كل المعطيات تنبئ بموسم مختلف على كل الأصعدة. هكذا يترقب المهتمون بصناعة الدراما المصرية سباق رمضان 2019، كونه الأوّل الذي تُحكم فيه الدولة سيطرتها على سوق الإنتاج وشاشات العرض في آنٍ. سيطرة بدأت تدريجاً في العامين الماضيين، سواء بامتلاك بعض القنوات والتضييق على أخرى، أو بمحاولة وضع سقف لتكاليف إنتاج المسلسلات والاتفاق على عدم المضاربة في الأسعار من جانب القنوات عند مفاوضات الشراء من قِبل المنتجين. لاحقاً، لم يعد لتلك الضوابط حاجة، بعدما استحوذت مجموعة «إعلام المصريين» المملوكة من الدولة على الشبكات الأربع الرئيسية، إما بالشراء كما حدث مع شبكة قنوات «أون» ثم «الحياة» فـ «سي. بي. سي»، أو بكون شبكة «دي إم سي» منذ البداية مملوكة من الدولة، بالإضافة إلى سحب عناصر القوة من الشبكات والقنوات التي لا تزال تحت سيطرة أصحابها مثل «دريم» و«النهار» و«القاهرة والناس» و«المحور».

في الوقت نفسه، نجحت «سينرجي» ــ إحدى شركات «إعلام المصريين» ــ في أن تكون هي المورد الوحيد لمسلسلات رمضان 2019. وبالفعل، وفرت لتلك القنوات 15مسلسلاً دفعة واحدة بكلفة إنتاج توازي ما كان يُصرف على 30 مسلسلاً في السنوات الماضية بحسب مقربين من هذا السوق. ما سبق لا يعني أنّ إجمالي إنتاج الدراما المصرية في رمضان 2019 هو ما تقدمه شركة «سينرجي»، إذ لا تزال شبكة «أم. بي. سي» تشتري مسلسلات مصرية. وبالفعل ستعرض حصرياً على قنوات «أم. بي. سي. مصر» خمسة مسلسلات، من منتجين آخرين، فيما تعرض بالتزامن على قنوات «أم. بي. سي. 1» و«أم. بي. سي 4» مسلسلات من إنتاج «سينرجي»، ليصل العدد الإجمالي إلى 20 مسلسلاً، إلى جانب أعمال أخرى لا تزال تبحث عن شاشات، وسط توقعات بأن لا يزيد عدد العناوين المشاركة في السباق عن 25، مقارنة بـ 31 عرضت العام الماضي.
على مستوى العدد، يرى كثيرون أنّه مناسب بما أنّ الجمهور كان «يعاني» من كثرة المسلسلات واستحواذ كل قناة على خمسة أو ستة أعمال حصرياً، وعدم القدرة على متابعة الأعمال نفسها على شاشات أخرى، وهو أمر تراجع بعض الشيء هذا الموسم. فهناك ثلاثة مسلسلات ستعرض بالتزامن على القنوات المصرية، هي: «طلقة حظ» (تأليف إيهاب بليبل، وإخراج أحمد خالد أمين) لمصطفى خاطر، و«حكايتي» (كتابة محمد عبد المعطي، وإخراج أحمد سمير ــ ON، وcbc، وdmc، وmbc4، و«art حكايات») لياسمين صبري و«علامة استفهام» (تأليف إسلام حافظ، وإخراج سميح النقاش) لمحمد رجب. كما سيعرض «زلزال» (تأليف عبدالرحيم كمال، وإخراج إبراهيم فخر) لمحمد رمضان أيضاً على «أم. بي. سي. 1» إلى جانب عرضه على «دي. أم. سي»، ومسلسل «كلبش 3» (تأليف باهر دويدار، وإخراج بيتر ميمي) على «أم بي سي 4» و«أون تي في».

امتناع عن كتابة مشاهد العنف والغزل وتعاطي المخدرات والمشاكل الزوجية


على مستوى المحتوى، الترقّب هو سيد الموقف، فالموسم هو الأول الذي يغيب عنه الكبار كلياً، سواء نجوم في مستوى عادل إمام ويسرا وليلى علوي أو من الأجيال التالية التي نجحت في تكوين قاعدة جماهيرية مثل غادة عبد الرازق ونيللي كريم وهند صبري.
يضاف إلى ما سبق ما تردّد عن كون الموسم هو الأوّل الذي يطلب فيه مسبقاً من المؤلفين التحفظ في كتابة مشاهد العنف والغزل وتعاطي المخدرات والمشاكل الزوجية، لتنقسم الآراء حول إذا ما كانت الدراما منزوعة الواقعية ستنال إعجاب فئات أكبر من الجمهور كانت تشكو من مشاهد الدم والألفاظ «الصادمة» في أعمال عدة خلال المواسم الماضية، أم أنّ فئات أخرى ستجد فيها دراما غير مشوقة وتبدأ رحلة البحث عن البدائل عبر منصات أخرى سواء عربية أو عالمية مثل «نتفليكس» وأخواتها. علماً بأنّ شبكات الـ «ستريمينغ» بدأت تدخل المنافسة الرمضانية تدريجاً.
باختصار، يعدّ هذا الموسم نقطة تحوّل في مستقبل الدراما المصرية. إمّا أن ينجح احتكار الدولة للإنتاج ولشاشات العرض في جذب الملايين من المصريين وكذلك محبي الدراما المصرية من الجمهور العربي، وتتكرّر التجربة الناجحة لقطاع الإنتاج في «التلفزيون المصري» في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، أو تخرج معظم المسلسلات دون المستوى. وفي هذه الحالة لن ينتظر الجمهور مراجعة الأخطاء وسيبحث مقدماً عن بدائل قبل ظهور هلال شهر رمضان 2020.



غياب العرب
شهد رمضان 2018 مشاركة 33 فناناً عربياً في دراما المحروسة، تنوّعت أعمالهم بين البطولة والأدوار الثانية والثالثة. وكانت حصة الأسد يومها لتونس مع أسماء من بينها ظافر العابدين ودرّة زرّوق، يليها لبنان مع كارمن بصيبص وهيفا وهبي ونور، ثم الأردن مع ركين سعيد ومي سليم وصبا مبارك...
في المقابل، يسجّل رمضان 2019 غياباً ملحوظاً لنجوم الصف الأوّل عن أدوار البطولة، على رأسهم هند صبري وظافر العابدين وباسل خياط وإياد نصّار.... مع تسجيل استثناء للسوري جمال سليمان الذي يطل في مسلسل «زي الشمس» (كتابة مريم نعوم، إخراج كاملة أبو ذكري) مع دينا الشربيني. مع العلم بأنّه لا يلعب دور بطولة، فيما تأتي هذه العودة بعد غياب سنتين عن مصر بعد الجزء الأوّل من «أفراح إبليس» (تأليف محمد صفار عامر، وإخراج سامي محمد علي) عام 2016. علماً بأنّ الجزء الثاني من العمل انتهى عرضه قبل أيام.
هذا الواقع ولّد تساؤلات عدّة حول الأسباب التي أفضت إليه، وما إذا كان الأمر يتعلّق بقرار سياسي، أو بتقليص الميزانيات كون الأسماء غير المصرية تطلب عادةً أجوراً أعلى.