نقل هاشم عدنان أصوات صموئيل بيكيت إلى منزل قديم في بيروت. جدران مقشّرة، وفضاء ظلّ مهجوراً لفترة، هو الآن مساحة مكثّفة للنصوص والمونولوغات العبثيّة للمسرحي الإيرلندي. بهذا يستكمل المخرج اللبناني مدّ خيوط النص إلى البيئة المحليّة، باختياره جزءاً منسياً من البيئة العمرانية نفسها، تحديداً بيت «مانشن» (زقاق البلاط) القديم، داخل حيّ يحمل كلّ معاني الهجر. خيار سينوغرافي لم يرد عدنان التنازل عنه، ولا التغيير من ملامحه باستثناء قماشة سوداء مسدلة، وطاولة مستطيلة لا تتسع إلا لرؤوس مطأطأة ومخبأة بالكفين، ولكرسي، في الزاوية، لا يتوقّف عن الهزّ تحت جسد امرأة متيبّس ومتروك. اليوم، يستكمل عدنان تجربته الخاصّة، بعد عمله لسنوات مع «فرقة زقاق» المسرحية. تحوّلت التجربة الفردية للمسرحي اللبناني إلى ورشة جماعية دعا إليها فنانين متعدّدي الوسائط، بالإضافة إلى تعاونه مع المترجم «ديك الجن». هنا، يصبح العمل الجماعي البيئة الأمثل لفتح حوار سياسي، جمالي، فني يعلنه عدنان في مانيفستو يظهّر عناصر متعدّدة كخلفيّة لمسرحيّة «يا ويلي النهاية» التي يستمرّ عرضها حتى 5 أيار (مايو): الخراب والمدينة والعودة إلى البدايات واللغة بوصفها مسرحاً لبحث متواصل حول هويّات جماعية ضمن نصوص غارقة في الداخل. في ترجمته لمسرحيات بيكيت القصيرة من السبعينيات والثمانينيات، استنطق المترجم «ديك الجن» إيقاعاً، ووقعاً موسيقياً محلياً وخاصاً لشخوص بيكيت التي تتجسّد حيرتها بالعطب الجسدي، بتوقّف الحركة والعجز أمام المصائر البشرية. أما الإخراج، فيتلقى هذا الاستنطاق الصوتي. إذ يعطيه المساحة لكي ينضح بكل توتّره وتردّده وصخبه الداخلي المشحون الذي تتألق في أدائه كارول عبود وساسين كوزلي وهاشم عدنان والمترجم نفسه. ماذا تعني استعادة رائد مسرح العبث، وتقديم أعماله في بيروت اليوم؟ لعلّ العوالم المغلقة، والمشرّعة في الوقت نفسه على سيل من نهايات لا تحتملها الجمجمة هي التي تأتينا بالإجابة، حين يصير الكلام هذراً، وتخبطاً، وأصواتاً، وهلوسة، لا تحتاج إلى فم أو لسان أو سبب ملموس لكي تتناهى إلى مسامعنا. هكذا فإن أعمال بيكيت التي جاءت محمّلة بهواجس الحرب العالميّة الثانية، وإن لم يكن ذلك بشكل مباشر، تجد مكانها في بيروت المحاطة بالموت والرازحة تحتل ثقل حروبها، وفق عدنان. كأن بعث تلك الأعمال الكلاسيكية تأتي كدعوة إلى التوقّف أمام موكب الموت الكبير، وأمام النهايات المحتّمة. يضم عرض «يا ويلي النهاية» خمسة نصوص ومونولوغات لبيكيت هي «هيديك المرّة» (1975)، و«مفاصل ترتعش»، و«مش أنا» (1972)، و«فاصل دير القمر» (1980) و«ضلّك عم تهزّيلا» (1980). رغم غنى تجربته الكتابية بين الشعر والنثر والمسرح، ثمّة انطباع سائد بأن بيكيت كأنما كتب نصاً مسرحياً واحداً طوال حياته، أو أن نتاجه المكتوب جاء تنويعاً على هذا النص. أما أعماله الأخيرة، فقد كانت قد تخفّفت من السياق الدرامي، ما يسهّل تدفّقها كمونولوغات تائهة حول النهايات والموت في المسرحية. يستثمر الإخراج العام في هذه المساحة المتداخلة من الأصوات ومن شخوص مصابة بمرض الزمن. أما خيار ضمّ خمسة مونولوغات إلى العمل، والتنقّل فيها بين المشاهد، فتصبّ في النهاية، بذكاء، في أسلوب بيكيت ومناخاته وحواراته العبثية ضمن مسرحية واحدة تبدو كما لو أنه كتبها هكذا بنفسه.
خمس مسرحيات قصيرة، هي: «هيديك المرّة»، و«مفاصل ترتعش»، و«مش أنا»، و«فاصل دير القمر» و«ضلّك عم تهزّيلا»

عدنان يستهلّ العمل من مدخل المبنى البيروتي القديم بمقطع من نص «مفاصل ترتعش». يصطحب المتفرّجين إلى الداخل: «قاعد بليلة عطاولتو وراسو بين إيديه شاف حالو قام وراح... لحد ما بعدين هوي كمان انطفى... بعدين راح بلش يروح» كأن هذه الرحلة التي يمرّ بها شخص ينزلق إلى موته ويبقى واعياً له في الوقت نفسه هي استهلال، على لسان الراوي لكل شخوص المسرحية، بما فيها نفسه والصوت الذي يخرج من مكان ما. هنا يلتزم الإخراج طرحَ بيكيت لـ «هيديك المرّة» وتصوّره لثلاثة أصوات مختلفة تشكّل فترات مختلفة من حياة الرجل (ساسين كوزلي) بين الكهولة والطفولة، فيقترح اللهجة البقاعية، والهمس، والطبقة المرتفعة للفصل بين الأصوات/ الأزمان الثلاثة. أصوات تخرج من ماضي رجل بيكيتي بامتياز. وجهه الذي ينعكس (ضمن فيديو) على القماشة السوداء (سينوغرافيا: دافيد حبشي وحسين نخال)، يعبث بالوقت وبالذكريات الحقيقية والمتخيلة، وبحضور الرجل الذي يتفادى الحاضر، إما باتجاه الماضي، وإما عبر الزحف إلى النهاية. يعتمد الطرح الإخراجي على الإضاءة، والموسيقى (رامي الصباغ وسارة صحناوي)، للعبور بين المونولوغات (دراماتورجيا: عدنان، صحناوي والمترجم). يتنقّل المتفرّج بين مشهد وآخر، من رأس إلى رأس، واللغة هي الهالة الأساسية التي يبرع عدنان في إخراجها ضمن مناخات داكنة ومكثّفة تحمي الوقع الداخلي للأصوات. السكون لا يحرّكه إلا سيل من الهذر والتهيؤات، تحديداً في مونولوجات كارول عبود التي تألقت بتأدية «ضلّك عم تهزّيلا»، و«مش أنا» الذي يستحضر سيرة امرأة وجدت نفسها فجأة في السبعين من عمرها. هنا يتجسّد الموت في نوع التشظي الجسدي، عبر تمثيلات تطالعنا على شاشات مختلفة، منها هاتف محمول بيد كارول. «ما عاد في لزوم للحكي» يردّد القارئ في مشهد من «فاصل دير القمر» الذي يؤديه ساسين كوزلي والمترجم على طاولة واحدة. خيالان أو تجسيدان لشخص واحد. يجلسان متقابلَين، القارئ (المترجم) يقرأ، وكلما أراد التوقّف أو إغلاق الكتاب قاطعه المستمع (كوزلي) بضربات متتالية على الطاولة. ومع هذا، لا يبقى هناك ما يقال، لأن «الكلام المباح انتهى». يمشي الإخراج مع الصوت مع إيقاعه وتدفّقه، وفق الترجمة حافظت على عوالم بيكيت، مقترحة لها سياقات ومفردات محليّة من خلال التنقّل بين اللبنانية والفصحى. وبرفقة العرض، دعا عدنان مجموعة من الفنانين إلى إنجاز تجهيزات فنية (صوت، فيديو...) خلال فترة العمل على المسرحية، هم دافيد حبشي، وسارة صحناوي، ورامي الصباغ، وجنى طرابلسي، وكونستانز فلام وهاشم عدنان، ولاريسا فون بلانتا، وحسين نخال.


* «يا ويلي النهاية»: من 2 إلى 5 أيار (مايو) ـ «مَنشِن» (زقاق البلاط ـ بيروت) ـ الدخول مجاني ـ الحجز للعرض المسرحي على ihjoz