاتها يمكن أن تتحول إلى مسلسل درامي يكشف كواليس متغيرات الإعلام المصري خلال عقدين من الزمن. المحطة بدأت كقناة اجتماعية عام 2006 ونشطت في مجال «بيع الهواء» أي فتح الباب أمام كل من يريد الظهور سواء كان طبيباً أو رجل أعمال أو مرشّحاً لمجلس النواب مقابل دفع مبلغ محدد، ورفعت شعاراً في ذلك الوقت «الناس لكل الناس». بعد عامين تقريباً، نجحت مجموعة من رجال الأعمال السعوديين والمصريين في الاستحواذ عليها، وتحويلها إلى قناة دينية سلفية شعارها مثير للجدل وهو «الناس قناة تأخذك للجنة». تدريجاً، اختفى العنصر النسائي منها حتى من يعملن خلف الكاميرا بأوامر شيوخ السلفية الوهابية الذين تحكموا بها وأبرزهم: محمد حسان، ومحمد حسين يعقوب، وأبو اسحق الحويني.

في تلك الفترة، لم تتدخل الدولة كالعادة رغم أن القانون وقتها كان يمنع إطلاق شاشات دينية بحجة أن القناة تنطلق عبر القمر الصناعي الفرنسي «يوتيلسات» الذي يسير في مدار «نايل سات»، أي يشاهد قنواته المصريون والعرب، لكن مسؤوليته القانونية تقع على عاتق الشركة الفرنسية. حققت الشاشة تأثيراً كبيراً لدى قطاع كبير من محبي البرامج الدينية السلفية، وجاءت ثورة يناير 2011 لتحول القناة إلى لسان حال جماعة الإخوان المسلمين وتنطلق قنوات دينية عدة تكمل معها الصورة. كانت برامج القناة دائماً محل سخرية من مؤيّدي الدولة المدنية، وغالباً ما هاجمها باسم يوسف الإعلامي الساخر في برامجه على مدار أعوام 2011 حتى 2013.

تُرك 150 موظفاً بلا مدخول يَقيهم الظروف الاقتصادية الصعبة


مع عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، أُغلقت كل القنوات الدينية التي كانت تساند جماعة الإخوان وفي مقدمتها «الناس». لكن الأخيرة عادت بهدوء وبشكل مختلف تماماً، لتكون أول قناة تمتلكها الدولة المصرية في إطار خطة لم تكن معلنةً حينها وتقضي بالاستحواذ على الإعلام الخاص. وقامت شركة «دي ميديا» التي أسستها الرئاسة المصرية بشراء القناة من ملاكها الأصليين وتحويلها إلى قناة أزهرية تحت إشراف الشيخ علي جمعة مفتي الجمهورية السابق، وبهدوء لا يناسب الهدف المرجو من القناة أي: إقناع المهتمين بالشأن الديني أن الدولة ليست ضد الدعوة الإسلامية وإنما ضد من يتاجر بها مثل جماعات الإسلام السياسي. ورغم استمرار القناة قرابة أربع سنوات بشكلها الجديد، إلا أنّ تأثيرها ظل محدوداً من دون مبرر مقنع، حتى إنّ بعض المتابعين كانوا يكتبون تعليقات يعبرون عن دهشتهم بأنها لا تزال موجودة لأن إغلاقها رافقته ضجة كبيرة فيما العودة كانت شبه سرية. ظلت القناة سنوات عدة ضمن مجموعة «دي ميديا»، التي تمتلك أيضاً قنوات «دي. إم. سي» و«الراديو 9090». وبعد إعلان استحواذ مجموعة «إعلام المصريين» على «دي ميديا» مطلع نيسان (أبريل) الماضي، بدأت التسريبات حول مصير «الناس». إذ تم تجاهلها ضمن قرارات إعادة الهيكلة التي شملت إعلان رؤساء كل القنوات التابعة للمجموعة. وأفادت التسريبات بأن حجم الإنفاق السنوي على القناة تخطّى حاجز المليوني دولار في السنة، وهو رقم منخفض بالنسبة إلى ميزانيات قنوات أخرى، ويساوي ميزانية إنتاج مسلسل واحد. وفي ظل نقص المعلومات، انتشر تفسير آخر يقول بأنّه يجري حالياً الدفع بوجوه جديدة وشابة في مجال العمل الدعوي في مقابل الاستغناء عن الأسماء الكبيرة، مثل شيخ الأزهر أحمد الطيب والمفتي السابق علي جمعة. بالتالي، كان لا بد من إغلاق النافذة الإعلامية المخصصة لهم، على أن يتم إطلاق بديل لها لاحقاً. وسط كل هذه التفسيرات غير المؤكدة، بقيت أحزان العاملين في القناة (150 موظفاً من إعلاميين وفنيين) الذين تلقوا صدمة مزدوجة، تتمثل في إغلاق القناة من دون تمهيد مسبق، وكذلك قبل رمضان بأيام، ليفقدوا دخلهم الشهري في ظروف اقتصادية صعبة.